باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 8 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
يعقوب حمدان مطر
يعقوب حمدان مطر عرض كل المقالات

ما وراء اتهامات الجيش باستخدام الأسلحة الكيميائية؟

اخر تحديث: 8 سبتمبر, 2026 9:10 مساءً
شارك

ما وراء اتهامات الجيش باستخدام الأسلحة الكيميائية؟
من حلبجة إلى الخرطوم.. هل يتكرر المسار العراقي بصورة مختلفة؟
بقلم: يعقوب حمدان مطر
تنويه
“هذا المقال رأي وتحليل سياسي، وليس تقريراً إخبارياً أو حكماً قضائياً. وهو يستند إلى المعطيات المتاحة حتى تاريخ نشره، وإلى ما أوردته وسائل إعلام دولية، وإلى مواقف معلنة من الولايات المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع الاستناد إلى سوابق تاريخية مماثلة جزئياً في سياقها السياسي، وعلى رأسها التجربة العراقية. وما يرد في المقال من سيناريوهات مستقبلية يمثل قراءة وتحليلاً واحتمالات، وليس معلومات مؤكدة عن قرارات لم تُعلن بعد.”
لم يكن ما نشرته واشنطن بوست ونيويورك تايمز في الخامس من سبتمبر 2026 مجرد إضافة جديدة إلى سيل الأخبار المتعلقة بالحرب السودانية التي تدور رحاها الان ما بين الجيش و الدعم السريع. فالتقريرين – واشنطن بوست و نيويورك تايمز، اللذين استندا إلى ملف كبير من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل والاتصالات التي قدمتها جهة استخباراتية شرق أوسطية، يقدمان ـ بحسب الصحيفتين ـ أدلة جديدة على تطوير وإنتاج ذخائر قائمة على الكلور من جانب القوات المسلحة السودانية خلال عام 2024، وعلى اختبار واستخدام بعضها في الحرب ضد قوات الدعم السريع. وفي الوقت نفسه، تظل طبيعة الأدلة ومداها بحاجة إلى تحقق فني مستقل، وهو ما يجعل التمييز بين الاتهام والإثبات أمراً ضرورياً.

لكن بعيداً عن الجدل حول صحة كل وثيقة أو صورة أو رسالة، فإن السؤال السياسي الأكبر الذي يلف المشهد بعباءة المستقبل هو: إلى أين يمكن أن يقود هذا الملف إذا استمرت الأدلة في التراكم؟
وهل نحن أمام اتهام آخر في حرب السودان، أم أمام بداية تشكل ملف دولي للأسلحة الكيميائية السودانية يمكن أن يتطور، بمرور الوقت، من العقوبات الأمريكية إلى التحقيق الدولي، ثم إلى المطالبة بالتفتيش والتحقق، وربما إلى ربط الملف بمستقبل السلطة والجيش والتسوية السياسية في السودان؟
هنا تصبح المقارنة مع العراق مفيدة، ولكن بشروط. فالمقصود ليس القول إن السودان هو عراق جديد، ولا أن الولايات المتحدة تستعد لغزو السودان، وإنما محاولة لفهم كيف يمكن لقضية استخدام سلاح محظور أن تتطور من حادثة أو اتهام محدود إلى ملف دولي واسع. والتاريخ العراقي يقدم مثالاً شديد الدلالة على ذلك.

