باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 28 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. الوليد آدم مادبو
د. الوليد آدم مادبو عرض كل المقالات

نحو نهضة مستدامة لغرب السودان

اخر تحديث: 28 أغسطس, 2026 8:37 مساءً
شارك

نحو نهضة مستدامة لغرب السودان
كتابة: د. الوليد آدم مادبو
خبير الحِكمانية ومستشار التنمية الدولية
أغسطس ٢٠٢٦
ملخص
تشخّص هذه المقالة اقتصاد الحرب الذي يعيشه غرب السودان، حيث تحوّل المزارع والراعي وسوقهما إلى فريسة لتحالف غير معلن بين تجار مستغلين وموظفين فاسدين، في ظل غياب سلطة الدولة. وتطرح كمخرج نموذجًا تشاركيًا يجمع بين شركات مساهمة يملكها المنتجون وتعاونيات تدير التمويل والمدخلات، مستلهمة تجربتين عالميتين: اتحاد موندراغون التعاوني في إسبانيا، ومشروع الجزيرة السوداني الذي يقدّم درسًا محليًا في مخاطر إعادة مركزة الحوكمة بعد التأميم. كما تناقش آليات تمويل هذا النموذج عبر رأس مال المغتربين، مستعرضة تجارب سندات الشتات في الهند وإسرائيل ونيجيريا وإثيوبيا، وتضعها في سياق فرصة سوقية ملموسة يمثلها الفول السوداني، الذي يخسر فيه السودان حصته العالمية بسرعة بسبب الحرب.
وتذهب المقالة إلى ما هو أعمق من التمويل والحوكمة، لتواجه سؤال الأرض نفسه: نظام “الحواكير” القبلي الذي يحبس غرب السودان في فضاء أقرب إلى القرون الوسطى، رافضة كلًا من المصادرة الثورية والجمود على حد سواء، ومقترحة بدلًا منهما توسعًا أفقيًا عبر شراكات إقليمية ودولية، مستندة إلى تجارب مثل نيجيريا وتجربة تجار غرب السودان التاريخية خارج حدود بلادهم. وتختتم بدعوة مفتوحة وصريحة إلى الخبراء السودانيين، والمستثمرين، وخبراء الأراضي، والخبرات الدولية، للمساهمة معًا في بلورة هذه الرؤية وتنفيذها.
حين يملك العامل مصنعه: درسان من موندراغون والجزيرة
في عام ١٩٥٦، وفي بلدة إسبانية صغيرة اسمها موندراغون، وسط جبال الباسك الممطرة، لم يكن هناك ما يُنبئ بشيء استثنائي. قسيس شاب اسمه خوسيه ماريا أريزمنديارّييتا، جمع خمسة من تلامذته السابقين، وأسّسوا معًا ورشة صغيرة لصناعة مواقد الكاز. لم يكن معهم رأس مال كبير، ولا دعم حكومي، لكن كان معهم شرط واحد غيّر كل شيء: كل من يعمل في الورشة يملك حصة فيها، وله صوت مساوٍ لصوت أي شريك آخر في القرار.
بعد سبعين عامًا، تحوّلت تلك الورشة الصغيرة إلى اتحاد يضم نحو ثمانين تعاونية، ويشغّل أكثر من خمسة وسبعين ألف عامل-مساهم، بإيرادات تتجاوز اثني عشر مليار يورو سنويًا. لم يكن السر في تقنية معينة أو حظ عابر، بل في فكرة بسيطة: حين يملك الإنسان جزءًا حقيقيًا مما ينتجه، يتغيّر كل شيء — جودة عمله، والتزامه، وحرصه على نجاح المشروع كأنه بيته.
حين يملك الإنسان جزءًا حقيقيًا مما ينتجه، يتغيّر كل شيء.
والآن، إلى غرب السودان
في غرب السودان اليوم، يعيش المواطن قصة معاكسة تمامًا. الحرب حوّلت المزارع والراعي وسوقه الصغير إلى هدف مشروع في نظر أطراف النزاع، وفي غياب الدولة، وجد نفسه أسيرًا لتاجر يربح أضعاف السعر العادل، بتواطؤ صامت أو معلن من موظفين لا يُحاسَبون. والسؤال الذي يتردد في كل قرية ومدينة هناك: هل استبدلنا فسادًا بفساد آخر، أم أن هذا قدر لا مفر منه في زمن الحرب؟
