بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
السادة الكرام في لجنة الحوار الوطني،
الإخوة في الأحزاب والقوى السياسية السودانية،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
كفانا شعارات. وكفانا حكومات تأتي لتجبي ولا تخدم.
الشعب السوداني لا يريد خطاباً سياسياً، يريد كهرباء، يريد دواء، يريد مدرسة محترمة لابنه، ويريد وظيفة تحفظ كرامته.
لقد جربنا حكم الفرد، وجربنا الفوضى، وجربنا المحاصصات.
واليوم نقف أمامكم بورقة عمل لا تبحث عن سلطة، بل تبحث عن دولة.
دولة مؤسسات، دولة قانون، دولة إنتاج، دولة تحترم دينها وإنسانها وتصالح مع ذاتها.
إن الأوطان لا تبنى بالخطابات الرنانة، ولا بالمؤتمرات التي تخرج بتوصيات توضع في الأدراج. الأوطان تبنى بالقرارات الصعبة، وبالاعتراف بالمرض قبل وصف الدواء. ونحن اليوم نعترف أن أزمتنا أزمة دولة بامتياز. دولة فقدت البوصلة بين واجباتها وحقوقها، بين جبايتها وخدماتها، بين شعاراتها وواقعها.
أولاً: إصلاحات هيكلية في نظام الحكم والحوكمة
نريد نظام حكم رشيد يفصل بين السلطات ويحاسب المقصر قبل المحسن. والحوكمة ليست شعاراً، هي نظام حياة.
- النظام البرلماني: الانتقال لنظام برلماني يختار فيه رئيس الوزراء من البرلمان ويكون مسؤولاً أمامه. لتقليل تغول السلطة التنفيذية ومنع الاستبداد.
- لامركزية حقيقية: منح الولايات حكماً ذاتياً واسعاً في الموارد والخدمات والتعليم والصحة. مع رقابة مالية مركزية. وإلغاء مركزية القرار في الخرطوم التي خنقت الأقاليم.
- فصل السلطات: فصل تام بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. ومنع الوزير من التدخل في التعيينات الفنية داخل وزارته حتى لا تتحول الوزارة لشركة خاصة.
- تقليص الحكومة: حكومة لا تزيد عن 15 وزارة اتحادية. ودمج الوزارات المتداخلة. وإلغاء مناصب المستشارين والواجهات التي تكلف الخزينة بلا إنتاج.
- المفوضيات المستقلة: إنشاء مفوضيات مستقلة للانتخابات، ومكافحة الفساد، وحقوق الإنسان، لا يتدخل فيها أحد وتقدم تقاريرها للشعب مباشرة.
- دستور دائم: التوافق على دستور دائم عبر استفتاء شعبي يحمي الحقوق ويحدد الواجبات ويمنع العبث بالقوانين مع كل تغيير.
- إلغاء الامتيازات: إلغاء كل الامتيازات الاستثنائية للمسؤولين من سيارات وعربات ووقود وسفريات، وجعلهم موظفين عموميين يخضعون للمساءلة.
- الحوكمة والشفافية: إلزام جميع الوزارات والمؤسسات بنشر ميزانياتها وعقودها ومناقصاتها على موقع إلكتروني واحد للجمهور. لا عقد حكومي سري بعد اليوم.
- ديوان المراجعة: تفعيل دور ديوان المراجعة القومي ليكون جهة رقابية مستقلة تحاسب كل جنيه. وتقديم تقرير سنوي علني للشعب.
- تضارب المصالح: تجريم الجمع بين المنصب الحكومي والعمل التجاري. على كل مسؤول أن يختار: إما خدمة الشعب أو خدمة مصلحته.
ثانياً: هيكلة قطاع الكهرباء
الكهرباء ليست رفاهية، هي عصب الحياة والصناعة والزراعة والتعليم. وانهيارها يعني انهيار الدولة.
- فصل الإنتاج عن التوزيع: تحويل قطاع الكهرباء لثلاث شركات مستقلة: شركة إنتاج، شركة نقل، شركة توزيع. تحت رقابة هيئة قومية واحدة.
- إلغاء الاحتكار: السماح للقطاع الخاص والولايات بالاستثمار في محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وبيع الفائض للدولة.