حلبجة.. عندما خرج السلاح الكيميائي من السرية إلى المشهد الدولي:
لفهم المسار العراقي، ينبغي العودة إلى الثمانينيات، وليس إلى حرب الخليج فقط. ففي مارس 1988 تعرضت مدينة حلبجة الكردية لهجوم بالأسلحة الكيميائية، في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية وحملة الأنفال ضد الأكراد. لكن حلبجة لم تكن البداية الفعلية للملف الكيميائي العراقي.
فخلال الحرب العراقية ـ الإيرانية كانت هناك تقارير وتحقيقات أممية بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية، وفي مايو 1988 أصدر مجلس الأمن القرار 612 الذي أدان استمرار استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب، ودعا الطرفين إلى الامتناع عن استخدامها، كما دعا الدول إلى تشديد الرقابة على تصدير المواد الكيميائية التي يمكن أن تستخدم في إنتاج الأسلحة الكيميائية.
أي أن المجتمع الدولي كان قد بدأ، قبل حلبجة وبعدها، في بناء سجل دولي للانتهاكات الكيميائية العراقية. وهذه نقطة مهمة جداً عند النظر إلى السودان. فالقضية لا تبدأ بالضرورة عندما تصل إلى مجلس الأمن. أحياناً تبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال تقارير استخباراتية، وشهادات، وصور، وتحقيقات صحفية، وعمليات تحقق فنية، ثم تتراكم هذه المواد تدريجياً حتى تصبح أساساً لسياسة دولية.
من حلبجة إلى UNSCOMاللجنة الخاصة بالامم المتحدة: كيف تحول الاتهام إلى ملف دولي؟
جاء التحول الكبير في الحالة العراقية بعد غزو الكويت وحرب الخليج. ففي العام 1991، ومع صدور قرار مجلس الأمن 687، أصبح العراق ملزماً بتدمير قدراته في مجال الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصواريخ، وإنشاء نظام دولي للتفتيش والتحقق. وهنا تأسست اللجنة الخاصة للأمم المتحدة UNSCOM، التي مُنحت صلاحيات واسعة للتفتيش الفوري في المواقع العراقية، والاستيلاء على الأسلحة والمواد والمكونات والمنشآت المرتبطة ببرامج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وتدميرها أو جعلها غير صالحة للاستخدام، ثم مراقبة التزام العراق بعد ذلك.
وهنا حدث التحول السياسي الأهم the significant shift. حيث لم يعد السؤال: هل استخدم العراق السلاح الكيميائي؟
بل أصبح: ماذا كان العراق يمتلك؟ أين كانت الأسلحة؟ كيف تم إنتاجها؟ كم أنتج؟ ماذا دمر؟ ماذا أخفى؟ وما الذي بقي؟ بمعنى آخر، تحولت الجريمة أو الاتهامات السابقة إلى مدخل لفحص البرنامج المزعوم بأكمله. وخلال سنوات التفتيش، كشفت الأمم المتحدة عن حجم كبير من البرنامج الكيميائي العراقي، وتم تدمير كميات ضخمة من الذخائر والعوامل الكيميائية ومعدات الإنتاج تحت إشراف دولي. وفي الوقت نفسه، ظل المفتشون يواجهون فجوات وتناقضات في الإقرارات العراقية ومشكلات في التحقق من مصير بعض المواد والوثائق.
وهذه هي النقطة التي تستحق أن يتوقف عندها السودان طويلاً. هل يمكن أن يبدأ المسار نفسه في السودان؟ ليس من الحكمة القول إن السودان يسير حتماً في طريق العراق. لأن الظروف مختلفة جذرياً. فالعراق كان دولة مهزومة في حرب دولية، خاضعة لقرارات مجلس الأمن بعد غزو الكويت، بينما السودان يعيش حرباً داخلية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.
لكن هناك تشابهاً في طريقة تطور الملفات الدولية. في السودان، بدأت القضية باتهامات أمريكية باستخدام الأسلحة الكيميائية.
ثم فرضت واشنطن عقوبات على السودان وقيادته العسكرية على خلفية هذه الاتهامات. ثم ظهرت الآن مواد جديدة تقول واشنطن بوست ونيويورك تايمز إنها تقدم صورة أكثر تفصيلاً عن برنامج كيميائي مزعوم داخل المؤسسة العسكرية، بما في ذلك إنتاج ذخائر، واختبارها، وتخزينها، واستخدام بعضها.

