زهير عثمان
من (كوز) إلى سؤال المنهج الخفي في التعليم السوداني
ليست كل المعارك السياسية تبدأ في البرلمان أو الشارع؛ فبعضها يتسلل بهدوء إلى صفحة كتاب مدرسي، عبر صورة، أو كلمة، أو مثال لغوي يبدو في ظاهر الأمر بريئاً. غير أن التربية النقدية تذكرنا بأن الكتب المدرسية ليست أوعية محايدة للمعرفة، بل هي نصوص ثقافية محمولة برؤى للعالم، وترتيب للقيم، وحدود لما يُقال وما يُغيّب , من هنا، فإن الجدل الدائر حول إدراج مفردة (كوز) في كتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي يتجاوز بكثير حدود الكلمة المفردة. إنه يضعنا وجهاً لوجه أمام ما يُعرف في الأدبيات التربوية بـ«المنهج الخفي»؛ تلك الرسائل المضمرة التي يتلقاها الطفل عبر الصور، والتكرار، والمسميات، والسياق، بعيداً عن الدرس المباشر
بين التعليم والتلقين السياسي
عندما انتقدت لجنة المعلمين السودانيين إدراج المفردة لطابعها السياسي والأيديولوجي وطالبت بمراجعة الكتاب، كان ذلك موقفاً قابلاً للنقاش في إطاره. لكن السؤال الأعمق والأجدر بالطرح ليس عما إذا كانت الكلمة سياسية أم لا، بل- ماذا تفعل مفردة بهذا الثقل الاستقطابي في وعي طفل لم يتجاوز السادسة بعد؟
في هذه المرحلة المبكرة، لا يمتلك الطفل الأدوات المعرفية التي تمكنه من الفصل بين الكلمة كبنية لغوية، وبينها كشحنة سياسية أو حكم أخلاقي على جماعة بعينها. إنه يتلقى اللغة كمادة خام لبناء عالمه، لا كمادة قابلة للتفكيك النقدي، مما قد يحول تعليم اللغة –بشكل غير مقصود– إلى مدخل مبكر لانقسام سياسي لم يترشح له بعد
وهنا يتجلى الفارق الجوهري؛ فالتعليم في جوهره فعل اجتماعي وسياسي يحمل تصورات عن الدولة والمجتمع، ولكن شتان بين أن نعلّم الطفل كيف يفهم السياسة، وبين أن نستخدم المدرسة لتشكيل ولائه أو كراهيته قبل أن يمتلك أدوات السؤال والمقارنة
تاريخ طويل من تدوير المناهج
هذه المعضلة ليست وليدة اليوم في السودان. فالدولة التي نالت استقلالها عام 1956 ورثت منظومة تعليمية غير محايدة تشكلت في الحقبة الاستعمارية، مما يثبت أن التحولات السياسية الكبرى لا تنعكس بالضرورة وبالسرعة ذاتها على الكتب والممارسات التعليمية
وكما أشار مفكر الاجتماع بيير بورديو في مفهوم (إعادة الإنتاج الثقافي)، فإن المدرسة تتجاوز دور توزيع المعرفة لتصبح أداة لإعادة إنتاج القيم والرموز. وعليه، تعاقبت المشروعات السياسية على المناهج منذ استقلال الدولة، مروراً بفترة (الاشتراكية العربية) في عهد نميري، وصولاً إلى-المشروع الحضاري- لنظام الإنقاذ، حيث تماهت المناهج بشكل صارخ مع الأيديولوجيا الحاكمة
ولكن الخطر الحقيقي يكمن في ألا يكون نقد الماضي مقدمة لتصحيح المسار، بل وسيلة لتكرار الخطيئة بذاتها , فحين يأتي نظام جديد، يكمن المحظور في استبدال صور الخصوم بصور السلطة الحالية، ليظل الطفل محكوماً برؤية عين واحدة تحدد له مسبقاً من هو الوطني ومن هو الخصم
نحو تربية نقدية واعية
لا يقتصر الأمر على الكلمات وحدها، بل تمتد الخطورة إلى الصور والمسميات التي تنتقل من دائرة -الوصف- إلى دائرة *الحكم دون وسائط نقدية واضحة. فمفاهيم مثل الثورة، الحرب ، أو الديمقراطية , و لا تصبح نافعة إلا حين يمتلك المتعلم سياقاتها وأبعادها.
وكما علمنا باولو فريري، فإن التعليم الحقيقي يفتح أمام المتعلم أفق «قراءة العالم» لا مجرد تلقين إجابات جاهزة. ما نحتاجه اليوم ليس مدرسةً تهرب من الكلمات السياسية، ولا أخرى تفرط في توريط الأطفال فيها، بل تربية مواطنية نقدية تُعلّم النشء أن الاختلاف طبيعي، وأن المختلف ليس بالضرورة خصماً
المجتمع الديمقراطي لا ينتج أطفالاً يتفقون على قالب واحد، بل يربي أجيالاً قادرة على العيش وسط تنوع الصور والآراء دون تحويل الاختلاف إلى كراهية
إن قضية «كوز» تختزل أزمة أعمق رافقت السودان طويلاً؛ رغبة كل سلطة متعاقبة في إعادة صياغة الإنسان السوداني وفق صورتها الخاصة. ولن تنتهي الأزمة بحذف كلمة أو إبقائها، بل بالجواب الحاسم على السؤال الأبدي , هل وظيفة التعليم صناعة مواطن يشبه السلطة، أم مواطن يمتلك شجاعة مساءلتها؟
الفرق بينهما هو الفاصل الدقيق بين التلقين الذي يرسم على زجاج النافذة صورة مزيفة ويدعي أنها السماء، وبين التربية التي تفتح النافذة ليتعلم الطفل كيف يرى العالم بعينيه لا بعيون السلطة.
