بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
بينما يفكر العالم في كيف يُسخّر العلم لخدمة الإنسان، نفكر نحن في كيف نُعذب الإنسان بالعلم!
تم إنشاء جسر “أوريسوند Oresund Bridge” الذي يربط السويد بالدنمارك.
معجزة هندسية في زمن المستحيل… نصفه معلق في السماء يتحدى الرياح، ونصفه الآخر يغوص في قاع البحر كنفق يسمح بمرور أضخم ناقلات العالم.
الهدف؟ جمالٌ يأسر الألباب، وهندسة تحترم الطبيعة، وعقلٌ همه الأول: راحة المواطن وتسهيل حياته.
وأما في “سودان العجائب والغرائب”…
فقد بلغت عبقريتنا الإدارية قمة الإبداع: أنشأنا إدارة متخصصة لحصر وتنظيم “الدرداقات”!
نعم، هذا هو الإنجاز التاريخي الذي لم يسبقنا عليه إنس ولا جان.
إنها عقلية جبارة حقاً… جبارة في اختراع الأزمات، ومتفننة في صناعة العذاب اليومي للمواطن، ومبدعة في تحويل البسيط إلى مستحيل.
وفي المقابل تتصدر سنغافورة العالم
بنظام مرور ذكي تقوده الكاميرات والذكاء الاصطناعي، وبنية تحتية تُدرّس في أرقى الجامعات، وقوانين تُحترم ويُحاسب على كسرها الكبير قبل الصغير.
فجلست بجدارة على عرش المركز الأول عالمياً في جودة الطرق وكفاءة التنقل.
معادلتهم واضحة: تخطيط علمي + تقنية حديثة + احترام لكرامة الإنسان = دولة محترمة.
وأما عندنا… ومع كامل الاحترام لجهاز الشرطة السودانية
فقد تحولت طرقنا إلى ساحات استبداد.
رجل مرور يعرقل بدل أن ينظم، ويتعسف بدل أن يحمي، ويبطش بدل أن يضبط.
هو الخصم والحكم والجلاد… يحدد المخالفة ويوقع العقوبة ويقبض الغرامة في آن، بلا رقيب ولا حسيب ولا قانون يحكمه.
أما طرقنا القومية – مدني، بورتسودان – الخرطوم، نهر النيل – فصارت مملكة للارتكازات والجبايات.
حتى أصبحت “رسوم الارتكازات” بنداً ثابتاً في فاتورة السفر، والرشوة تُطلب جهاراً نهاراً!
فأي هيبة للدولة بقيت؟ وأي كرامة للمواطن تبقت؟
والطامة الكبرى: أزمة الماء… شريان الحياة المقطوع
وفي “سودان النيلين وأطول نهر في العالم” يموت المواطن عطشاً.
يتآمر انقطاع الكهرباء المبرمج مع فشل الإدارة المزمن، فيُغلق بئرٌ لأسبوع، أو تُمنح كهرباء لا تكفي لتشغيله 7 أيام.
الأحياء تغرق في العطش، والمواطن يحمل “الجركانات” ويطوف كالتائه في الشوارع بحثاً عن قطرة ماء نظيف.
أطفال تُصاب بالإسهالات والأمراض، وأمهات يبتن لياليهن في صفوف الصهاريج، وكبار سن ينهارون من الإجهاد والعطش.
الماء… ذلك الحق الإلهي والدستوري والإنساني الأصيل… صار يُوزع بالمحسوبية والمزاج والواسطة!
بالله عليكم: أي دولة محترمة في الدنيا تجعل شعبها يلهث وراء “الماء”؟
أي إدارة هذه التي تتفنن في تعطيش شعبها وتجويعه وإذلاله ثم تطالبهم بالصبر؟
والله إننا لا نحتاج فقط لمهندسين، بل نحتاج إلى أطباء نفسيين وعلماء اجتماع لمعالجة هذا المرض المزمن في عقول بعض المسؤولين.
مسؤولون عديمو الضمير، قليلو الخبرة، كثيرون النكبات… وجودهم ضرر، وقراراتهم نكبة، وغيابهم راحة للبلاد والعباد.
شرب الماء النقي ليس رفاهية ولا منّة من أحد… إنه أبسط حقوق المواطنة، وأول واجبات الدولة، يا أصحاب السيادة والريادة والمقامات السامية.
ختاماً
نسأل الله أن ينتقم من كل يدٍ عذبت هذا الشعب أو نكّلت به أو سرقت قوت يومه.
وأناشدكم: لا تصمتوا على الظلم، فالصامت عن الحق شيطان أخرس، والسكوت اليوم شراكة في الجريمة… والتاريخ لا يرحم.