وبذلك يمكن أن نكون أمام انتقال من: اتهام “باستخدام سلاح كيميائي” إلى: اتهام “بامتلاك برنامج لإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية”. وهذه فى تقديري نقلة سياسية كبيرة. الفرق يكمن هنا بين “حادثة كيميائية” و”برنامج كيميائي” هذه ربما تكون أهم نقطة في القضية الحالية. فإذا ثبت أن مادة كيميائية سامة استخدمت في هجوم واحد، فإن التحقيق يمكن أن ينصب على ذلك الهجوم جملة تساؤلات إن لم تكن أسئلة تحتاج إجابات مهنية: أين وقع؟ ما المادة المستخدمة؟ من نفذ الهجوم؟ ما الهدف؟ وهل كان المدنيون في المنطقة؟
لكن إذا أثبتت التحقيقات” – هناك ووب وهنا ووبين”- وجود برنامج منظم، فإن نطاق التحقيق يتسع بصورة هائلة. عندها سيصبح السؤال: من أنشأ البرنامج؟ من وفر المواد؟ من صمم الذخائر؟ أين تم اختبارها؟ أين تم تخزينها؟ من أصدر الأوامر؟كم عدد الذخائر التي أنتجت؟هل ما زال هناك مخزون؟ وهل جرى التخلص من الأدلة بعد اكتشاف البرنامج؟ وهذه تحديداً هي المنطقة التي تقرّب القضية، من حيث المنهج السياسي والقانوني، من التجربة العراقية.
واشنطن.. من العقوبة إلى بناء الملف؟
من اللافت أن الاتهامات الأمريكية للسودان لم تعد معزولة عن مسار العقوبات. والتقارير الأخيرة تضيف طبقة جديدة إلى القضية، إذ تقول إن بعض المواد التي راجعتها الصحيفتان كانت قد وصلت بصورة أو بأخرى إلى دوائر استخباراتية أمريكية، وإنها عززت تقييمات أمريكية سابقة بشأن امتلاك السودان قدرات كيميائية. كما تقول التقارير إن مسؤولين سودانيين ينفون الاتهامات ويصفونها بأنها بلا أساس.
ففي السياق السياسي, يعني ذلك أن واشنطن تستطيع الآن ـ إذا أرادت ـ الانتقال من مرحلة: “نحن نعتقد أن هناك استخداماً للأسلحة الكيميائية” إلى: “لدينا ملف أدلة عن برنامج كامل.” الفارق بين العبارتين كبير. فالأولى تسمح بعقوبات. أما الثانية فتفتح الباب أمام المطالبة بـ: التحقيق الدولي؛ و تحديد مواقع الإنتاج والتخزين؛ و جرد المخزون؛ وتدمير أي مواد محظورة؛ و التحقق من عدم إعادة إنتاجها؛ وتحديد المسؤولين عن البرنامج؛ وربما ربط الملف بمسار التفاوض السياسي.
أوروبا.. أين يمكن أن يبدأ الضغط الحقيقي؟
قد يكون الدور الأوروبي أكثر تعقيداً من الدور الأمريكي. فالاتحاد الأوروبي أعلن بالفعل قلقه من المعلومات المتعلقة بالاستخدام المحتمل للأسلحة الكيميائية في السودان، كما أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ناقشت الادعاءات وطلبت إيضاحات من السودان. وهذا مهم لأن القضية لم تعد أمريكية فقط. فإذا تحولت إلى ملف داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فإنها تصبح مرتبطة بآلية دولية متخصصة في التحقق من الالتزام باتفاقية الأسلحة الكيميائية. والاتفاقية نفسها لا تحظر الاستخدام فقط؛ بل تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وحيازتها وتخزينها ونقلها، وتفرض على الدول الأطراف التزامات واسعة في مجال التدمير والتحقق. ومن هنا قد تصبح القضية أكثر صعوبة على الخرطوم\ بورتسودان من مجرد مواجهة سياسية مع واشنطن.
