الصادق حمدين
مهما بلغ الاستبداد من قسوة، فإن أكثر ما يكشف انحطاط منظومة القمع ليس فقط ما ترتكبه من جرائم، وإنما اللحظة التي تتوقف فيها عن الشعور بالخجل منها، فتتحول أدوات البطش إلى أسماء تُعلن على الملأ، وتصبح الممارسات التي يفترض أن تُخفيها السلطات خلف الأبواب المغلقة مادة للاستعراض أمام الكاميرات.
من مغتصب إلى ضباح تبدو المسافة قصيرة في قاموس منظومة دموية لا ترى في الإنسان سوى جسد قابل للإذلال والانتهاك، وفي الدولة سوى جهاز لحماية السلطة بالقوة حتى لو أدى ذلك إلى ذبح ثلث الشعب.
في واقعة محاكمة قتلة الأستاذ أحمد الخير، أثار ما نُسب إلى أحد أفراد جهاز الأمن من تعريفه لوظيفته أمام المحكمة بلفظ وظيفة مغتصب صدمة عميقة لدى السودانيين. واليوم، وفق المقطع المصور الذي تتحدث عنه هذه المقالة، يظهر أفراد من مجموعة تقدم نفسها باسم الضباحين، التابعة لكتيبة العمل الخاص، وهم يستعرضون أنفسهم وأدواتهم أمام الكاميرا كأنهم في مشهد تمثيلي.
هنا لا يعود السؤال: ماذا فعل هؤلاء الرجال؟ السؤال الأخطر هو: من سمح لهم بأن يعرّفوا أنفسهم بهذه الصفة التي تحمل الإجرام بين حروفها، وأن يظهروا بها علناً، وأن يلتقوا مسؤولاً ولائياً بصفتهم المعلنة؟
المشهد الذي تصفه الرواية المصاحبة للمقطع أكثر من مجرد واقعة عابرة. يظهر أحد أفراد المجموعة مكشوف الرأس وهو يهلل ويكبر، فيسارع زميل له إلى تغطية رأسه حتى لا يمكن التعرف عليه لاحقاً. ثم يأتي التعريف الصريح: كتيبة العمل الخاص… الضباحين. والأشد دلالة أن هذا التعريف قيل، بحسب المقطع، أمام والي الخرطوم وأعضاء في اللجنة الأمنية من بينهم ضابط برتبة لواء.
إن المسألة لا تتعلق بمجموعة مسلحة تتصرف من تلقاء نفسها فحسب؛ بل تتعلق أيضاً بصورة الدولة وهي تستقبل وتستمع إلى رجال يقدّمون أنفسهم بهذه الصفة، من دون أن نرى في المشهد رفضاً أو إدانة أو إبعاداً.
ذلك الصمت ليس تفصيلاً صغيراً. في الدول التي تحترم مواطنيها، حين تظهر مجموعة مرتبطة بالقوة والسلاح وتقدم نفسها بلقب يحمل دلالة دموية، فإن أول رد فعل للمسؤول هو السؤال والمحاسبة: من أنتم؟ تحت أي قانون تعملون؟ من أصدر أوامركم؟ وما الذي فعلتموه؟ أما أن يتحول اللقاء إلى مشهد عادي تتخلله التكبيرات والتهليلات، فذلك يفتح باباً بالغ الخطورة حول حدود العلاقة بين السلطة الرسمية والقوة غير المنضبطة.
والأخطر من “الضباحين” أنفسهم هو التطبيع مع وجودهم. فالطغيان لا يبدأ دائماً بقرار مكتوب. أحياناً يبدأ حين يصبح العنف أمراً مألوفاً، وحين يصبح حامل السلاح مقبولاً في حضرة المسؤول، وحين يتوقف الناس عن السؤال: لماذا؟ ومن سمح؟ وتحت أي قانون؟
إن السودانيين الذين عانوا القتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء والانتهاكات لا يحتاجون إلى مزيد من الأسماء التي تُطلق على تشكيلات القوة، بل يحتاجون إلى دولة تحميهم من كل قوة تعمل خارج القانون. والسيد الوالي يعلم قبل غيره أن هنالك اتهامات موثقة بارتكاب هذه المجموعة فظائع بحق المدنيين، فإن الطريق الطبيعي والتصرف المنطقي الذي يفرضه القانون ليس الاحتفاء بها ولا استقبالها كأن شيئاً لم يكن، وإنما التحقيق المستقل، وتحديد المسؤوليات، وتقديم المتورطين إلى العدالة.
ولا ينبغي أن تُفهم هذه المسألة باعتبارها خلافاً على اسم مجموعة أو كتيبة. القضية أكبر بكثير: هل السلاح في السودان خاضع للقانون، أم أن القانون أصبح خاضعاً للسلاح؟
إن ظهور رجال يعلنون أمام مسؤول حكومي أنهم الضباحين ثم يمضون في استعراضهم، يجب أن يكون هذا الظهوري الجريء والمتحدي مناسبة لفتح تحقيق علني لا مناسبة للصمت والانكسار. وعلى المسؤولين الذين ظهروا في المشهد أن يوضحوا للرأي العام ماذا كان موقفهم، ومن هم هؤلاء، وتحت أي سلطة يعملون، وهل تملك الدولة سجلاً واضحاً بأفرادهم وأوامر عملياتهم ومهامهم؟
أما محاولة دفن المشهد تحت التكبير والتهليل، فلن تمحو الأسئلة. فالذاكرة السودانية لا تنسى بسهولة. والضحايا لا يختفون لأن الجناة غطوا وجوههم. والكاميرات التي تخيف الضباح اليوم قد تصبح، غداً، جزءاً من الأدلة التي يبحث عنها قاضي العدالة.
ومن المؤسف أن يصل الانحطاط في الخطاب والممارسة إلى مرحلة يصبح فيها لقب الضباح هوية يتباهى بها صاحبه بدلاً من أن يخجل منها.
الدولة ليست كتيبة، والوالي ليس شيخاً لقبيلة مسلحة، والسلاح ليس بطاقة شرف. الدولة التي تقبل أن تُستعرض أمامها أدوات البطش، وتلتزم الصمت حين تُعلن مجموعات مسلحة عن نفسها بأسماء دموية، لا تستطيع أن تطلب من مواطنيها أن يثقوا بأنها قادرة على حمايتهم.
ولذلك فإن القضية ليست فقط إدانة الضباحين، بل إدانة البيئة السياسية والأمنية التي تسمح بأن يصبح القتل والترويع لغة للتعريف بالنفس، وأن يجد أصحاب هذه اللغة طريقهم إلى مكاتب كبار المسؤولين دون أن يواجهوا السؤال البديهي: من أعطاكم الحق في أن تكونوا ضبّاحين باسم الدولة؟ هذا السؤال، قبل غيره، هو الذي يجب أن يجيب عنه المسؤولون أمام الشعب السوداني.
Sent from Outlook for iOS
umniaissa@hotmail.com
