بقلم د/عادل عبد العزيز حامد
adilhamid.uk
يواجه الإسلام حملة فكرية واسعة من بعض التيارات الغربية، ومن بعض من يتبنّون أفكارها من المسلمين وغير المسلمين، تهدف إلى إقصاء مفهوم شمولية الإسلام، والترويج لفكرة أنه دين لا يصلح للعصر الحديث، مع محاولة حصره في نطاق العبادة الفردية، على غرار التصور الغربي للدين. ويؤدي هذا الطرح إلى إخراج الإسلام من الحياة العامة، وقصره على أداء الشعائر والعبادات الفردية داخل المساجد.
غير أن الإسلام لا يعرف نظام الكهنوت، ولا يعترف بطبقة من رجال الدين تحتكر الحقيقة. فمنذ بداياته الأولى، جاء الإسلام تشريعًا ونظامًا لإدارة المجتمع والدولة، ويقدم نموذج دولة المدينة المنورة مثالًا واضحًا على ذلك؛ فقد ضمّت المسلمين واليهود وغيرهم في إطار من الحقوق والواجبات المشتركة.
ويربط الخطاب القرآني بين قضايا السياسة والاقتصاد والعقيدة، ولا يفصل بينها، قال تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا»
سورة البقرة، الآية 278.
كما جعل القرآن الاحتكام إلى الشريعة أساسًا من أسس الإيمان، فقال تعالى:
«فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ»
سورة النساء، الآية 65.
وعليه، فإن القول بأن الإسلام دين عبادة فردية فقط يعني تعطيل جانب كبير من أحكام الشريعة المتعلقة بالمواريث، والمعاملات، والسياسة، والاقتصاد، والمجتمع.
وحتى عند النظر إلى الإسلام من خلال فقه المقاصد، نجد أن علماء أصول الفقه، مثل الشاطبي والغزالي، قرروا أن الشريعة تهدف إلى حفظ الضروريات الكبرى، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ولا يمكن تحقيق حفظ المال من دون نظام اقتصادي يواجه الاحتكار والربا، كما لا يمكن حفظ النفس والنسل من دون نظام اجتماعي وقضائي يحمي الحقوق ويمنع الاعتداء. كذلك لا يمكن تنظيم الحياة السياسية من دون الشورى، وحسن التدبير، والإدارة الرشيدة.
وقد ترك الإسلام للإنسان مساحة واسعة في اختيار الوسائل، في إطار السياسة الشرعية، بما يسمح للعقل البشري الملتزم بالقيم الإسلامية الكلية بالاجتهاد، وتحقيق المصالح المرسلة، وتحقيق التوازن بين ثوابت الوحي ومرونة العقل. وهذا ما يجعل الإسلام نظام حياة متجددًا، قادرًا على مواكبة اختلاف الزمان والمكان.
إن شمولية رسالة الإسلام، واعتبارها منهجًا متكاملًا للحياة، ليست خيارًا عابرًا، بل هي حقيقة أصيلة في طبيعة هذا الدين وبنيته. ولذلك تمثل شمولية الإسلام فكرة مركزية في الحركة الإسلامية الحديثة، وأي محاولة لإلغاء هذه الشمولية أو تفريغها من مضمونها تؤدي إلى تجريد الأمة من هويتها وعقيدتها، وتحويل الإسلام إلى دين معزول عن قضايا الحياة والمجتمع.
ويرى كثيرون أن بعض القوى الغربية تسعى إلى ترسيخ مفهوم لما تسميه «الإسلام المعتدل»، بحيث يكون إسلامًا يقبل الظلم ولا يقيم العدل، ويسكت عن الباطل ولا يأمر بالمعروف. كما تُبذل محاولات لحذف الآيات والمفاهيم المتعلقة بالجهاد ومقاومة الظلم والباطل من المناهج الدراسية في عدد من الدول الإسلامية، وهي سياسات نوقشت في تقارير ومراكز بحثية غربية، من بينها مؤسسة راند، وقد طُبّقت بعض صورها في عدد من البلدان الإسلامية.
وينظر بعض التيارات الغربية إلى الإسلام بوصفه تهديدًا للنموذج الحضاري الغربي المادي. غير أن التجارب الواقعية كشفت، في نظر منتقدي هذا النموذج، عن فجوة كبيرة بين الشعارات المعلنة والتطبيق العملي، ولا سيما في قضايا حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وحقوق المرأة والطفل. فالمآسي التي يشهدها المدنيون في فلسطين والسودان واليمن وغيرها تطرح تساؤلات عميقة حول حقيقة المنظمات التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والعدل والقانون، ومدى التزامها بهذه المبادئ في الواقع.
وفي الختام، فإن مفهوم شمولية الإسلام يحفظ لجميع أفراد الدولة حقوقهم ويحدد واجباتهم، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين. ويُعدّ دستور المدينة المنورة من أقدم الوثائق السياسية والقانونية التي أرست مفهوم المواطنة مع احترام التعدد الديني، إذ نص على:
«يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم».
وقد مثّلت هذه الوثيقة نموذجًا مبكرًا لتنظيم العلاقة بين المواطنة والعقيدة، بما يضمن الحقوق ويحفظ التعدد. ومن ثم، تصبح حماية هذه الحقوق مسؤولية دستورية وواجبًا شرعيًا وأخلاقيًا على الدولة والقائمين عليها، لا أمرًا مرهونًا بتغير الأغلبية أو اختلاف الزمان والمكان