الأمم المتحدة.. اللحظة التي يتغير فيها مستوى القضية
إذا انتقل الملف بصورة رسمية وواسعة إلى الأمم المتحدة، فقد نكون أمام مرحلة مختلفة. وهنا يعود العراق إلى الذاكرةإستحضارا. ففي الحالة العراقية، أدى تراكم الاتهامات والأدلة ثم حرب الخليج إلى قرار مجلس الأمن 687، الذي أنشأ إطاراً دولياً للتفتيش والتدمير والتحقق.
لكن السودان ليس العراق، ولا توجد اليوم ـ على الأقل في المعطيات المتاحة ـ آلية مماثلة لقرار 687. لذلك فإن الحديث عن “تكرار السيناريو العراقي” ينبغي أن يكون تحليلاً لمسار محتمل، وليس توقعاً لقرار محدد. وقد يكون المسار السوداني أكثر شبهاً بما حدث لاحقاً في ملفات أخرى، حيث تقوم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بعمليات تقصي وتحقق، ثم تقدم نتائجها إلى الدول الأعضاء والأمم المتحدة.
فالمنظمة لديها بالفعل آليات للتحقيق في الادعاءات، وقد خلصت بعثات تقصي حقائق في حالات سابقة إلى استخدام أو احتمال استخدام مواد كيميائية كسلاح، وأحالت نتائجها إلى الدول الأطراف ومجلس الأمن.
حلبجة ليست بغداد 2003
وهنا يجب التوقف عند نقطة ضرورية حتى لا تتحول المقارنة التاريخية إلى تهويل. استحضار حلبجة لا يعني أن السودان يتجه إلى حرب أمريكية أو غزو دولي.ولا يعني أيضاً أن اتهامات الأسلحة الكيميائية ستؤدي حتماً إلى إسقاط النظام أو تفكيك الجيش. بل إن الدرس الأهم من العراق هو أن ملف الأسلحة المحظورة يمكن أن يغيّر طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي تدريجياً. وقد يحدث ذلك عبر العقوبات، والتحقيقات، والتفتيش، والمراقبة، والقيود على التسلح، وشروط التفاوض، وليس بالضرورة عبر الحرب.
بل إن تجربة العراق نفسها تقدم درساً معاكساً أيضاً: فقد تحولت قضية أسلحة الدمار الشامل إلى عنصر مركزي في الصراع السياسي الذي سبق غزو 2003، ثم تبين لاحقاً أن بعض التقييمات الأمريكية بشأن وجود مخزونات جاهزة لم تكن صحيحة بالصورة التي قُدمت بها. وهذا يجعل التحقيق المستقل ضرورة، لا ترفاً.
أخطر سيناريو: أن يتحول الملف من “استخدام” إلى “نزع قدرات”
إذا تطورت القضية، فقد يكون التحول الأخطر هو انتقال واشنطن وأوروبا من المطالبة بالتحقيق في هجمات محددة إلى المطالبة بـ: الكشف عن البرنامج الكيميائي السوداني وتفكيكه والتحقق من عدم وجود مخزونات أو منشآت إنتاج. وهذا فرق جوهري. لأن المطالبة بالتحقيق في حادثة يمكن أن تنتهي بتقرير. أما المطالبة بنزع قدرة عسكرية فتحتاج إلى: مواقع. ومخازن. وسجلات.وعينات. ومهندسين. وضباط. ووثائق. وتفتيش. ومراقبة طويلة المدى. وهنا يصبح الملف أكثر شبهاً بالمسار الذي عرفه العراق في التسعينيات.