الإجابة، كما تعلّمنا تجربة موندراغون، ليست في البحث عن تاجر “أكثر رحمة”، بل في تغيير من يملك القيمة أصلًا. فبدلًا من أن يبقى المزارع والراعي في آخر السلسلة يتلقى الفتات، يمكن أن يصبحا شريكين حقيقيين في شركة مساهمة يملكانها فعلًا، إلى جانب تعاونية تدير لهما التمويل والبذور والآليات وتطوّر معرفتهما الإنتاجية.
هذه ليست دعوة إلى الاشتراكية ولا إلى إلغاء السوق، بل إلى نموذج أثبت جدواه في أكثر من بلد: حين يجمع رأس المال ورأس المال البشري في هيكل واحد شفاف، تُبنى ثروة حقيقية تبقى في يد من صنعها. لكن هذه الفكرة، مهما بدت جميلة، تحتاج إلى ضمانات كي لا تتحول هي نفسها إلى واجهة فساد جديدة — وهذا بالضبط ما تعلّمنا إياه قصة سودانية أخرى، أقرب إلينا بكثير من إسبانيا.
ومن الجزيرة: نجاح سوداني تحوّل إلى تحذير
عام ١٩٢٥، بين النيلين الأزرق والأبيض، بدأ السودانيون واحدة من أجرأ التجارب الزراعية في تاريخ أفريقيا. حُفرت القنوات، ووُقّعت اتفاقية غير مسبوقة بين ثلاثة أطراف: الحكومة توفّر الماء والتمويل، ومجلس الجزيرة يدير المشروع ويوفّر المكننة، والمزارعون المستأجرون يقدّمون العمل والأرض. وبعد خصم التكاليف، يُقسَّم الدخل الصافي: أربعون بالمئة للمزارع، وأربعون للحكومة، وعشرون للمجلس.
نجحت التجربة نجاحًا مذهلًا. بحلول السبعينيات، كان مشروع الجزيرة يشغّل قرابة مليوني إنسان بين مزارع وعامل موسمي وإداري، ويشكّل وحده نحو ستين بالمئة من صادرات السودان. لم يكن مجرد مشروع زراعي، بل كان العمود الفقري لاقتصاد بلد بأكمله، وقصة نجاح سودانية خالصة يستحق أن يفخر بها كل سوداني.
ولا بد من التذكير هنا بحقيقة تاريخية لا يجوز إغفالها: إن الأيدي العاملة التي شغّلت مشروع الجزيرة وغيره من كبريات المشاريع الزراعية في السودان كانت في غالبها من أبناء الغرب والزرقة خاصة، الذين عرقوا لعقود، بل لأكثر من قرن من الزمان، في أرض ظلّت تخضرّ بسواعدهم وحدهم، بينما حُرموا من مجرد حق تملّكها أو تملّك فائض القيمة الذي أنتجته. اليوم، وبعد هذا التاريخ الطويل من العمل بلا ملكية، تأتي الفرصة لهؤلاء أنفسهم كي يسهموا في نهضة إقليمهم لا كعمالة في مشاريع الآخرين، بل كشركاء يملكون عرق جبينهم ونتاجه معًا.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. في السبعينيات، أمّمت الدولة المؤسسات الزراعية الكبرى، وفرضت أسعارًا ثابتة للقطن عند البوابة الزراعية، فتقلّصت هوامش المزارعين وتراجع حافزهم على الاستثمار في أرضهم. وبحلول التسعينيات، كانت أرباح المزارع الحقيقية قد هبطت إلى ثلاثة أرباع مستواها في السبعينيات، وتراجعت الغلة من نحو أربعة قناطير للفدان إلى أقل من ثلاثة. الذهب الذي بنى المشروع بدأ يتسرب من يد صانعه.
لم يكن السبب في المعادلة نفسها، بل في من امتلك سلطة تعديلها بمفرده.
الدرس هنا ليس أن التعاون فشل، بل أن الحوكمة فشلت. حين تحكمت جهة مركزية واحدة في التسعير والتوزيع معًا، فقد المزارع صوته وثقته، رغم أن معادلة الأرباح على الورق ظلت “عادلة” شكليًا. وهذا بالضبط الفخ الذي يجب أن يتجنبه أي نموذج جديد يُبنى اليوم لغرب السودان.
كيف نتجنب تكرار الخطأ؟
