بقلم: السر جميل
يتناول الفيديو الشهير للعميل السابق في الاستخبارات السوفيتية (KGB) يوري بيزمينوف على اليوتيوب آلية إسقاط الدول وتدمير المجتمعات من الداخل عبر ما يُعرف بـ التخريب الأيديولوجي أو الحرب النفسية، دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وتتم هذه العملية عبر أربع مراحل متتالية؛ تبدأ بـ إحباط المعنويات وتغيير القيم على مدى 15 إلى 20 سنة لتنشئة جيل مشكك في أصوله وثقافته ومجرد من قدرته على التمييز بين الحق والباطل.
تليها زعزعة الاستقرار خلال عامين إلى 5 أعوام بتقويض الاقتصاد والأمن، ثم الأزمة في غضون أسابيع معدودة لدفع المجتمع نحو الفوضى والانهيار، وتختتم بـ التطبيع وفرض أمر واقع جديد يُسلب فيه المجتمع حريته وسيادته تحت مسمى إعادة النظام والاستقرار. وتتلخص الرسالة الرئيسية للمقطع في أن التهديد الأكبر والأخطر للأمم يكمن في استهداف وعيها وأخلاقها وتفكيك بنيتها الفكرية بدلا من المواجهة العسكرية المباشرة، هل تجدون وجه تشابه فيما يحدث في السودان ؟
إن الوقوف على أرض السودان هو وقوف على تاريخ ينبض بالحضارة والعراقة، وموروث ثقافي متنوع وفريد يكسوه الثراء وتتعدد فيه الرؤى والملامح. إنه البلد الذي حباه الله بجغرافية ومناخ وثروات تجعله ينفرد بين أمم الأرض، ثروة حيوانية وسمكية، وغابات ممتدة، وموارد مائية عذبة تجعل منه بحق سلة غذاء العالم العربي، بل ومؤهلا – مع كندا وأستراليا – لكفاية العالم أجمع من الخيرات والرزق المتدفق. غير أن هذه النعم الجليلة والمقدرات العظيمة لا قيمة لها إن لم تحرسها عقول واعية، وقلوب مدركة لعظم المسار وعواقب القرار.
إنك كفرد تنتمي إلى هذا التراب العظيم، المسؤول الأول والأخير عن تصرفاتك وأفعالك، والمحاسب وحدك أمام الله بالذرة وبالحرف الذي تكتبه، وبالكلمة التي تتفوه بها، والحركة التي تفعلها، بل وحتى بالنية التي تضمرها بين جنبات قلبك، فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
لا تدع الهاشمية والانفعال الأعمى يسوقانك وراء الفتن وظلم الآخرين، ولا تنجر وراء الجمع بالتبعية المقيتة في كل صيحة وجهالة، فتخوض في أعراض الناس بالغيبة والنميمة والبهتان والظن السيء. إن السقوط في فخ التبعية يفقدك استقلالك الأخلاقي، ويجعل منك صدى لغيرك في الإثم والعدوان.
تأمل حالك حين تجد لنفسك في كل شأن رأيا وقولا وفعلا، بعيدا عن استحضار ذلك اليوم المهيب، اليوم الذي تقف فيه بين يدي الله عز وجل، والخلائق جميعا وقوف في صمت تام ومطبق، لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا. هناك، تحت هيبة ملك الملوك، تنادى باسمك وحدك نعم وحدك للحساب على كل صغيرة وكبيرة، وكل ذرة عملتها.
قال تعالى: “وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا” (الكهف: 49).
وياليت الأمر يقف عند مجرد السؤال، بل إنك في ذلك الموقف الحاسم تكون الحسيب على نفسك، وتشهد وتجيب بأنك لم تظلم شيئا، وأن كرام الكاتبين من الملائكة لم يكتبوا عليك سيئة عن طريق الخطأ أو النسيان، ولم يغفلوا عن حسنة قدمتها. وفي ذلك المشهد الرهيب، لا تقتصر الشهادة على الصحائف فحسب، بل تستنطق الجوارح. فكل جزء في جسمك، منك وفيك، يشهد عليك ويثبت إدانتك أو براءة نفسك.
قال تعالى: “الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (يس: 65).
للأسف، قلما نتأمل أو نستشعر عظمة هذا الهول وعظمة هذا المشهد الذى نقف فيه قريبا ونحن غارقون في غمار الضجيج اليومي، نتنقل بين منصات الفيسبوك، واليوتيوب، وأكس، والتليغرام، نخوض مع الخائضين، ونفتي بغير علم، ونتهم بغير دليل، ندين ونشجب ونسب ونلعن، وننصب أنفسنا قضاة زماننا وحكماء عصرنا ومرشدي أمتنا الضائعة.
نمارس كل هذا بطيش وجهل، بعيدا عن موازنة الكلام والتريث والتفكر في الأثر الذي نتركه من بعدنا. إننا ننسى أو نتناسى أننا لا ندري متى تنقضي الآجال، فلربما تكون الكلمة الأخيرة التي نكتبها في هذا الفضاء الرقمي هي آخر ما نودعه في صحائف أعمالنا قبل الرحيل. ينبغي لكل عاقل أن ينظر في حرفه قبل كتابته هل سيكون صدقة جارية يصله ثوابها ونورها في قبره، أم سيكون وبالا عليه يوم القيامة وسيئات جارية تكبر وتتضاعف كلما قرأها أحد من بعده أو أعاد نشرها؟
إن الأمة التي حباه الله بالأرض المباركة والثروات الزاخرة، أحوج ما تكون اليوم إلى أبناء يملكون الوعي والمسؤولية الوطنية والأخلاقية. فالكلمة سلاح، إما أن تبني وتصلح وتجمع الشمل، وإما أن تهدم وتفرق وتذكي نار الفتنة. عندما تنجرف المجتمعات في مستنقع الخصومات السطحية والاتهامات الجزافية، تضيع المقدرات وتتعطل طاقات البناء، وتحرم الأجيال القادمة من ثمار ذاك الموروث العريق والخير الممتد.
إن المسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات والقيادات وحدها، بل تبدأ من الفرد ذاته، من ضبط لسانه، وصيانة قلمه، وتحري الحق فيما ينقل وينشر. فلنتق الله في كلماتنا وأقلامنا وما تخطه أناملنا، ولنتذكر دوما قوله جل وعلا:
“مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” (ق: 18).
لنجعل من أثرنا الرقمي والواقعي شاهدا لنا لا علينا، ومنبرا للحق والسلام، وبناء الوطن، ونشر الفضيلة والتآخي بين العباد، ليكون تاريخنا فخرا وحاضرنا مستقرا ومستقبلنا زاهرا بما قدمت أيدينا الآن.
elsir90@hotmail.com
