زهير عثمان
المقال الثاني في سلسلة قراءة نقدية لطرح الدكتور عبدالله الفكي البشير
أزمة قراءة المفكرين في الفضاء الثقافي العربي والسوداني لا تكمن في ندرة النصوص أو غياب النقاشات، وإنما في طبيعة المنهج الذي نقارب به الفكر، وفي المسافة التي نتركها بين النص والحكم عليه,وحين نقترب من شخصية استثنائية وجدلية مثل محمود محمد طه، تتجاذبنا نزعتان- نزعة تمنحه حصانة فكرية تعفيه من المساءلة مستندة إلى مأساته السياسية، ونزعة تصدر عليه حكماً نهائياً يختزل مشروعه في مخالفة التراث, وبين هذين الطرفين توجد مساحة القراءة النقدية
فالقراءة النقدية لا تبدأ من سؤال- هل نحن معه أم ضده؟ بل من سؤال: كيف نختبر ما قاله؟ هنا يبرز التفاصل بين الحكم التقريري، الذي يبدأ من نتيجة جاهزة ويبحث عما يؤيدها، وبين القراءة النقدية التي تفحص السياق، وتحدد المفاهيم، وتختبر العلاقة بين المقدمات والنتائج
أولاً- النص قبل الحكم
تبدأ القراءة الجادة من النص، لا من الصورة. فالمفكر قد يتحول بمرور الزمن إلى رمز، ليتعامل القارئ مع صورة مسبقة صنعها المؤيدون أو الخصوم , ومشروعه تشكل عبر سنوات وتداخلت فيه قضايا الدين والتشريع والتصوف والحرية. ومن ثم، لا ينبغي أن يكون السؤال- ماذا قال؟ بل- في أي مرحلة وفي أي سياق قاله؟ وهنا تبرز “الانتقائية المنهجية”؛ إذ ينتقي المؤيد ما يعزز صورة المفكر الاستثنائي، بينما ينتقي الخصم ما يؤكد حكمه المسبق. المعيار الحقيقي للقراءة النقدية هو السماح للنص بأن يغير موقفنا، لا استخدامه لتأكيد قناعات سابقة
ثانياً- الحكم التقريري ليس برهاناً
هناك فرق بين القول إن فكرة ما خاطئة وبين شرح أسباب خطئها. القول نتيجة، والبرهان هو الطريق الموصل إليها. وحين نقرر أن مشروع التشريع يعاني مشكلة ما، ينبغي تحديد طبيعة هذه المشكلة والنصوص المكشفة عنها ومعيار الحكم. وحين نقول إن فكرة تتعارض مع التراث، فعلينا تعيين أي جزء من التراث وبأي معيار؛ فالبهاڻ أسمى وأبقى من النتيجة المجردة
ثالثاً – تطوير التشريع والبناء الاستدلالي
تحتل أطروحة (تطوير التشريع) موقعاً مركزياً مرتبطة بـ-الرسالة الثانية من الإسلام، وقائمة على التمييز بين المكي والمدني واعتبار الآيات المكية حاملة لأصول وقيم الكلية والمساواة, وهنا لا يتوقف السؤال عند حدود الموافقة أو الرفض، بل يمتد لـ: كيف بُنيت هذه الفكرة؟ وما المعيار لتحديد ما هو تاريخي وما هو دائم؟ وكيف يتم التعامل مع مفهوم النسخ وموقع السنة؟ الفكرة القوية هي التي تقدم إجابات متماسكة عن أسئلة بنيتها الداخلية
رابعاً- التجربة الروحية ومشكلة المعرفة العامة
يحمل خطاب الرجل حضوراً وازحاً للتجربة الروحية والتصور الأخلاقي. وهنا تبرز إشكالية- إذا كانت التجربة مصدراً للمعرفة لصاحبها، فكيف تتحول نتائجها إلى حجة عامة يناقشها الآخرون؟ ينبغي التمييز بين قيمة التجربة الذاتية وقوة البرهان الموضوعي؛ فتحويل الذوق الصوفي إلى حكم تشريعي عام يتطلب وسائط معرفية قابلة للاختبار والفحص المشترك
خامساً- من الحرية إلى المؤسسة
طرح محمود محمد طه تصوراً للحرية الفردية والاجتماعية مقاطعاً لمفاهيم الحداثة كالديمقراطية والعدالة الاجتماعية. غير أن الانتقال من الحرية كقيمة أخلاقية إلى الدولة كنظام مؤسسي يطرح تساؤلات حرجة: هل قدم المشروع تصوراً مؤسسياً واضحاً؟ كيف يتعامل مع الاختلاف؟ وكيف تُحمى حرية الفرد أمام أغلبية المجتمع؟ هذه أسئلة اختبار لا إدانة
سادساً- خطر الإسقاط التاريخي
تواجه دراسة المفكرين خطر الإسقاط التاريخي والتشابه اللفظي؛ فليس كل حديث عن الحرية تبنياً لليبرالية، ولا كل حديث عن العدالة دليلاً على الاشتراكية. المقارنة الجادة تتطلب فحص المفاهيم والمقدمات والنتائج بدقة، فالقاعدة المنهجية تقضي بأن التشابه لا يعني التطابق، والاختلاف لا يعني الانفصال المطلق
سابعاً- المأساة السياسية ليست برهاناً فكرياً
لا يجوز أن تتحول المأساة التاريخية والنهاية السياسية للمفكر إلى برهان على صحة أفكاره، كما لا يبرر الاختلاف الفكري إنكار إنسانيته. الفصل بين الموقف الحقوقي من المظلومية وبين الصارم الفكري في اختبار النظرية هو الضامن لنزاهة النقد وعصمته من الاستقطاب
ثامناً- اختبار طرح الدكتور البشير
قراءة طرح الدكتور عبدالله الفكي البشير تتطلب فهماً نقدياً لمصادره ومناهجه ومعاييره، وتحديد المسافة الفاصلة بين النص الأصلي واستنتاج الباحث, فالنقاش الرصين لا يخشى الأسئلة، واحترام العمل البحثي يبدأ بإخضاعه للفحص والاختبار العلمي.
قبل أن نحاكم المفكر
الفرق بين الحكم التقريري والقراءة النقدية هو الفرق بين ثقافتين- ثقافة تنهي النقاش بحكم قطعي، وثقافة تعمقه بالبرهان. فقبل الحكم على محمود محمد طه، علينا فحص النصوص في سياقها، وتتبزع تطور المشروع، واختبار المقدمات والنتائج. وفي بلد أنهكته الحرب والاستقطابات، تصبح الحاجة ملحة لإعادة بناء أخلاق الاختلاف , أن نختلف دون أن نلغي، وننقد دون أن نشيطن، ونقرأ بعمق قبل أن نحاكم.
