عمر العمر
كما أن الحرب تقدح نارها في العقول أولاً، أكاد أجزم بأن تجزئة السودان نبتت بالفعل في العقول وأينعت. ربما من الصعب حسم أي الشرر سبق الآخر؛ شرر الحرب أم شرر التجزئة؟ لكن ليس منافياً للمنطق تأكيد أنهما وجهان للمأساة السودانية الراهنة. الجدل العبثي في شأن من أطلق الرصاصة الأولى ربما يشابه حالة من أشعل جمرة الكراهية الأولى، لكنه لا يدحض ألبتة وجود معارك شرسة تدور في عقول السودانيين فيما يهدد مصير الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي، بل ربما يغلّب قناعات التجزئة على استرداد الوئام . حرب التشطير لا تُخاض بالسلاح وحده على الأرض، بل عتادها أدوات الوعي وتداعياته على جبهاتها الساخنة داخل العقول والنفوس، فتحت حرب المسيّرات والأرتال المتحركة كرّاً وفرّاً تجري معارك حامية في ميدان إعادة تخريب أو تشكيل موقف العقل الجمعي السوداني على محاور السلم الوطني والوحدة بعد انقشاع حرب الحمقى الراهنة. هذه مهمّة شاقة إن لم نقل مستحيلة لمن يقف بين الأطلال.
بغض النظر عن توقيت نهاية الحرب وكيفيّتها، ثم قناعات تتشكّل حالياً واقعاً يجب الاعتراف بها، عوضاً عن محاولات مراوغتها أو الجفول عنها. هناك أخدود رأسي حاد وعميق بات يشطر الشعب. الانقسام أكثر حدّة من الفرز بين معسكري الحرب والسلام أو أنصار الجيش ومساندي المليشيات. هو أخدود يفرز المجتمع كتلتين بشريتين وفسطاطين ثقافيين. مع أن الأخدود عمّقته الحرب وإحداثاتها، إلا أن الفتق اتسع على نحو يبدو رتقه أو ردمه عصيّاً، فداخل الأخدود يستعر حطب الفوارق الاجتماعية، الانتماءات العصبية، القبلية، التمايز الجهوي، مع عديد من جمر الخلافات في الموروث من التقاليد، الثقافات والتنشئة. المؤسف أن عدداً غير قليل من نخب السياسة والثقافة تورّط عمداً غالباً أو من دون قصد أحياناً في صب الزيت على الحطب، ما أدّى إلى تأجيج نار الفتنة الوطنية. من المستحيل تأطير كل هذا التشظّي المجتمعي داخل منظور الصراع الطبقي وفق الرؤية الماركسية أو نقائص التناحر العصبي بحسب ابن خلدون.
الصراع الطبقي هدفه الاستيلاء على أدوات الإنتاج، وليس تحطيمها. انقضاض البادية على الحاضرة يستهدف نعمها وليس تدميرها. في حرب حمقى السودان، لم يغب فقط تحديد الأهداف والغايات، بل افتقدت الحد الأدنى من الوازع الأخلاقي، بغية الفوز بالمكاسب أو تحقيق الغلبة والنصر. لذلك تشهد البلاد انفلاتاً في مظاهر التوحش، الهمجية والرعونة، والبشاعة في التعذيب والتقتيل. يتساوى في هذا معسكرا الهجوم والدفاع، مصدر المبادرة ومنطلق رد الفعل منذ إطلاق الرصاصة الأولى الى حين أصبح تنفيذ الإعدام ممارسة يومية لا تتطلب حيثياتٍ وشهوداً. تلك الفظاظة الرعناء لم تمزّق فقط صورة المجتمع الموروثة بكل جمالها وحتى قبحها، بل دمّرت الصورة بما فيها. ربما للمرّة الأولى يشغل الفضاءَ السوداني مشهدٌ لا يجد من يصفق له. إنه حطام يثير الشفقة والرثاء ويستدر الدمع والبكاء. إنه المشهد السوداني الأول، حيث يغيب الرجل القدوة، دع عنك من يُصنّف بطلاً.
