علاء خيراوي
■ يتصرف الدكتور أمجد فريد، مستشار الشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لرئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، أحيانًا كما لو أنه “كيسنجر زمانه”؛ رجل يملك مفاتيح الإقليم، ويفك شفرات العواصم، ويقرأ ما بين سطور واشنطن وأبوظبي والقاهرة، ويعرف وحده كيف تُدار الدولة وكيف تُفهم الحرب. لكن السياسة، لسوء حظ أصحاب الضجيج، لا تقيس الرجال بما يظنونه عن أنفسهم، بل بما أنجزوه فعلًا. وهنا يبدأ مأزق أمجد؛ فكلما ارتفع صوته، انخفضت أمامنا حصيلة ما يمكن أن ننسبه إليه من نجاحات واضحة، وكلما اتسعت معاركه، ضاق السؤال إلى جملة واحدة؛ ماذا حقق؟ لقد أصبح الصدام جزءًا من حضوره، والمقاطعة والغضب جزءًا من أسلوبه، واليقين القاطع جزءًا من خطابه؛ حتى بدا في ظهوره الأخير على الـBBC وكأنه لا يحاور بقدر ما يشتبك، ولا يشرح بقدر ما يهاجم. ولقاء “بلا قيود” لم يكشف فقط خلافًا حول الإمارات والحرب؛ كشف شيئًا أعمق في طريقة الرجل في إدارة الاختلاف. المقدم كان يؤدي وظيفته؛ يسأل، ويقاطع أحيانًا ليعيد الضيف إلى السؤال، ويعرض الرأي الآخر، لكن أمجد بدا في أجزاء من الحوار وكأنه لا يريد محاورًا وإنما منصة. وحين خاطبه المذيع بعبارة “دكتور أمجد الله يخليك…” لم ينتظر حتى تكتمل الجملة، وقاطعه بقوله؛ “الله لا يخليني”. قد يراها البعض لحظة عابرة تحت ضغط الحوار، وأنا أراها كاشفة؛ لأن احترام من يجلس أمامك ليس زينة اجتماعية، بل جزء من أهلية رجل يشغل منصبًا عنوانه “العلاقات الخارجية”، والدبلوماسية في آخر الأمر ليست فن رفع الصوت، بل فن الاختلاف من دون إهانة الآخر.
■ بعيدًا عن الحضور الصدامي، يبقى السؤال الأهم؛ أين الإنجاز؟ في ملف العلاقات الخارجية، هل فتح نافذة ولو صغيرة للسودان للخروج من عزلته؟ وهل استطاع أمجد أن يغير موقف واشنطن من قيادة الجيش؟ بل ظهر في الـBBC مدافعًا عن الجيش في مواجهة الاتهامات الأمريكية باستخدام السلاح الكيميائي، ومعتبرًا اتهام واشنطن “في غير محله”، ومتحدثًا عن توسيع حظر السلاح باعتباره استهدافًا للقوات المسلحة. والسؤال ليس إن كان يحق له الدفاع عن الجيش؛ فهذا أصبح عمله، وإنما هل استطاع أن يغير الموقف الأمريكي؟ هل قدم اختراقًا دبلوماسيًا في هذا الملف؟ أم انتهى دوره إلى الاعتراض على الشاشة؟ وفي الملف الإماراتي يتحدث وكأن المعركة الدبلوماسية حُسمت، بينما الحقيقة أشد تعقيدًا. نعم، هناك اتهامات خطيرة ومستمرة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، ويجب التحقيق فيها بلا تردد؛ لكن تحويل الإمارات إلى مفتاح لكل شيء لم يوقف الحرب، ولم يقطع خطوط الإمداد، ولم ينتج تسوية، ولم ينجح في إخراج أبوظبي من المعادلة الإقليمية. فإذا كانت وظيفة مستشار العلاقات الخارجية تحويل الموقف السياسي إلى نتائج، فأين النتائج؟ أما تكرار الاتهامات نفسها في كل منبر، فلا يحتاج إلى مستشار؛ يستطيع أي ناطق رسمي أن يفعله.
■ وفي ملف القرار ١٥٩١ والعقوبات، ظهر أمجد معترضًا على التوجه الأمريكي لتوسيع نطاق حظر السلاح، ومصرًا على أن القرار لم يمنع أصلًا الإمدادات التي يقول إنها تصل إلى الدعم السريع. حسنًا؛ ولكن ماذا قدم البديل؟ هل أقنع واشنطن؟ هل غير اتجاه مجلس الأمن؟ هل أنشأ مسارًا دبلوماسيًا يحمي السودان من تدويل أوسع للحرب؟ المستشار الناجح لا يُقاس بعدد المرات التي قال فيها إن الآخرين مخطئون؛ يُقاس بما استطاع أن يجعلهم يفعلونه بصورة مختلفة. ثم وقع أمجد نفسه في مأزق سردية يصعب الدفاع عنها؛ أراد أن يجعل الحرب في جوهرها نتيجة تدخل إماراتي، بينما أعاده المذيع إلى حقيقة أن الدعم السريع قوة سودانية، نشأت داخل السودان، وكان قائدها نائبًا للبرهان وشريكًا له في الحكم. وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يحب خطاب بورتسودان سماعها؛ من صنع الدعم السريع؟ من قننه؟ من سمح له بالتمدد؟ من شاركه انقلاب ٢٥ أكتوبر؟ ومن كان يعتبر حميدتي شريكًا إلى أن أصبح خصمًا؟ لا تستطيع أي براعة خطابية أن تجعل التاريخ يبدأ يوم اندلعت الحرب. وحتى قضية محكمة العدل الدولية تحتاج إلى قدر من الانضباط؛ فالمحكمة لم تفحص الأدلة ثم “تبرئ الإمارات”، وإنما انتهت إلى عدم اختصاصها بالنظر في الدعوى بسبب تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، وبالتالي لم تفصل في أصل الاتهامات. فلا نبرئ الإمارات من غير دليل، ولا ندينها بحكم لم يصدر.
■ والمفارقة أن رجلًا يشغل موقع مستشار العلاقات الخارجية يفترض أن تكون أول أدواته القدرة على الاستماع. الدبلوماسي لا ينبغي أن يقول لنظيره، مجازًا أو حرفيًا، “الله لا يخليني” حينما يضيق بالسؤال. السياسة ليست مباراة في من يملك الرد الأسرع، ولا العلاقات الخارجية حلبة ملاكمة لفظية. وقد يكون أمجد واسع القراءة، حاضر الذهن، سريع الرد؛ لكن هذه الصفات تتحول إلى عبء حين يصاحبها إحساس دائم بأن الطرف الآخر لم يفهم وأن عليك أن تعلمه كيف يفهم. ولذلك يبقى ميزاني بسيطًا؛ ماذا أنجز الدكتور أمجد فريد منذ ظهوره على ساحة النضال الوطني وحتى الآن؟ كان قريبًا من حكومة الثورة؛ ولم نرَ بصمة سياسية استثنائية تحمي الانتقال. دخل صراعات القوى المدنية؛ ولم يوحد معسكرًا بل ازداد المشهد انقسامًا. أصبح من أشد خصوم “صمود”؛ ولم يقدم كتلة مدنية بديلة قادرة على ملء الفراغ. ذهب إلى البرهان مستشارًا للعلاقات الخارجية؛ ولم نرَ حتى الآن اختراقًا أمريكيًا، ولا تسوية إقليمية، ولا خروجًا من العزلة، ولا إيقافًا للحرب. ثم جاء إلى الـBBC ليخوض معركة أخرى مع المذيع.
■ قد يكون عنوان الرجل أكبر من حصيلته؛ وهذه هي المشكلة. لأن السودان في هذه اللحظة لا يحتاج إلى “كيسنجر” متخيل، ولا إلى سياسي منتصر في كل سجال؛ يحتاج إلى من يفتح بابًا كان مغلقًا، ويوقف حربًا، ويعيد علاقة مقطوعة، ويخفف عقوبة، ويقنع دولة، ويحشد تحالفًا، ويحمي شعبًا. عندها فقط يصبح للصوت العالي سند من الإنجاز. فكيف لرجل بهذه الثقة في نفسه، وبهذا اليقين في أحكامه، أن يترك وراءه كل هذه المساحات من الجدل وقليلًا بهذا القدر من النتائج؟ وكيف لمن بدأ قريبًا من ثورة ديسمبر، ثم انتهى مستشارًا للرجل الذي انقلب عليها، أن يقدم نفسه اليوم حارسًا للرواية الوطنية دون أن يشرح أولًا رواية تحوله الشخصي؟ في النهاية؛ السياسة لا تحفظ مقاطع الفيديو التي ربحت فيها المشادة، بل تحفظ ما غيرته في حياة الناس وفي مسار الدولة. والتاريخ لن يسأل أمجد فريد كم مرة قاطع مذيعًا، ولا كم خصمًا وصفه بالعمالة، ولا كم مرة ذكر الإمارات؛ سيسأله سؤالًا أكثر قسوة وأقل إثارة؛ كنت قريبًا من مواقع القرار في أكثر من مرحلة، فماذا أنجزت؟ وحتى الآن، أرى أن هذا هو السؤال الذي يفشل “أمجد فريد زمانه” في الإجابة عنه قبل أن يفشل في جميع الملفات.