الحل ليس معقدًا، لكنه يحتاج إلى انضباط مؤسسي حقيقي: أن يُفصل من يدير “صندوق تطوير الإنتاج” عن من يدير الشركة نفسها، حتى لا تتحكم جهة واحدة في كل شيء. أن تُنشر تقارير توزيع الأرباح للجميع، لا أن تبقى حبيسة مكتب مدير. أن تتغيّر عضوية مجالس الرقابة دوريًا، فلا تستقر في يد عائلة أو حزب. وأن يُشترط على أي إعفاء ضريبي تمنحه الدولة التزام حوكمة واضح وقابل للمراجعة.
بهذه الضمانات فقط، يمكن لمعادلة تقاسم الأرباح — سواء كانت أربعين وأربعين وعشرين كما في الجزيرة، أو ثلثًا لكل من الشركة والتطوير الإنتاجي ورأس المال كما يقترح هذا المشروع — أن تبقى عادلة على أرض الواقع، لا فقط على الورق. وتبقى السؤال الأخير: من أين يأتي رأس المال الذي يُشغّل هذه الشركات أصلًا؟
من نيودلهي إلى فول دارفور: كيف يبني السودانيون نهضتهم بأيديهم؟
في صيف عام ١٩٩١، وقفت الهند على حافة الإفلاس. احتياطي النقد الأجنبي كاد ينفد، واضطرت الحكومة لشحن جزء من احتياطي الذهب إلى لندن كضمان لقروض عاجلة. في تلك اللحظة الحرجة، لجأت الهند إلى مورد لم تكن قد استثمرت فيه بجدية من قبل: ملايين الهنود المقيمين خارج بلادهم. أصدرت الحكومة سندات استثمار موجهة لهم تحديدًا، فاستجابوا بثقة مذهلة، وضخّوا نحو أحد عشر مليار دولار أنقذت اقتصاد بلادهم من الانهيار.
لم تكن الهند الوحيدة. إسرائيل جمعت عبر عقود من مغتربيها نحو أربعين مليار دولار مولت بها بنية تحتية استراتيجية. ونيجيريا، في تجربة أفريقية أقرب إلينا، أصدرت عام ٢٠١٧ سندات بقيمة ثلاثمئة مليون دولار، أقبل عليها مستثمرون من أربع عشرة دولة. لكن ليست كل التجارب نجحت بنفس القدر: سند إثيوبيا الأول تعثّر، لأن المغتربين — مهما بلغ حنينهم لبلدهم — يتصرفون كمستثمرين حذرين لا كمتبرعين، ويحتاجون ثقة حقيقية وشفافية مالية قبل أن يضعوا مدخراتهم في أي مشروع.
المغترب مستثمر قبل أن يكون صاحب حنين، وثقته تُبنى بالشفافية لا بالعاطفة وحدها.
المغتربون السودانيون: طاقة لم تُستدعَ بعد
آلاف السودانيين من أبناء دارفور وكردفان، إلى جانب مغتربين سودانيين من كل الأقاليم، يعيشون اليوم في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، كثير منهم لم تتح له بعد فرصة حقيقية للمساهمة بماله أو خبرته في نهضة إقليمه. الدرس من التجارب العالمية واضح: لا تبدأ بطرح استثماري ضخم، بل بمشروع صغير محدد النطاق — مثل تمويل موسم إنتاج واحد في منطقة واحدة — مدقق ومُعلن النتائج، يبني سجل ثقة حقيقيًا قبل أي توسع.
ولماذا الفول السوداني تحديدًا؟
لأن الفرصة موجودة فعلًا، لا افتراضية. تبلغ قيمة تجارة الفول السوداني عالميًا نحو ثلاثة مليارات وثلاثة أرباع المليار دولار سنويًا، وكان السودان تاريخيًا من أكبر ستة منتجين في العالم، بفضل كردفان ودارفور والقضارف. لكن الحرب أخرجت السودان فعليًا من هذا السباق: تراجع إنتاجه إلى نحو مليون طن فقط هذا الموسم، وانهارت قيمة صادراته بنسبة تقارب ستة وتسعين بالمئة خلال عام واحد، بينما أوشكت السنغال — وهي منافس أضعف تاريخيًا — على تجاوز السودان في الإنتاج.
هذا الرقم بالذات هو أقوى دعوة يمكن توجيهها لأي مستثمر أو جهة دولية: نحن لا نطلب الدخول إلى سوق لم نعرفه من قبل، بل استعادة موقع كان لنا فعلًا حتى وقت قريب جدًا.
وماذا يكسب المستثمر تحديدًا؟
