نزار عثمان السمندل
السودان لا يحتاج إلى كثير من البلاغة كي يعرف أن الحرب غيّرت كل شيء تقريبا، وأنها أعادت السلاح إلى قلب الدولة، ووسّعت المسافة بين المواطن وبلاده، وتركت السياسة تمشي حافية وسط حقل من البنادق.
لكن السؤال الذي يظل أكثر إلحاحا من سؤال نهاية الحرب هو سؤال اليوم الذي يليها.. من يحكم السودان عندما تصمت المدافع، ومن يملك حق الكلام باسم البلاد عندما تنتهي قدرة السلاح على الكلام؟
تبدو عبارة «السودان للمدنيين» سهلة في صورتها الأولى، ثم تكشف عن صعوبتها كلما اقتربنا بها من أرض الواقع.
الجيش هو القوة التي خرجت من الحرب وهي تحمل اسم الدولة وشعارها، والدعم السريع قوة عسكرية راكمت خلال سنوات طويلة نفوذا وموارد ومساحات واسعة من القدرة على التأثير. وبينهما تمددت حرب لم تكتف بتدمير المدن والبيوت، وإنما أعادت إنتاج السؤال القديم نفسه؛ هل تستطيع الدولة أن تكون دولة إذا ظل السلاح صاحب الكلمة الأخيرة فيها؟
قول مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إن مستقبل السودان سيكون للمدنيين والمجتمع المدني، يكتسب وزنه من توقيته أكثر مما يكتسبه من جدته. فالفكرة عرفها السودانيون قبل الحرب، وهتفوا بها في الشوارع، ودفعوا أثمانا باهظة من أجلها. الجديد أن هذه الفكرة تجد نفسها الآن أمام واقع عسكري أكثر تعقيدا، وأمام طرفين يملكان من القوة ما يكفي لتعطيل أي تسوية لا تنسجم مع حساباتهما.
المعضلة السودانية لم تعد في إقناع الناس بأن الحكم المدني هو الطريق، وإنما في انتزاع السياسة من قبضة القوة المسلحة، من دون تحويل الانتقال نفسه إلى سبب لحرب أخرى.
الجيش والدعم السريع لا يخرجان من الحرب بالرصيد الذي دخلا به. كل طرف يحمل معه وقائع ميدانية، ومصالح، وشبكات نفوذ، وحسابات أمنية، وخوفا من المستقبل. لذلك يصبح طلب مغادرتهما للسلطة أكبر من مجرد بند في اتفاق سياسي؛ إنه طلب بإعادة تعريف العلاقة بين القوة والدولة.
السلاح يستطيع أن يفرض شروطه على طاولة التفاوض، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة قابلة للحياة. يستطيع طرف مسلح أن يربح مدينة، وأن يخسر أخرى، وأن يوسّع مساحة سيطرته، لكن المواطن الذي يبحث عن مدرسة مفتوحة ومستشفى يعمل وبيت آمن ووظيفة وشرطة لا يخاف منها، لا تعنيه خريطة النفوذ بقدر ما يعنيه أن تستعيد الدولة معناها اليومي. تلك هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط تفاصيل التسويات والمبادرات.
التفاوض مع الجيش والدعم السريع يصبح ضرورة لإنهاء الحرب، لكنه لا يمنحهما تفويضا لإدارة السودان بعد الحرب.
يمكن أن يكونا طرفين في وقف إطلاق النار، وفي الترتيبات الأمنية، وفي معالجة المسائل العسكرية التي أنتجها النزاع، ثم تبدأ السياسة في استعادة موقعها الطبيعي، ويبدأ العسكري في العودة إلى موقعه الطبيعي داخل دولة واحدة ومؤسسة عسكرية واحدة وسلطة مدنية واحدة.
المسألة الأصعب ستظل السلاح. كيف يتحول جيشان متقاتلان وقوى مسلحة متعددة إلى مؤسسة أمنية تخضع لقرار سياسي مدني؟ من يدمج من؟ ومن يقود؟ وما الذي يحدث للامتيازات الاقتصادية والأمنية التي نشأت حول القوة؟ ومن يضمن أن الخلاف السياسي المقبل لن يجد بندقية جاهزة في انتظار إشارة؟
تأتي العدالة كاختبار آخر أشد وضوحا. الضحايا لا يستطيعون أن يدفنوا حقهم في مقابر الصمت، والبلاد لا تستطيع أن تجعل المحاسبة ذريعة لإبقاء الحرب إلى الأبد.
العدالة التي يحتاجها السودان ينبغي أن تكون جزءا من بناء الدولة، لا فخا لإطالة النزاع، ولا صفقة تمنح الأقوياء حصانة دائمة، ولا انتقاما يُسلَّم للسلاح في ثوب قانون.
قد تطول الحرب. وقد تتعثر المبادرات، وقد تتبدل موازين القوة، وقد يحتاج السودانيون إلى وقت طويل قبل أن يروا دولة تستعيد عافيتها. لكن طول الطريق لا يغير وجهته.
السودان الذي خرج إلى الشوارع مطالبا بالحرية والسلام والعدالة لم يكن يبحث عن تبديل رجل عسكري برجل عسكري، ولا عن جيش ينتصر على دعم سريع أو دعم سريع ينتصر على جيش. كان يبحث عن بلد يستطيع فيه الإنسان أن يعيش مواطنا، لا تابعا لقوة مسلحة.
المطلوب من الوسطاء أن يفهموا هذه الحقيقة، ومن القوى المدنية أن تتمسك بها، ومن العسكريين أن يدركوا أن الدولة التي يريد كل طرف امتلاكها لن تكون دولة لأحد. السودان أوسع من بندقية، وأبقى من قائد، وأعمق من ترتيبات الحرب. وحين تنتهي هذه الحرب، مهما طال أمدها، سيظل السؤال قائمًا أمام الجميع.. هل يعود السودان إلى السياسة، أم تعود السياسة إلى السودان؟
الجواب الذي يستحق كل هذا الألم واحد؛ السودان للمدنيين.