ماذا لو رفض السودان التفتيش؟
هذه قد تكون اللحظة السياسية الأصعب ف” ل”و قد تفتح عمل شياطين واشنطن و أوروربا ومهندسي و ترزية القوانين. إذا رفضت الخرطوم التعاون، فمن المحتمل أن تقول واشنطن وأوروبا إن الرفض دليل على عدم الشفافية، وربما يصبح سبباً لتوسيع العقوبات. لكن إذا وافقت الحكومة السودانية على تحقيق دولي كامل، فهي تخاطر أيضاً بأن يكشف التحقيق أدلة محرجة إذا كانت الاتهامات صحيحة.
ومن هنا تبدو المعادلة قاسية: فالرفض يحمل كلفة سياسية باهظة. والقبول يحمل مخاطرة كشف الحقيقة. و لكن من زاوية الدولة، قد يكون هناك خيار ثالث أكثر ذكاءً: قبول تحقيق مستقل بشروط واضحة ومتفق عليها، والمطالبة بأن يشمل جميع الأطراف والادعاءات، وليس الجيش وحده. وهذا يمكن أن يحول القضية من عبء إلى فرصة لإثبات الموقف السوداني إذا كانت الاتهامات غير صحيحة أو مبالغاً فيها.
وماذا عن الدعم السريع؟
من الخطأ أن يتحول ملف الأسلحة الكيميائية إلى أداة لتبييض سجل أي طرف آخر في الحرب. فالحرب السودانية شهدت اتهامات وانتهاكات خطيرة منسوبة إلى أطراف متعددة. ولذلك فإن التحقيق النزيه ينبغي أن يركز على الفعل وليس على هوية مرتكبه سياسياً. فإذا ثبت استخدام الجيش للسلاح الكيميائي، ينبغي تحديد المسؤولية. وإذا ظهرت أدلة على استخدام أي طرف آخر لأسلحة محظورة، ينبغي أن يخضع أيضاً للتحقيق. فالقاعدة التي يحتاجها السودان ليست: معاقبة طرف بعينه. بل: لا أحد فوق القانون.
السيناريوهات المحتملة
يمكن، بناءً على المعطيات الراهنة، تصور أربعة سيناريوهات رئيسية:
أولاً: احتواء القضية
تنفي القيادة العسكرية الاتهامات، وتبقى القضية في إطار العقوبات الأمريكية والتغطية الإعلامية، دون انتقال إلى آلية تفتيش دولية واسعة. وهذا هو السيناريو الأقل تصعيداً.
ثانياً: تحقيق فني دولي
تزداد الضغوط على السودان للسماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أو آلية دولية مناسبة بالتحقق من الادعاءات.
وهذا، في تقديري، هو السيناريو الأكثر عقلانية والأقل خطراً على السودان إذا كانت القيادة واثقة من موقفها.
ثالثاً: تدويل الملف
ينتقل الملف إلى مستوى أوسع داخل الأمم المتحدة، وتصبح الأسلحة الكيميائية جزءاً من النقاش حول مستقبل الحرب والعقوبات والتسوية السياسية. وهنا يبدأ خطر أن يتحول الملف إلى ورقة ضغط على القيادة العسكرية في أي مفاوضات قادمة.
رابعاً: ظهور أدلة جديدة أكثر حسماً
وهو السيناريو الأخطر. فإذا ظهرت عينات مادية، أو مواقع إنتاج، أو وثائق أصلية، أو شهادات من مشاركين، أو أدلة مستقلة على استخدام متكرر، فإن الملف يمكن أن ينتقل من دائرة الشك إلى دائرة الإثبات بدرجة أكبر. وعندها ستكون التداعيات أكبر بكثير.
لكن السؤال الأخطر: هل نحن أمام “حلبجة سودانية”؟
ربما يكون هذا العنوان مغرياً صحفياً، لكنه يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. حتى الآن، لا ينبغي مساواة ما نشر عن استخدام الكلور في الحرب السودانية بحلبجة من حيث حجم الضحايا أو طبيعة الاستهداف أو مستوى الإثبات. التقارير الحالية تتحدث أساساً عن استخدام مزعوم ضد قوات الدعم السريع، مع مخاطر بالغة على المدنيين بحكم طبيعة الحرب داخل المناطق المأهولة. لكن المقارنة تصبح ذات معنى إذا كان المقصود هو الدور الذي يمكن لحادثة كيميائية أن تلعبه في بناء ملف دولي ضد دولة أو مؤسسة عسكرية. فحلبجة لم تكن مجرد مأساة إنسانية. لقد أصبحت، مع مرور الوقت، جزءاً من السجل الدولي لجرائم نظام صدام حسين، ثم جاءت حرب الخليج وعمليات التفتيش لتضع برنامج الأسلحة الكيميائية العراقي في قلب العلاقة بين بغداد والمجتمع الدولي.
وهذا هو الجزء من التاريخ الذي ينبغي للسودانيين أن يتأملوه جلياً. ما الذي ينبغي أن تفعله الخرطوم؟
إذا كانت القيادة السودانية مقتنعة بأن الاتهامات باطلة، فإن أفضل رد ليس البيانات السياسية وحدها. فأفضل رد هو التحقيق.