حتى قبل انطلاق موجات التمرّد المسلح في الجنوب، نادت أصوات جنوبية بالانفصال. تلك الأصوات اتّسعت دوائرها وضاقت كما تعالت وانخفضت في أزمان وظروف سياسية متباينة، لكنها ارتكزت دوماً على قناعات باختلافٍ في الهوية بين الجنوب والشمال سرت كذلك في أوساط شمالية. لدى الجانبين اعتقادٌ بدرجات متفاوتة بإخفاق الشمال في ترسيخ مفهوم المواطنة. يتجاوز هذا الاعتقاد تبرير حمل السلاح لجهة إباحة حق المطالبة بالانفصال. أما في الغرب فلم يلوّح أيٌّ من التشكيلات السياسية وقيادات حركات التمرد المسلح بشعار الانفصال. ربما لديهم قناعات بالهوية المشتركة على نحو جعلهم أكثر تركيزاً على قضايا مغايرة مثل التهميش والتعالي العرقي وربما الاضطهاد، ثم جرائم الحرب من الاغتصاب إلى الإبادة. غير أن نقل الحرب من الغرب إلى الوسط عزّز شعوراً عميقاً لدى ساكنيه بوجود فصام في الهوية بين الكتلتين البشريين. هذا شعور رسّخته ممارسات تصدر عن غزاة أجانب، لا من أبناء وطن واحد. ما حدث لم يكن فقط خارج التوقّع، لكنه كذلك فوق الاحتمال.
هكذا تهشّمت مرايا الوحدة الوطنية. رآها بعضهم أكذوبة عارية على الإسفلت. قاسى آخرون أشباحها داخل غرف النوم والصالات. هناك من عايش كوابيسها في عمليات النهب والتعذيب المبرّح. بات الآن لدى ضحايا الحرب من النازحين واللاجئين حتمياتٌ لا تتطلب التقصّي والتأكيد بتباين ثقافي شاسع مع الجلادين السفلة. كم هي قاسيةٌ أن تستبدل الخرطوم عنوةً بؤس المدينة الخراب بشبق الحياة والألفة المحببة للجميع. كم هي مؤلمة حكايا سرقة خزانات الأزياء، ألبومات الصور، المجوهرات والمصارف، أرفف المتاجر في الأحياء والأسواق، قاعات المحاضرات والكتب وفترينات المتاحف. إنها حربٌ قذرة تعدّت قوام المجتمع إلى نخاع الهوية. وسط كل هذا الركام المباغت، أمسى قطاعٌ عريض من أهل المدن والبلدات الآمنة طريد نهر جارف من الأسئلة محاولاً اصطياد إجابات هاربة. أكثرها إلحاحاً ربما تتعلق بالتباين في الهوية، فقبل إعادة ترميم طلل البيت، يسائل المرء نفسه ما إذا كان في وسعه تخطّي وجع الجراحات، لجهة إعادة ترتيق قماشة الهوية الممزّقة.
مع الاعتراف بركام التناقضات على الجبهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ها هي المرّة الأولى، ينهض أحد “أولاد البحر” ملوّحاً بفصل الغرب. قناعةٌ لا تصدر تحت مظلة شعار “دولة البحر والنهر”، بل هي حتميةٌ تعزف على أوتار فوارق ثقافية بين الكتلتين، شدّتها ممارسات الحرب الهجمية، ففجور التوحّش إبّان الحرب ليس من سمات ثقافة الوسط. تدنّي مستوى الوعي مسؤولية أهل الغرب أكثر من غيرهم. تدنّي منسوب الانتماء إلى الإقليم وتفشي الحروب القبيلة سمات شاخصة في ثقافة الغرب. أكثر من هذا غياب الشعور بالانتماء العائلي على نحوٍ يفرز التكافل الاجتماعي. هذه ظاهرة اجتماعية، فالنخب الدارفورية منخورة بأنانية مفرطة حالت بينها وبين ما يثبت ولاءً وانتماءً يولّد رد الجميل ورفع مستوى الحياة العائلية. لأولاد البحر عطاءات سخية غير مجذوذة على كل تلك الجبهات. ذلك الانتماء أنتج إبّان ثورة ديسمبر شعار “كل البلاد دارفور”، ذلك من نسل الانتماء إلى الوطن العريض الخالي من شبق الثأر والانتقام.
الأخدود الآن أعمق، الهوة أوسع، الرغبة في عبور الجسور المحطّمة أوهن، الرهان على العود المستطاب إلى التواؤم أضعف، ردّ فعل أولاد البحر صار أعنف. ربما لأنه شعور تلقائي تجاه أفعالٍ لم ترد على البال أبداً. لعلنا نحتاج إلى خوض حربٍ من فئة مغايرة على جبهات مختلفة، بغية تحقيق انتصارٍ على شعارات التجزئة الجديدة. لا تزال الأزمة في طور التنصل المزدوج، فكما تنصّلت نخب دارفور عن الوفاء باستحقاقاتها العائلية والإقليمية تتخلّى أوساط من البحر عن الإقليم. هناك شعور مشابه في الطور نفسه بدوافع مشابهة من أجل أغراض ليست وطنية.
