في صمت رحل وخلف وراءه علما غزيراً وتواضعا جما وضحكة نابعة من القلب مثل فلق الصباح واشراقة البدر المنير … رحل البروف محمد عبد السلام عايد الذي كان عشقه الريف والبسطاء وكم عطش وشرب الماء المر ليوفر لهم الماء الحلو النظيف !!..
عندما بدأت خيوط الشمس تتسلل لتضيء هذا الكون الفسيح في صبيحة السبت الثاني عشر من سبتمبر وبعد مسيرة حافلة في إخراج العلم من الكتب وجعله يمشي علي رجلين وبعد صولات وجولات في حقول التنقيب عن الماء والمعادن وماينفغ الناس … صعدت روح البروف محمد عبد السلام عايد الي بارئها تحفها ملائكة الرحمة باذن الله سبحانه وتعالى ودعاء وتضرع المكلومين الذين غاب عنهم في هذا اليوم انسان حمل قلبا ضم من البشر الكثير والكثير ولم يكن ينظر الي الوجوه والمناصب والسلطة والجاه بل كانت تستهويه البساطة والعفوية حيثما حل واينما نزل وقد جاب البلاد في طولها وعرضها ليس للسياحة والترويح عن النفس بدل للسهر بحثا عن الماء الحلو الزلال لأهلنا في البقاع التي يتهددها العطش وهم بين الموت والحياة والترحال في البطانة والشرق وفي كردفان ودارفور يقضي الشهور في الخلاء العريض مع فريقه العامل بقليل من الزاد وقليل من الإضاءة مع تعرض للضواري من الوحوش والفاتك من الزواحف عالية السمية ولسعات البرد والحر وقلة الطعام وقلة جودته … ومع كل هذا الحال الأقرب لشظف العيش كان الراحل وكالعهد به في قدر عال من الطمأنينة يؤدي واجبه متهلل الاسارير وسعادته تكتمل مع مجالسته للبسطاء يطرب لحكاويهم الصادقة وسردهم الجميل النابع من الطيبة والرضي والقناعة وإكرام الضيف والترحيب بالغريب في ابهج صورة وانضر تعامل وذوق رفيع فوق المستوي وابعد الحدود !!..
كان الراحل بنفس المستوي مع هؤلاء البسطاء ومع زعماء عشائرهم يتحدث إليهم بنفس ماتعودوا عليه من تخاطب ابن البلد لابن البلد في ظرف وأناقة بعيدا عن الرسميات والسياسة والحكاوي الجافة !!..
الراحل درس في روسيا علوم الارض ( الجيولوجيا ) وتبغ في دراسته ووصل في جامعة الخرطوم الي منصب رئيس قسم الجيولوجيا بها !!..
زرته مرة في مكتبه بالجامعة ولم اجد منضدة بها اوراق ودفاتر وكان المكان يعج بالصخور من كل لون وجنس ومعدات استكشاف للمعادن والماء والبترول ويبدو أن الراحل قد اتخذ من مكتبه مستودعا للعينات الصخرية ولوازم عمله الحقلي فهو دائما أما في مهمة تنقيب في فيافي السودان المختلفة في رحلات ربما تستغرق أياما عديدة في سبيل البحث عن الماء لأهلنا البساط وكم وكم حفر لهم ابارا كانت فيها البركة والماء الغزير الحلو النمير !!..
وكانت له وقفات مشهودة للتنقيب عن الحديد في جبل ابوتولو في غرب كردفان وفي شندي وجبل ام علي اكتشف صخورا جاهزة فقط تنتظر الطحن علي الزيرو لتصير طلاء عالي الجودة ولا تحتاج إلي خصم أو إضافة أ جي مواد أخري .
وقد أرسل هذه العينات الي السعودية ليتم الاستثمار فيها ولكن اهلنا في السعودية لم يكونوا بنفس حماس صاحب الفكرة ولم يري المشروع النور وغيره فقد كانت للراحل كثير من الاكتشافات القيمة ولكن الروتين عندنا وفي بعض الدول العربية أضاع كثيرا من مجهودات علمائنا النابهين ومنهم البروف عايد الذي كان كل همه أن يسعد الفقراء والبسطاء ويقدم لهم بما يسعدهم ويدخل السرور الي قلبهم !!..
الراحل كان مضربا للمثل في سمو الاخلاق وطيبة القلب والكرم وبيته عامر بالضيوف من أهله ومن أهل البلد ومن الضيوف القادمين من أعالي البحار .
اثناء دراسته في روسيا طاف أوروبا بلدا بلدا بالقطار جعلته موسوعي المعرفة بالاقوام هناك وقد خبر بيئتهم عن قرب وتعرف عليها عن كثب .
اللهم أغفر له و ارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة. اللهم أدخله فسيح جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا والبركة انشاء الله في حرمه وأبنائه وبناته وأحفاده وفي أهله جميعا وعموم معارفه في بلدنا الحبيب وان شاء الله فإن أبنائه وأحفاده وقد نالوا الكثير من مناقبه الصالحة وخصاله السمحة سوف يرفعون الراية عالية في دنيا العلم والايمان وقد لمسنا منهم ذلك حفظهم الله سبحانه وتعالى وسدد خطاهم في طريق الخير والصلاح !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