- محطات طارئة: التعاقد الفوري مع شركات عالمية لإنشاء محطات غازية سريعة في 6 شهور لحل أزمة الصيف.
- جباية إلكترونية: إلغاء العدادات القديمة واستبدالها بعدادات ذكية مسبقة الدفع. وإلغاء القراء والجباة.
- صيانة الشبكة: تخصيص 30% من إيرادات الكهرباء لصيانة الشبكة القومية وتقليل الفاقد الذي يتجاوز 40%.
- كهرباء الريف: إنشاء صندوق قومي لكهرباء الريف والمناطق المنتجة مدعوم من إيرادات التعدين والذهب.
- محاسبة القطوعات: اعتبار قطوعات الكهرباء المبرمجة دون إعلان جريمة إدارية يحاسب عليها المسؤول.
- طاقة بديلة: دعم منازل المواطنين لتركيب ألواح شمسية بإعفاء جمركي كامل ودفع بالتقسيط.
- تدريب الكوادر: إنشاء معهد قومي لتدريب مهندسي وفنيي الكهرباء وربطه بالجامعات.
ثالثاً: علاقة الدين بالدولة
السودان بلد مسلم الهوية، متعدد الثقافات والأعراق. ولا نهضة بلا مرجعية أخلاقية تضبط بوصلة المجتمع.
نقترح أن تكون مرجعية الدولة هي: “الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً للتشريع، مع ضمان كامل لحقوق غير المسلمين في الاحتكام لشرائعهم وأعرافهم”.
- قيم لا شعارات: الدين في الدولة يعني العدل، الشفافية، إتقان العمل، محاربة الفساد، إغاثة الملهوف. لا يعني المتاجرة به في المنابر أو استخدامه مطية للسلطة.
- تأهيل الخطاب الديني: تأهيل أئمة المساجد علمياً ونفسياً، وتجديد الخطاب الديني ليعالج قضايا الناس: الفقر، الأمانة، العمل، الأسرة، المخدرات.
- حرية الاعتقاد: لا إكراه في الدين. والدولة تحمي دور العبادة لكل الأديان وتجرم التعدي عليها.
- الأسرة والمجتمع: قوانين الأحوال الشخصية مستمدة من الشريعة، مع مراعاة خصوصيات المجتمع السوداني وعدم استيراد قوانين غريبة عنه.
- منع احتكار المعرفة: لا يجوز لأي جهة أو حزب أو جماعة احتكار الدين أو التحدث باسم الله. الدين لله والوطن للجميع.
رابعاً: التعليم والتدريب أساس النهضة
التعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل هو الأساس لتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي. غياب التعليم يساهم في تعزيز الفقر، إذ يظل الأفراد عالقين في وظائف ذات دخل منخفض ويصبحون غير قادرين على تحسين حياتهم وحياة أسرهم. كما أن انعدام التعليم يؤدي إلى قلة الوعي الصحي وزيادة معدلات الأمراض وسوء التغذية.
لذلك نطالب بـ:
- جعل التعليم والصحة أولوية في الموازنة تفوق الإنفاق الأمني.
- الاهتمام بالتدريب المهني والمدارس الصناعية. فالتدريب المهني يعد واحدًا من أهم الركائز الأساسية لتطوير المهارات الوظيفية وتحقيق النجاح في سوق العمل المتغير بسرعة. مع التطور التكنولوجي والتحولات السريعة في متطلبات الوظائف، أصبح من الضروري أن يمتلك الأفراد المهارات اللازمة لمواكبة هذه التغيرات. وهنا تبرز أهمية التدريب المهني كأداة فعّالة لتأهيل الأفراد وتزويدهم بالمعارف والخبرات التي تساعدهم على التميز في مجالاتهم المهنية.
- إنشاء مدارس فنية في كل محلية وتكون مخرجاتها مطلوبة مباشرة في السوق.
- إجراء غربلة شاملة لشهادات الماجستير والدكتوراه، وإيقاف التخصصات التي لا يحتاجها سوق العمل.
- ربط جميع التخصصات الجامعية باحتياجات سوق العمل، ودمج الجامعات ذات التخصصات المتشابهة لترشيد الموارد.
