بقلم: د. محمد محمود الطيب
في تعليق مثير للاهتمام علق كاميرون هدسون الباحث والمحلل السياسي الأمريكي “أن الرسالة المناهضة للحرب ستكون «أقوى وأكثر مصداقية» إذا أقدم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك وبقية قيادة «صمود» على مغادرة الإمارات ونقل “أسرهم خارجها.
كما دعا هدسون قيادة صمود إلى التوقف عن تلقي الأموال والدعم من الإمارات ، وكذلك إصدار إدانة واضحة لما وصفه بـ«جرائم الدعم السريع».
تأتي تصريحات الباحث والمحلل
السياسي الأمريكي كاميرون هدسون، الخبير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) والمسؤول السابق بالخارجية الأمريكية، لتضع المشرط على الجرح الغائر في جسد القوى المدنية السودانية. فحين يتساءل محلل دولي مطّلع بحجم هدسون عن مصداقية تحالفات مثل “قحت” أو تشكيلاتها المعدّلة كـ “تقدم” و”صمود”، وادعاءاتها المكررة بالدفاع عن السلام في الوقت الذي يقيم فيه قادتها ويتخذون من دولة الإمارات مقراً لنشاطهم، فهو لا يأتي بجديد بقدر ما يمنح الخلل البنيوي في هذه التكتلات اعترافاً ودولياً صريحاً.
إن القراءة الفاحصة لهذا المشهد تنبئنا بأن الأزمة لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تحولت إلى أزمة وجودية أخلاقية وسياسية تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية:
اولا: الإرادة المسلوبة وفجوة المقر الإقليمي
أول مقومات الممارسة السياسية الرشيدة وأهم شروط التصدّي لوساطة السلام هو استقلالية القرار الوطني والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع وداعميهم. لكن الواقع يشير إلى أن قيادات هذه التحالفات اختارت الإقامة والإدارة اللوجستية والسياسية من قلب عاصمة تلاحقها التقارير الدولية والأممية والاتهامات الصريحة بتقديم الدعم المباشر والعسكري لقوات الدعم السريع.
هذا الوجود يضع القوى المدنية في موضع الارتهان السياسي الشامل؛ إذ كيف لجهة تدّعي الحياد والسعي لإيقاف الحرب أن تدير مطبخها السياسي من عاصمة تُعد طالباً أساسياً وطرفاً متدخلاً في تشعيل الصراع؟ إن الإرادة الوطنية هنا لا تُسلب بالقوة، بل تُسلم طواعية مقابل الملاذات الآمنة والدعم اللوجستي.
ثانيا: المصداقية المفقودة لدى الشارع السوداني
لقد اتسعت الفجوة بين الشارع السوداني المكتوي بنار الحرب، والنزوح، والانتهاكات المباشرة في القرى والمدن، وبين قيادات سياسية تتحدث عن “وقف الحرب” من الفنادق والعواصم المرفهة. لقد فقد الخطاب السلمي لهذه التحالفات حمولته الأخلاقية لسبب بسيط: وهو العجز الفاضح عن إدانة الانتهاكات الجسيمة وداعميها الإقليميين بنفس القدر والوضوح الذي يُكال به الاتهام لطرف واحد.
إن التلعثم السياسي والهروب من تسمية الأشياء بأسمائها عندما يتعلق الأمر بالجهة المستضيفة، جعل الشارع ينظر إلى شعارات السلام التي ترفعها “صمود” أو أخواتها باعتبارها مجرد “غطاء سياسي” وتسويق ناعم لأجندة الصراع الإقليمي، لا رغبة صادقة في حماية المواطن الأعزل.
ثالثا: الشرعية المختطفة والبحث عن غطاء دولي
تحاول هذه التكتلات تسويق نفسها في المحافل الدولية كبديل مدني حصير وممثل شرعي للشارع السوداني، لكنها تتجاهل حقيقة أن الشرعية لا تُمنح عبر منصات العواصم الخارجية ولا عبر البيانات المتلفزة، بل تُنتزع من التأثير الميداني والالتحام بقضايا الشعب الداخلية. إن الاعتماد المفرط على الاعتراف الخارجي والدعم الإقليمي لتعويض التآكل الجماهيري في الداخل هو مجرد اختطاف لمفهوم الشرعية ومحاولة لفرض واقع سياسي قسري على السودانيين.
خاتمة:
إن تساؤل كاميرون هدسون يمثل جرس إنذار أخير يفضح ويوكّد عملية الاختطاف لشرعية مفتقدة وتسول واضح باسم القوي المدنية لاتستند علي واقع عملي ولا موقف اخلاقي !! ويضع قحت او صمود امام تحدي لمواجهة تساؤلات كانت محلية من الشارع واصبحت الان دولية حول الشرعية المختطفة والمصداقية المفقودة، والإرادة المسلوبة !!.