لأصحاب رؤوس الأموال، الفكرة هنا ليست عملًا خيريًا، بل فرصة عمل حقيقية تستحق النظر الجاد. أولًا، السوق قائم فعلًا ومتنامٍ عالميًا، والفرصة اليوم هي استعادة حصة مفقودة لا اختراق مجهول. ثانيًا، تضمن معادلة توزيع الأرباح للمساهم عائدًا مباشرًا وواضحًا على رأس ماله، إلى جانب حافز أكبر: إعفاءات ضريبية وجمركية تمنحها الدولة لكل شراكة تلتزم بمعايير الحوكمة والشفافية المتفق عليها.
ثالثًا، وربما الأهم، أن ضمانات الحوكمة التي شرحناها أعلاه — الفصل بين الإدارة والتطوير، ونشر الحسابات، وتدوير الرقابة — ليست شعارات أخلاقية فحسب، بل حماية مباشرة لرأس مال المستثمر نفسه من التسييس أو إعادة المركزة التي أطاحت بمكاسب مشروع الجزيرة سابقًا. ورابعًا، لا حاجة لمخاطرة كبيرة من اليوم الأول: يبدأ النموذج بمشاريع تجريبية صغيرة محددة النطاق، بنتائج مدققة ومعلنة، قبل أي توسع في رأس المال المخاطر به.
ليست الفكرة عملًا خيريًا، بل فرصة استثمار محسوبة المخاطر في سوق نعرفه ونستحقه.
من يدخل هذا المشروع اليوم، في مرحلته التجريبية الأولى، يدخل بميزة الوصول المبكر إلى قطاع سيعاد بناؤه لا محالة عاجلًا أم آجلًا — والسؤال الوحيد هو من سيكون شريكًا في إعادة بنائه. لكن يبقى سؤال أعمق من التمويل نفسه معلّقًا: على أي أرض، وبأي صفة قانونية، سيُزرع هذا الفول أصلًا؟
الأرض التي حبستنا: من الحواكير إلى الشراكة الأفقية
لا يمكن الحديث عن أي نهضة زراعية حقيقية في غرب السودان دون مواجهة سؤال أقدم من الحرب نفسها، بل أقدم من الدولة السودانية الحديثة: من يملك هذه الأرض؟ منذ عهد السلطنات القديمة، حكم نظام “الحواكير” توزيع الأرض في دارفور وكردفان، حيث تُمنح مساحات شاسعة لقبيلة بعينها لا لفرد أو شركة، فتتحدد هوية الأرض بهوية أهلها لا بمن يفلحها فعليًا أو يستثمر فيها. هذا النظام، الذي نجا من الاستعمار ومن الدولة الوطنية على حد سواء، ما يزال يحكم الواقع الفعلي لملكية الأرض في غرب السودان حتى حين يتجاهله القانون الرسمي — وهو ما يُبقي الإقليم حبيس فضاء أقرب إلى القرون الوسطى منه إلى اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
لا للمصادرة، لكن لا للاختناق أيضًا
الحل السهل الذي يقترحه كثيرون هو إصلاح ثوري: تؤول الأرض إلى الدولة عبر المصادرة، ويُعاد توزيعها من الصفر. لكن هذا الطريق مرفوض هنا بوضوح، فمصادرة الأرض من هوياتها القبلية تخلق ما يمكن تسميته “احتباسًا هوياتيًا”: يفقد الناس الإطار الذي يعرفون أنفسهم من خلاله، فيتقوقعون أكثر حول القبيلة بدلًا من أن يتحرروا نحو هويات اقتصادية أوسع، كنقابة المزارعين أو تعاونية الرعاة. والمفارقة أن محاولة إلغاء القبلية بالقوة غالبًا ما تُعيد إنتاجها، لا تُنهيها.
لكن هذا لا يعني القبول بالوضع الراهن. فحين يُحرم المزارع والراعي من الاستفادة الاقتصادية الحقيقية من قيمة الأرض التي يملكها فعليًا، بينما تبقى مساحات شاسعة من البلاد غير مستغلة، تُخلق حالة اختناق تدفع الناس نحو الاقتتال بدل الإنتاج — فالكل يتزاحم على نفس الرقعة الضيقة المستغلة من الأرض، بينما مساحات أوسع بكثير منها بلا صاحب فعلي.
المفارقة أن محاولة إلغاء القبلية بالقوة غالبًا ما تُعيد إنتاجها، لا تُنهيها.
التوسع الأفقي: حلول رأيناها في نيجيريا وغيرها
