بقلم: السر جميل
تطفئ الخريطة أنوارها واحدة تلو الأخرى، ولا يبقى في العتمة إلا صوت أنين صامت، يخرج من بين حطام وطن كان يوما يدعى “السودان”. ليس أصعب على النفس من أن ترى عملاقا طريح الأرض، لا بسبب هرم ألم به، بل لأن أيديا خفية وقريبة تواطأت على تكبيل أقدامه، حتى تحول كبرياؤه التليد إلى مأساة مشهودة، وجراحه النزافة إلى مسرح مفتوح للمزايدات.
إنها الحقيقة المرة التي تتكشف كل يوم، فالغرب يريد السودان شعبا مريضا حتى يبيع له الدواء، وفقيرا حتى يبيع له الغذاء ويوزع عليه الإغاثات في مفارقة مبكية لأرض قيل عنها يوما إنها سلة غذاء العالم، ومتحاربا حتى يبيع له السلاح، ومقسما حتى يضمن لنفسه البقاء والتسلط! لقد استحال التنوع الجغرافي الفريد، والإرث التاريخي الممتد في أعماق الزمان، إلى نقاط تماس ملتهبة، ومواضع للشك والريبة بين أبناء الوطن الواحد. كل ثراء حبانا الله به، من نيل واهب للحياة، وأراض خضراء، وثروات مكنونة تحت التراب، تحول بقدرة قادر من نعمة نرجوها إلى نقمة نكتوي بنارها، وكأن قدر هذا البلد أن يعاقب على كثرة خيراته.
وفي الوقت الذي تحتضر فيه النخوة على أعتاب الوطن، تقف النخب والعلماء والسياسيون على جثة البلاد يتصارعون. أولئك الذين كان يفترض أن يكونوا ملاذ العقل ودفة الأمان، تحولوا إلى أعداء يتربص كل منهم بالآخر، يستهلكون طاقاتهم في صراعات الإقصاء والتهميش، بينما يرفع كل طرف منهم عقيرته متبجحا بالوطنية، ومستعرضا ولاءه المزعوم، ومصرا على أنه وحده الأهل للحكم والأجدر بقيادة الدفة. أي وطنية هذه التي تبنى على ركام الديار؟ وأي قيادة هذه التي تترأس جثامين الأحلام وركام الذكريات؟
أما الشعب، صاحب الحق الأصيل والضحية الكبرى في هذه المأساة، فقد ترك وحيدا يواجه مصيرا يعجز البيان عن وصف قسوته. تحول أبناء هذه الأرض المعطاءة بين مشرد تهيم به الخطى في منافي الغربة، ونازح يقتات الحصر تحت هجير الشمس، ومريض لا يجد جرعة دواء تزيل عنه الألم، وفقير ينهكه الجوع حتى يتمنى الموت رحمة. منازلهم التي شهدت دفء العائلات وضحكات الأطفال أضحت حطاما وهشاما تذروه الرياح، ومدارسهم التي كانت تصنع المستقبل غدت أثرا بعد عين، وتجارتهم التي أفنوا أعمارهم في بنائها نهبت أمام أعينهم في لحظات غدر.
تتوالى الأيام وتشتد القسوة، وتتضاعف أسعار المعيشة كل يوم، حتى صار الحصول على كسرة خبز جهادا يوميا. لا مياه نقية تصل إلى أفواه الصغار الذين أضناهم العطش، ولا كهرباء تنير ظلمة لياليهم الطويلة، ليعيش الناس في ظلام دامس، لا يقطعه إلا بريق القذائف أو وميض ذكريات مضت ولن تعود. ينام الآباء وفي قلوبهم غصة الحيلة، وتستيقظ الأمهات على دموع العجز، وهم يرقبون أطفالهم ينشؤون بلا حاضر يحميهم ولا مستقبل ينتظرهم.
كيف لأرض تطفو على بحار من الخيرات أن تستجدي لقمتها؟ وكيف لأمة علمت جوارها معاني العزة والكرامة أن تصبح مدرجة في قواميس اللجوء والحاجة؟ إن البكاء هنا ليس ضعفا، بل هو الحسرة على وطن يذبح بأيدي أبنائه قبل أعدائه. لقد جفت الدموع في العيون، ولم يعد في القلوب متسع لمزيد من الخذلان، ولكن يبقى الوجع حيا في الصدور، شاهدا على أمة أرادوا لها أن تموت، وهي لا تزال تتنفس تحت الركام، تنظر إلى السماء منتظرة فرجا يأتي من رب لا يظلم عنده أحد.
