أصدر البرهان مؤخراً قراراً قضى بمصادرة كافة ممتلكات حميدتي وأسرته وذويه، وهو قرار نال إعجاب البعض، في حين أثار استهجان آخرين. بيد أن هذا النهج، في جوهره، لا يختلف كثيراً عن نهج لجنة إزالة التمكين؛ فكلاهما منح نفسه سلطة استثنائية لمصادرة أملاك الغير، بعيداً عن المسار القضائي الطبيعي.
فقد استندت لجنة إزالة التمكين، في قراراتها، إلى مسوغات قانونية مفادها أن بعض من صودرت ممتلكاتهم حصلوا عليها بطرق غير مشروعة، أو من خلال استغلال النفوذ والسلطة. أما في حالة حميدتي، فإن الجدل لا يتعلق بالضرورة بمشروعية امتلاكه لتلك الأصول من الناحية القانونية، بقدر ما يتعلق بالجهة التي تملك سلطة إصدار قرار المصادرة، والآلية التي ينبغي أن تُتبع لإثبات أي تجاوزات أو مخالفات.
وهنا تكمن المسألة الأهم: هل يجوز للسلطة التنفيذية أن تحل محل القضاء في تقرير مشروعية الأموال والممتلكات ومصادرتها؟
إن نهج لجنة إزالة التمكين، وكذلك قرار مصادرة ممتلكات حميدتي، يثيران تساؤلات جدية حول مكانة القضاء السوداني، تلك المؤسسة العريقة التي ظل يُنظر إليها تاريخياً باعتبارها إحدى ركائز الدولة وأكثر مؤسساتها ارتباطاً بمبادئ النزاهة والمهنية والاستقلال.
كان من الطبيعي، في دولة المؤسسات، أن تُحال أي شبهات تتعلق بالفساد أو الإثراء غير المشروع أو استغلال النفوذ إلى القضاء، ليقول كلمته وفق القانون، بدلاً من إنشاء آليات استثنائية يمكن أن تتحول، في بعض الحالات، إلى أدوات للتنكيل بالخصوم السياسيين.
فمثل هذه الإجراءات، متى تجاوزت حدود القانون والرقابة القضائية، من شأنها أن تضعف مفهوم استقلال القضاء وتنتقص من هيبته، وتبعث برسالة خطيرة مفادها أن السلطة السياسية تستطيع أن تحل محل السلطة القضائية متى شاءت. وإذا فقد المواطن ثقته في أن القضاء هو الملجأ الأخير لحماية حقوقه، فإن الخلل لا يعود مقتصراً على قضية سياسية بعينها، وإنما يمتد إلى جوهر دولة المؤسسات وسيادة القانون.
والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات قد تدفع المجتمع تدريجياً من مفهوم دولة القانون إلى منطق أخذ الحق بالقوة؛ فحين تصبح القوة هي الوسيلة الحاسمة لحسم النزاعات، يصبح السلاح بديلاً عن القانون، وتتحول مؤسسات الدولة إلى مجرد أطراف في ميزان القوة.
وقد شهد السودان، خلال السنوات الماضية، وقائع وأخباراً عديدة عن اقتحام أقسام للشرطة أو ممارسة ضغوط مسلحة للإفراج عن أشخاص ينتمون إلى هذه القوة أو تلك. ومثل هذه الممارسات، بصرف النظر عن الجهة التي تقف وراءها، تؤكد تراجع هيبة مؤسسات الدولة عندما يصبح السلاح قادراً على فرض إرادته على الأجهزة النظامية.
فإذا كانت الجماعات المسلحة تفعل ذلك، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تتبنى أعلى سلطة في الدولة إجراءات استثنائية تمس حقوق الملكية خارج المسار القضائي. فالرسالة التي قد تصل إلى المجتمع عندئذ هي أن القوة والمراسيم والأوامر المحروسة بالسلاح أصبحت أكثر فاعلية من القانون نفسه.
صحيح أن تاريخ السودان السياسي شهد قرارات بالمصادرة والتأميم والاستيلاء على الممتلكات، خصوصاً في فترات التحولات السياسية والانقلابات العسكرية، إلا أن كثيراً من تلك الإجراءات لم تصمد أمام التحولات السياسية اللاحقة، وعادت بعض الحقوق إلى أصحابها بعد تغير موازين السلطة.
ولذلك، ليس من المستبعد ــ إذا انتهت الحرب يوماً ما إلى تسوية سياسية تعيد ترتيب موازين السلطة ــ أن تُراجع بعض قرارات المصادرة، تماماً كما حدث في مراحل سابقة من تاريخ السودان. وقد تداولت بعض الأخبار، على سبيل المثال، أن بعض المنشقين عن قوات الدعم السريع استعادوا ممتلكات سبق أن صودرت، ومن بينها عقارات في منطقة بالخرطوم بحري.
كل هذه المعطيات تقودنا إلى سؤال أكبر من قضية حميدتي أو لجنة إزالة التمكين: هل تعلم السياسيون والعسكريون في السودان شيئاً من دروس الماضي؟
فالمشكلة ليست في مصادرة ممتلكات شخص بعينه إذا ثبت قضائياً أنها اكتُسبت بصورة غير مشروعة، وإنما في أن تتحول المصادرة إلى أداة سياسية تتغير مشروعيتها بتغير السلطة، فيصبح ما هو قانوني اليوم غير قانوني غداً، وتصبح أموال الخصوم عرضة للمصادرة بمجرد تغير موازين القوة.
وفي نهاية المطاف، قد يبدو قرار البرهان ولجنة إزالة التمكين مختلفين في الدوافع والظروف، وقد تختلف طبيعة الممتلكات المستهدفة ومشروعية امتلاكها من حالة إلى أخرى، لكن كليهما يلتقيان عند إشكالية واحدة: منح السلطة السياسية لنفسها دوراً استثنائياً في مصادرة ممتلكات الأفراد بدلاً من ترك الفصل في مشروعيتها للقضاء.
وهنا تكمن خطورة المسألة؛ فالدولة لا تُبنى بمصادرة أملاك الخصوم، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على محاسبة الجميع بالقانون، أياً كانت مواقعهم، وبغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العسكرية. أما حين يصبح القانون تابعاً لموازين القوة، فإن الخاسر الحقيقي في النهاية ليس حميدتي ولا لجنة إزالة التمكين، وإنما دولة السودان نفسها.