الخروج من هذا المأزق لا يكون بالمصادرة ولا بالجمود، بل بالتوسع الأفقي: فتح مساحات جديدة للإنتاج عبر شراكات إقليمية ودولية حُرم منها غرب السودان لعقود، بدلًا من التكدس والتنازع على نفس الرقعة الضيقة. نيجيريا، التي تواجه معضلة أراضٍ قبلية مشابهة في أحزمتها الزراعية، جرّبت نماذج تحفظ الحق العرفي للمجتمعات المحلية بينما تفتح الباب لاستثمارات إنتاجية عبر عقود إيجار وشراكة طويلة الأمد، لا عبر نزع الملكية. وتقدّم تجارب غربية أخرى في إدارة الأراضي المشاع نماذج تستحق الدراسة أيضًا، لا الاستنساخ الحرفي، بل الإلهام لصياغة حل سوداني خاص بظروفه.
السودانيون يعرفون الطريق: تجربة تجار الغرب
ولسنا نبدأ من الصفر. فتجار غرب السودان توسعوا تجاريًا في شرق وغرب أفريقيا على مدى عقود، وأثبتوا قدرة سودانية أصيلة على العمل والمخاطرة والنجاح خارج حدود بلادهم. وهذا ليس تقليلًا من شأن هذه التجارب، بل دليل على أن ما ينقص السودانيين ليس القدرة، بل البيئة. فالسودانيون يملكون أصلًا المعادلة الذهبية لأي نهضة: الأرض، والعمالة، والماء. ولا شيء يدفعهم إلى الهجرة والتشتت في أراضٍ غريبة سوى الجشع، والظلم، والأخطر من ذلك: غياب الرؤية لدى من يحكمون ومن يعملون في الميدان.
وهنا حساب بسيط يستحق التوقف عنده: إن كان كل ثلاثة وعشرين مزارعًا اليوم يتقاسمون في المتوسط نحو ثلاثة كيلومترات مربعة فقط من الأرض المتاحة لهم فعليًا، فإن المساحة الكلية للبلاد تعني أن كل ثلاثة سودانيين، لو أُحسن التخطيط والتوزيع، يمكن أن يكون لهم نصيب من نحو ثلاثة وعشرين كيلومترًا مربعًا. الفجوة بين الرقمين ليست فجوة موارد، بل فجوة استقرار وتخطيط لا أكثر.
ما ينقص السودانيين ليس القدرة، بل البيئة.
ولا نهضة بلا كفاءات: الاستعانة بالخبرة الدولية
وأقولها بصراحة لا تجميل فيها: لا يوجد اليوم طاقم تنفيذي مقتدر بما يكفي لإدارة مشروع بهذا الحجم، لا في غرب السودان ولا في غيره من أقاليم البلاد. هذا ليس عيبًا دائمًا، بل واقع مرحلة يجب الاعتراف به قبل تجاوزه. لذلك فإن جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية هو الاستعانة بالخبرات الدولية، لا لتتولى القرار عن السودانيين، بل لتؤهلهم مهنيًا وحضاريًا، وتبني كفاءات محلية قادرة على إدارة هذا التحول بنفسها على المدى الطويل.
دعوة مفتوحة
هذه المقالة ليست خطة نهائية، بل بداية حوار. نوجّه هذه الدعوة إلى فئات معًا لا فئة واحدة: الخبراء السودانيون أينما كانوا — الاقتصادي الذي يعرف كيف تُصاغ عقود الشراكة، والمزارع الذي يعرف الأرض أكثر من أي كتاب، والمحامي القادر على صياغة نظام أساسي يحمي الجميع، وخبير الأراضي والحقوق العرفية القادر على تصميم صيغة تُنهي الاختناق دون أن تُلغي الهوية؛ والمستثمرون الباحثون عن فرصة حقيقية ذات عائد وأثر معًا، من صغار المدخرين المغتربين إلى صناديق الاستثمار الجادة؛ والخبرات الدولية القادرة على المساهمة في تأهيل كفاءات سودانية تدير هذا التحول بنفسها. لا نطلب تبرعًا من أحد، بل شراكة فكر ورأس مال وخبرة معًا.
إن كان لديك خبرة تقنية، أو تجربة في مشروع مشابه، أو رأس مال تبحث له عن فرصة محسوبة المخاطر، أو حتى نقد بنّاء لهذه الأفكار، فهذا هو الوقت المناسب لتشارك به. نهضة غرب السودان لن تُبنى بمقال ولا بخطة واحدة، بل بجهد جماعي منظم يجمع الخبرة ورأس المال والأرض معًا، ويبدأ اليوم بكل صوت سوداني — خبيرًا كان أو مستثمرًا أو صاحب أرض — يقرر ألا يبقى متفرجًا.