فتح المجال أمام جهة فنية دولية مستقلة لفحص الادعاءات، والوصول إلى المواقع ذات الصلة، والاستماع إلى الشهود، وتحليل العينات ـ إذا كانت متاحة ـ يمكن أن يكون أكثر قوة من مائة بيان نفي. وفي الوقت نفسه، ينبغي للخرطوم أن تطالب بأن يكون أي تحقيق: مهنياً، مستقلاً، متوازناً، وأن يشمل جميع الأطراف والادعاءات ذات الصلة. فالمشكلة في حرب المعلومات أن كل طرف يريد تحقيقاً فقط عندما يعتقد أن نتيجته ستكون لصالحه.
لكن الدولة التي تريد حماية موقفها على المدى الطويل تحتاج إلى شيء مختلف: أن تقول للعالم: تعالوا وتحققوا. فالخلاصة: ليست المسألة “العراق 2003″، بل العراق 1988 ـ 1991 ربما يكون هذا هو الفارق الأهم في المقارنة. عندما نستحضر العراق، لا ينبغي أن نقفز مباشرة إلى بغداد 2003. المرحلة التي تستحق الدراسة في الحالة السودانية هي المسار الأطول:
استخدام كيميائي → توثيق دولي → اتهامات → تراكم أدلة → عقوبات → مطالبة بالكشف → تحقيق وتفتيش → تحديد المخزونات والمنشآت → مراقبة دولية. هذا هو المسار الذي بدأ في العراق قبل سنوات طويلة من غزو 2003.
وفي السودان، هناك الآن بعض عناصر هذا المسار بالفعل: اتهام أمريكي سابق، عقوبات، اهتمام من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، قلق أوروبي، ثم تحقيقات صحفية جديدة تقدم مواد تقول إنها تعزز الاتهامات. لكن العنصر الحاسم لم يُحسم بعد: التحقق المستقل الكامل. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس فقط: هل استخدم الجيش السوداني الأسلحة الكيميائية؟ بل: هل يستطيع السودان أن يمنع تحول هذا الاتهام إلى ملف دولي طويل الأمد؟ فالإجابة لا تكون بالإنكار وحده. إذا كانت الاتهامات خاطئة، فإن التحقيق المستقل يمكن أن يكشف ذلك.
وإذا كانت صحيحة، فإن رفض التحقيق لن يلغي الحقيقة، وإنما قد يؤجل لحظة ظهورها ويزيد كلفتها السياسية. أما إذا ثبت وجود برنامج كيميائي منظم، فإن القضية ستنتقل إلى مستوى مختلف تماماً: من سؤال عن سلوك عسكري في ساحة المعركة إلى سؤال عن مسؤولية مؤسسة، وسلسلة قيادة، وقدرات دولة، ومستقبل العلاقة بين السودان والمجتمع الدولي.
وهنا تكمن دلالة استحضار حلبجة والعراق. ليس لأن السودان هو العراق، وليس لأن التاريخ يتكرر حرفياً، ولكن لأن التاريخ يبين كيف يمكن لملف الأسلحة الكيميائية أن يبدأ بحادثة، ثم يتحول ـ إذا تراكمت الأدلة ـ إلى قضية دولية تعيد رسم علاقة الدولة بالعالم من حولها. وقد يكون السودان الآن، بالفعل، أمام بداية هذا المسار. والمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان الأمر سيبقى اتهاماً في حرب إعلامية، أم سيتحول إلى ملف دولي مفتوح على التحقيق والعقوبات والتفتيش والمساءلة.
وفي كل الأحوال، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان هو أن يتحول السلاح الكيميائي من جريمة محتملة تحتاج إلى تحقيق، إلى ذريعة سياسية تُستخدم دون تحقيق، أو إلى حقيقة مؤكدة يجري إنكارها دون مواجهة. فالطريق الوحيد بين الاحتمالين هو: الحقيقة، والتحقيق المستقل، والمساءلة العادلة.

amirmatar99@gmail.com

Author
يعقوب حمدان مطر

يعقوب حمدان مطر

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الهمباتة الجدد في ولاية نهر النيل .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري
منبر الرأي
إعادة قراءة أيام عميد الأدب العربي طه حسين .. بقلم: د. محمد صغيرون الشيخ *
لابد من المحاكمة غيابيا لكل عسكري هرب من المعارك منذ اندلاع الحرب .. بقلم: د. محمد علي طه سيد الكوستاوي/كسلا
منبر الرأي
عدالة ناجزة .. بقلم: يحيي فضل الله
أوقفوا هذا العجن في طين مطر الخريف اللُّك .. بقلم: عمر الحويج

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

رسالة الى دكتور عمر القراي .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
منبر الرأي

المجلس والجماعة .. نهاية شهر العسل ؟! .. بقلم: علاء الدين حمدى

علاء الدين حمدى
منبر الرأي

شكراً لقمان .. بقلم: إسماعيل عبدالله

طارق الجزولي
منبر الرأي

نهاية مؤكدة لكتابي (ريحة الموج والنوارس):

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss