الصادق حمدين
حتى بعض التكايا قد أخمدت نارها، وسكن “حلة العدسية” الفراغ، وتوقفت اليد عن الفم، فلم يعد هناك ما يحفظ الحياة. أوقفوا حرب الندامة والذل والانكسار التي جعلت الإنسان السوداني يفقد إنسانيته صباح كل يوم جديد.
تواترت الأنباء أن بعض التكايا قد توقفت عن إمداد الأسر المعدمة بالطعام الذي يحفظ الحياة، وكلمة “طعام” هنا وردت تحايلاً على اللغة؛ ففي الواقع، الطعام المقصود هو عبارة عن صحن عدسية صغير قد لا يكفي لشخص واحد. فليس للأسر رفاهية الخيار سوى تناوله، وتحمد الله على مأساتها.
أنا هنا لا أتكلم عن مأساة أن تتناول وجبة واحدة، ومن نفس نوع الطعام، لمدة سنين. وهنا الوجبة المقصودة هي صحن البليلة العدسية. فأي عقاب هذا؟ النفس البشرية تعاف نفس الطعام إذا تناوله الشخص ليومين متتاليين، فما بالك إذا أصبحت الوجبة الوحيدة هي عدسية؟ وحتى هذه العدسية لم تعد موجودة.
أيها السودانيون، أي عقوبة أن يجوع الإنسان وهو يرى وطنه يحترق؟ أي جريمة أن يصبح الحصول على صحن عدسية أمنية، وأن تتحول الوجبة التي كانت تسد الرمق إلى حلم بعيد المنال؟ وأي حرب هذه التي لا تكتفي بقتل الإنسان، بل تحاصره في خبزه وكرامته وإنسانيته؟
الشيء الذي يقهر، ويرفع حاجب الدهشة، في لقاء صحفي مع وزير خارجية بورتسودان، تطرق السائل إلى وجوب هدنة إنسانية عاجلة لإغاثة من هم يدفعون لهذا المستوزر الألثغ العَيِيّ مرتبه ونثرياته من فقرهم وإملاقهم، فقال: فض الله فاه، وفي إدعاء يظهر جهله العميق مقرون بانفصام الشعارات عن واقع الحرب وتداعياتها “لن تقف الحرب حتى يسلم الدعم السريع سلاحه ويتجمع في معسكرات”، حينها فقط سنسمح بهدنة إنسانية.
بئس حكومة يقول وزير خارجيتها “بل بس”، ولكن بكلمات ولغة مغايرة. أي عقل هذا الذي يضع الجائع رهينة لشروط الحرب؟ وأي منطق هذا الذي يجعل إطعام الأطفال والنساء والشيوخ مشروطاً بانتصار طرف على طرف؟ هل صحن العدسية يحمل سلاحاً؟ هل التكية مقراً عسكرياً؟ هل بطن الطفل الجائع جزء من المعركة؟
هذه الحرب لم تعد حرباً على السلاح وحده؛ إنها حرب على الإنسان السوداني، على حقه في الحياة، وعلى أبسط ما تبقى له من كرامة. وكل يوم تستمر فيه هذه الحرب، يسقط شيء من إنسانيتنا، وتزداد فاتورة الدم والجوع والنزوح والفقد. لكن تجار الحروب عليهم أن يعلموا أن التاريخ لا يرحم.
قد يملكون المال والسلاح والمنابر، وقد يستطيعون تأجيل لحظة الحساب، وقد ينجحون في إسكات صوت الجائع لبعض الوقت، لكنهم لن يستطيعوا إسكات ذاكرة شعب كامل كل الوقت. سيحملون عارهم الأبدي إلى قبورهم، وستظل أسماء من أشعلوا هذه النار ومن أطالوا أمدها ومن جعلوا جوع السودانيين ورقة في سوق السياسة والحرب، شاهدة على واحدة من أكثر صفحات تاريخنا سواداً.
لن تنتهي الحكاية عندهم. فالشعب السوداني الذي أرهقته الحرب، وأكل الجوع أطرافه، وتشردت أسرته، وفقد أبناءه، ليس شعباً مات. إنه شعب يقاوم الموت كل صباح، ويبحث وسط الركام عن معنى للحياة.
وكطائر الفينيق، سيخرج السودان من هشيم رماده. سيحلق من جديد، لا بأجنحة الحرب، ولا بأجنحة الانتقام، وإنما بأجنحة الحرية والسلام والعدالة.
سيأتي اليوم الذي تنطفئ فيه نار المدافع، ويعود المطبخ و”التكل” إلى إشعال ناره، ويعود صحن الطعام طعاماً لا صدقة، وتعود اليد إلى الفم دون خوف، ويجلس السوداني إلى مائدته دون أن يسأل: هل سيكون هناك طعام غداً؟
سيأتي ذلك اليوم، شاء تجار الحرب أم أبوا. وسيظل السؤال قائماً أمام كل من أطال هذه الحرب: ماذا سيقول الإنسان عنكم عندما تهدأ المدافع؟ ماذا ستقول عنكم الأمهات اللائي دفن أبناءهن؟ ماذا سيقول عنكم الجائعون الذين ناموا بلا طعام؟ وماذا سيقول التاريخ عن أولئك الذين كان بإمكانهم إيقاف النزيف، لكنهم اختاروا أن تستمر الحرب؟
أوقفوا حرب الندامة. فالسودان أكبر من الجميع، والشعب السوداني أبقى من الحرب، والحرية لا تموت، والسلام لا يُهزم، والعدالة وإن تأخرت، ستصل. أما تجار الحروب، فليعلموا أنهم مهما طال بهم الزمن، سيموتون وهم يحملون عارهم الأبدي إلى قبورهم.
وسيبقى السودان ولو كره أعداء الداخل والخارج. وسيعود طائر الفينيق السوداني، لا محالة، من بين الرماد والركام، محلّقاً بأجنحة الحرية والسلام والعدالة، ليستعيد وطناً يليق بإنسانه وكرامته. وإلى أن يشرق فجر الحرية، تظل التكايا مشاعل صمود تحفظ للمدينة إنسانيتها، فادعموها بما تجود به إنسانيتكم، حتى تبقى نارها متقدة، ولا يُترك الجوع الكافر لينهش ما تبقّى من أعماق مدينتنا الإنسان. فكل يد تمتد بالطعام اليوم، إنما تزرع في رماد هذا الوطن بذرة غد أكثر عدلاً وسلاماً وحرية.
umniaissa@hotmail.com
