أصداء الوعي.
ادم ابكر عيسي.
في خضم ارتجافات الوطن، تطل علينا مبادرة الحوار السوداني-السوداني وكأنها ضوء في آخر النفق، لكنها تثير في النفس أسئلة أعمق من جماليات النية، وأكثر إلحاحاً من بروتوكولات السياسة.
من يختار؟ وبأي معايير؟
نسأل بصدق من أنتم أيها القائمون على هذه اللجنة التحضيرية؟ وما هي المعايير التي استندتم إليها في اختيار أنفسكم لهذه المهمة المصيرية؟
أليست قضية الوطن الأولى هي أن الجميع يشتكي من عدم تكافؤ الفرص، ومن غياب التمثيل الحقيقي لمكونات المجتمع في صناعة القرار؟ فكيف يُبنى الحل بأدواتٍ هي ذاتها جزءٌ من الداء؟
دروس من الماضي حين فشل العقل الجمعي
ثمة إجماع وطني على أن طريق البناء لا يمر إلا عبر توافق واسع، وحوار عميق يضم كل أطياف الشعب، للاتفاق على رؤية موحدة لكيفية حكم السودان. لكن التاريخ يعيد نفسه
· فشل مؤتمر المائدة المستديرة.
· فشلت الثورات التي أطاحت بالأنظمة في تقديم حلول جذرية.
· وحتى يومنا هذا، نعاني من غياب العقل الجمعي، ومن اعتقاد راسخ لدى البعض بأنهم وحدهم من يملكون الحق في التفكير نيابة عن الآخرين.
إنها عقليةٌ تتفنن في صناعة القرار، وتصنع في الوقت ذاته أشخاصاً يفتقرون إلى الوزن السياسي، والعمق الاستراتيجي، والفكري، والاجتماعي. كل ما قدموه هو حلول آنية أبقت على القواعد الظالمة، ولم تقترب من جذور الأزمة.
توقيت الحوار فرصة أم التفاف؟
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل نحن بحاجة فعلية إلى الحوار اليوم، أم أن الأمر مجرد التفاف على الدعم الشعبي للقوات المسلحة في معركة الكرامة؟
ألم يفشل “دول الشر” في تحقيق أهدافهم عبر المنابر الدولية والإقليمية، وآخرها اجتماع مجلس الأمن الذي عجز عن توسيع نطاق حظر الطيران ليشمل كل السودان؟
قد تكون هذه اللعبة الجديدة محاولة من قوى ناعمة لاستعادة ما خسرته في مواجهات سابقة، عبر أدوات مختلفة. ولكن المؤسف أن الرئيس البرهان يسير على الخط ذاته، وكأنه يكرر سيناريوهات قديمة بوجوه جديدة.
في ظل الحرب أي حوار وأي وقت؟
بينما تستمر الحرب وتتفاقم الانتهاكات يومياً، يبدو لي أن الوقت ليس وقت حوار لا يثمن ولا يغني، ولا يوقف نزيف الدم، ولا يضع حداً للمعاناة.
إنها مجرد آلية لغرض واقعي سياسي، وغسيل لوجوه أصبحت في نظر الكثيرين أعداءً للشعب، بتقديمها بقالب جديد يتوافق مع المزاج العالمي، كشرط للقبول إقليمياً ودولياً.
لكنها قراءة خاطئة للواقع.
المعاناة اليومية تنتظر الحل لا الحوار
الشعب يعاني أزمة اقتصادية خانقة، والعملة تنهار يوماً بعد يوم. فهل الحوار سيوقف انهيار الجنية؟ أم أن الجيش والمقاومة الشعبية أحوج ما يكونون إلى الدعم الفعلي بدلاً من الإنفاق على حوار طرشان؟
في النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة، والتساؤلات مشروعة. فالسودان اليوم بحاجة إلى حلول لا إلى حوارات تستهلك الوقت والجهد، وتُبقي الجميع في دائرة الفراغ ذاتها.
نحن بحاجة إلى رؤية واضحة، وإرادة صادقة، وخطوات عملية تعيد بناء الوطن من جذوره، لا إلى مناورات سياسية تعيد تدوير الأزمات تحت مسميات براقة.حوار في زمن الحرب.. ربما يكون أكثر إيلاماً من الحرب نفسها.
