بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
في بلادنا الحبيبة والغريبة عنا..
القريبة إلى قلوبنا البعيدة عن عقولنا..
المتعثرة في خطاها، المتدهورة في بناها، الممزقة في ذاتها..
بلاد يكره بعضها بعضا، ويحقد بعضها على بعض.
بلاد تشكو إلى الله من ظلم بنيها، وتكتوي بنار الظلم والمحسوبية والتفرقة والعنصرية البغيضة.
تطرد أبناءها فلا تدع لهم موضع قدم يعيشون فيه بكرامة وسلام، وتقبل على الغريب إقبال العاشق، وتدبر عن القريب إدبار النافر.
بلاد صار فيها الانتماء جريمة والاغتراب غنيمة.
فيها السياسة أداة نصب دائمة، تنصب كل شيء ولا ترفع إلا السفلة، وتتعدى على الضم والكسر، وبلغ بها الإجرام أن تتاجر بدماء الموتى.
وفيها الأمن في زمن تسعة طويلة والجنجويد ومن لف لفهم ودار في فلكهم حرف جر، نجر به الناس إلى العذاب والتشريد والنزوح والدمار والخراب.
وجهاز الشرطة جار ومجرور، يجر المواطن إلى بئر الفقر بمخالفات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يتحرك إلا بإشارة.
والمحلية فعل متعد يبطش بالبسطاء والمساكين بلا مفعول به يدافع ولا فاعل ينصر.
والثقافة لا محل لها من الإعراب البتة.
والاهتمام بالتعليم ضمير مستتر تقديره ضعيف، لا تراه العين ولا يحسه القلب.
والأخلاق واو عطف زائدة، إن حضرت كانت ناقصة، وإن غابت اقتصرت على قلة.
وطن صار فيه التملق عادة، والرقاد عبادة، والتزلف لكبار المسؤولين محمدة، وتخطي الصفوف فلاحة. إنه الانحطاط بعينه يا قوم.
وفي هذا الخراب تُدفع الأموال بسخاء للقونات والمغنيات، ويهان المعلم ويُبخس حقه.
تجد الرقص الماجن والغناء الهابط في كل مكان، والكل يشكو الفقر ولا يدري المسكين أن الفقر الحقي في العقول التافهة الحقيرة التي تمجد التفاهة وتحارب الشرفاء.
تُضيق على ستات الشاي الكادحات وتُحارب صاحبات الرزق الحلال، بينما يُفسح المجال لتجارة الوهم وبيع الممنوع.
أي ميزان هذا الذي يستوي فيه العامل الشريف مع بائع الضلال؟
فيها ترفع الرايات الساقطة، وتنصب المشانق للأحرار، وتجر الكرامة إلى الحضيض.
فيها يكافأ التافه ويعاقب النابه، ويقدم الأرعن ويؤخر الحكيم.
فيها صار الصدق شذوذا والنفاق أصلا راسخا، والكرامة حماقة والوصولية شطارة.
أي وطن هذا؟
وطن يأكل أبناءه ويطعم أعداءه.
وطن صاحب الحق فيه ذليل والباطل فيه عزيز.
يكرم الدخيل ويهين الأصيل، ويبني للغريب ويهدم لابن الدار.
ولكن رغم كل الخراب..
سيبقى فينا قلب لا ينكسر، ولسان لا يصمت، وقلم لا يكذب.
لأن الأوطان لا تموت بموت حكامها، ولا تضيع بضياع ساستها.
الأوطان تحيا بمن بقي فيها على العهد، ثابتا كالجبل، شامخا كالنخل، راسخا كالوتد.
والله المستعان على ما تصفون
murtadaasgad@gmail.com