auwaab@gmail.com

Author
د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
مواجهة الماضى وتأسيس المستقبل: مقاربات حول محكمة الجنايات الدولية والعدالة الإنتقالية فى ظل جدلية السيادة الوطنية .. بقلم: عبدالرحمن حسين دوسة
منبر الرأي
نبوءات نوندينق متنبئ النوير ومستقبل جنوب السودان …. عرض وتقديم: غانم سليمان غانم
منبر الرأي
من يصنع السياسة الخارجية؟ … بقلم: خالد التيجاني النور
بين السيرك والكونسورتيوم: قراءة في المشهد السوداني الحالي
الأخبار
رسمياً.. بنك السودان المركزى يعلن احتكار بيع وشراء الذهب

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

أقيموا هذا الصرح مكانه! معبد آمون فى البركل .. بقلم: الدكتور الخضر هارون

الخضر هارون
منبر الرأي

قلـة أدب عالميـة! .. بقلم: فيصل علي سليمان الدابي

فيصل علي سليمان الدابي
منبر الرأي

الدكتور شريف حرير في فلادلفيا .. بقلم: هلال زاهر الساداتي

هلال زاهر الساداتي
منبر الرأي

المواطنة ومنهجية التحول الديموقراطي (7) .. بقلم: عبدالله محمد أحمد الصادق

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss