بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
يقول ابن خلدون: “الحر يدافع عن الفكرة مهما كان قائلها، والعبد يدافع عن الشخص مهما كانت فكرته”.
ولكننا ابتلينا بمن يعظم الأشخاص ويهتف بأسمائهم، وهذا الاستحمار بعينه، وهذا الاستغفال بعينه. فلن ينهض السودان ما دمنا نعبد الأصنام، وما دمنا نقدس الذوات ونترك المبادئ.
ويقول مالك بن نبي: “إذا تحول اهتمام الأمة من الفكرة إلى الشخص فقد بدأت مرحلة السقوط الحضاري”.
ويقول علي شريعتي: “ذهبوا ليبحثوا عن الظلم فوجدوا شعباً يركع فجلسوا”.
ويقول محمد المختار الشنقيطي: “الأمم لا تُبنى بعبادة الرجال، وإنما تُبنى باحترام القانون وإعلاء الفكرة”.
ويقول عزمي بشارة: “الاستبداد لا يصنعه المستبد وحده، بل يصنعه مجتمع يبرر له ويصفق له”.
تشخيص المرض: لماذا نرضى بالذل؟
المرض مركب، وأسبابه ثلاثة:
أولاً: خوف يقتل الكرامة
نخاف على الرزق وكأنه بيد المسؤول لا بيد الله، ونهاب صاحب البزة ونقدس صاحب الكرسي، فبعنا هيبتنا بفتات المنصب.
ثانياً: فرقة تقتل القوة
تفرقنا فصرنا شيعاً وأحزاباً، نكيد للناجح ونحارب المصلح، ونترك الساحة لأسوأ الناس يتصدرون شأن الحي والقرية والوزارة.
ثالثاً: تعود يقتل العقل
تعودنا أن نسير خلف من لا يستحق، فصرنا نأتمن الفاشل على مصيرنا، ونترك الجاهل يقرر طريقنا، ونبرر الفشل بشعارات جوفاء.
وهنا مكمن الداء
عندما كنا صغاراً في السن، قالوا لنا: من سرق دخل النار، ومن ظلم باء بالخسار.
ولكن عندما كبرنا، رأينا العجب العجاب..
رأينا من سرق فتوج، ومن نهب فعُظم، ومن استبد فسمي “صاحب السيادة والريادة” و”وحيد زمانه”.
رأينا من هضم حقوق الناس يرحل إلى ماليزيا مرفوع الرأس، ثم يعود ليتربع على كرسي الوزارة، ويترأس ستين إدارة وهيئة، بل ويشرع من موقعه السرقة والنهب والبطش.
تحولنا من أمة تسأل “ما الفكرة؟” إلى قطيع يسأل “من القائد؟”
ومن شعب يحاسب على المبدأ، إلى رعايا يصفقون للشخص مهما فعل.
ففسدت المؤسسات، وترهلت الدولة، وضاعت هيبة القانون، وأصبح الحق يُشترى والباطل يُباع.
والعلاج؟ العودة إلى البداية
لن ننهض ونحن نعبد الأشخاص وننسى الأفكار.
ولن نتقدم ونحن نربي الأوثان ونحطم الميزان.
ولن نفلح حتى نكسر صنم الذات، ونرفع راية الفكرة، ونحترم القانون فوق الجميع.
إذا أردنا وطناً فالطريق واضح:
أن ندافع عن الفكرة لا عن الشخص،
وأن نقيس الرجال بالمواقف لا بالهتافات،
وأن نجعل الوطن قبلة لا قبلية، ومبدأ لا شخصاً.
حينها فقط نخرج من مرحلة السقوط الحضاري التي حذرنا منها مالك بن نبي،
ونعود أحراراً ندافع عن الفكرة مهما كان قائلها.. كما أرادنا ابن خلدون.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