- مجانية التعليم الأساسي والثانوي إجبارياً، ومحاسبة كل ولي أمر يمنع ابنه من المدرسة.
خامساً: دولة الخدمات لا الجبايات
نريد دولة تقدم الخدمات للمواطن وليس الجبايات. لماذا تكون الدولة حاضرة عند الجبايات كالضرائب والجمارك والواجبات وتصاريح العمل ورسوم تحصيل الجوازات والهويات واي رسوم اخرى بينما تغيب عند تقديم الخدمات؟ في مخرجات الحوار الوطني نريد دولة تبني المشافي والمستشفيات والمدارس.
نطالب بـ:
- التحول إلى حكومة رقمية وإلكترونية تلتزم بقواعد الحوكمة والشفافية في جميع المعاملات وان تحارب الفساد بجميع أشكاله.
- إتاحة التقديم للجوازات إلكترونياً من اي مكان في العالم ونبذ التخلف وراء ظهورنا الى غير رجعة.
- إصلاح المحليات وتحويلها إلى محليات محترمة تبتعد عن التعسف والإجراءات الفارغة.
- ربط كل الإيرادات بمشروع خدمي معلن للمواطن. لا جباية بلا مقابل.
- إلغاء 50% من الرسوم الحكومية التي لا تقدم خدمة مباشرة.
سادساً: الإصلاح الأمني والقانوني
- القضاء: إصلاح القضاء واستقلاله استقلالاً كاملاً. وإنشاء محاكم متخصصة لمحاكمة الفساد خلال 6 شهور.
- الشرطة: إجراء تعديل هيكلي في جهاز الشرطة والنأي بالشرطة من التعرض على الناس بالضرب. تحويل جهاز الشرطة إلى مدني بدون حصانات ورتب نهائيا. من يضرب مواطناً من النظاميين يُسجن لمدة عام ويُطرد من الخدمة.
- المرور: احداث تغيرات هيكلية في عمل المرور واستبدال المخالفات الحالية بالمخالفات الذكية واستخدام الرادار الرقمي في تتبع المخالفات.
- الأمن والدفاع: دعم وتطوير القوات المسلحة وجهاز الامن الوطني دعم غير محدود حتى تصبح جهات احترافية قومية بعيدة عن السياسة.
- القانون: تجريم الجلوس في الطرقات ومعاكسة النساء وفي حالة عمل المعاكسة سجن لمدة عام مع الخدمة الشاقة. وتجريم ضرب المواطن نهائيا.
سابعاً: الصحة والزراعة والصناعة
- الصحة: إصلاح الصحة واعادة توزيع المستشفيات بعدالة. وبناء مستشفى مرجعي في كل ولاية.
- الزراعة: دعم الزراعة دعم لا محدود وإنشاء مراكز متخصصة للبحوث والإرشاد. وتوفير التمويل الأصغر للمزارعين.
- الصناعة: دعم وتوطين الصناعة واعفاء المصانع من الضرائب والجمارك نهائيا وتشجيع الاستثمار في قطاع الزراعة والصناعة فقط.
- المياه والكهرباء: اعتبارها حق دستوري لا سلعة. ومحاسبة كل من يتسبب في قطوعات متعمدة.
ثامناً: المجتمع والقيم والهوية
- تأهيل أئمة المساجد ولا يجوز ان يحتكر احد المعرفة.
- النظافة والبيئة: جعل النظافة إلزامية. وإلزام جميع المحال التجارية في جميع المدن بعمل حمام داخلي. والاهتمام بالتشجير في كل شارع.
- المرأة: تدريب النساء داخل الأحياء لتطوير المجتمع اقتصاديا واجتماعيا.
- الشباب: إنشاء صندوق قومي لتمويل مشاريع الشباب بدون فوائد ربوية.
ختاماً،
آن لنا أن ننبذ التخلف وراء ظهورنا إلى غير رجعة. لسنا أمة تفتقر للموارد، بل تفتقر للإدارة والإرادة.
نريد وطناً يحكمه القانون، ويقوده الكفء، وتراقبه الشفافية، وتحكمه قيم ديننا الحنيف.
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}
والله ولي التوفيق.
مرتضى القسم عوض الكريم
جاكرتا 31 أغسطس 2026
