باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 26 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

حيدر إبراهيم علي: المفكر الحر والإنسان شبه الكامل

اخر تحديث: 26 سبتمبر, 2026 10:13 مساءً
شارك

حيدر إبراهيم علي: المفكر الحر والإنسان شبه الكامل — من مشروع التنوير ونقد الاستبداد إلى بناء مركز الدراسات السودانية وصناعة المجال الثقافي السوداني

عبد المنعم مختار

الملخص

يتناول المقال حيدر إبراهيم علي بوصفه واحداً من أبرز المثقفين السودانيين الذين جمعوا بين البحث الاجتماعي والنقد الفكري والممارسة الثقافية والدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة، ويقدم صورته باعتباره مفكراً مستقلاً سعى طوال مسيرته إلى تحرير العقل السوداني من الاستبداد السياسي والجمود الديني والتعصب الثقافي، وإلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدين والدولة والمجتمع على أساس الحرية والعقلانية والتعددية والكرامة الإنسانية. ولا يقدم المقال «الإنسان شبه الكامل» باعتبارها صفة مطلقة أو حكماً أخلاقياً نهائياً، وإنما باعتبارها وصفاً لدور المثقف الذي حاول أن يجعل حياته ومشروعه الفكري متسقين إلى حد كبير مع القيم التي دافع عنها.

يبدأ المقال من سيرة حيدر إبراهيم علي وتكوينه الاجتماعي والفكري، موضحاً أن تجربته لم تتشكل داخل تخصص أكاديمي مغلق، بل من تفاعل علم الاجتماع مع التاريخ والسياسة والفكر الديني والثقافة والأدب وقضايا المجتمع السوداني. وقد أسهم تكوينه الأكاديمي في منحه أدوات تحليل اجتماعية سمحت له بالنظر إلى الظواهر السياسية والدينية باعتبارها ظواهر تاريخية واجتماعية قابلة للنقد والتحليل، لا باعتبارها حقائق ثابتة أو مسلمات فوق المساءلة. وتظهر في سيرته المبكرة أهمية البحث عن تفسير عقلاني للتخلف والاستبداد والتحولات الاجتماعية، ثم تتطور هذه النزعة إلى مشروع فكري أكثر اتساعاً ينشغل بقضايا الديمقراطية والدين والمجتمع المدني والهوية والتحديث.

وتحتل تجربة الاغتراب والسفر والتعليم والعمل خارج السودان مكانة مهمة في تكوينه؛ إذ أتاحت له الاحتكاك بالمدارس الفكرية والاجتماعية الحديثة، ولا سيما علم الاجتماع والفكر النقدي الأوروبي، مع استمرار ارتباطه العميق بالسودان. ولم يتحول الانفتاح على الفكر العالمي عنده إلى قطيعة مع البيئة السودانية، بل أصبح وسيلة لإعادة قراءة المجتمع السوداني من منظور نقدي. ولهذا ظل السودان موضوعه المركزي، وظلت أسئلته الفكرية مرتبطة بمشكلاته التاريخية: الدولة، والدين، والسلطة، والهوية، والتعدد، والتخلف، والديمقراطية، والعلاقة بين التقليد والحداثة.

وتعرض المذكرات «أزمنة الريح والقلق والحرية» باعتبارها مصدراً أساسياً لفهم الجانب الإنساني من تجربة حيدر إبراهيم، لأنها لا تكتفي بتوثيق الأحداث والوقائع، وإنما تكشف عن علاقة المثقف بالقلق والاختيار والمنفى والسلطة والحرية. وتساعد السيرة الذاتية على الانتقال من صورة المفكر المجرد إلى صورة الإنسان الذي عاش التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، واختبر بصورة مباشرة حدود الحرية وثمن الاستقلال الفكري. ويظهر فيها أن التفكير عنده لم يكن نشاطاً أكاديمياً منفصلاً عن الحياة، وإنما كان مرتبطاً بتجارب شخصية ومواقف سياسية وصراعات ثقافية وأخلاقية.

وتبرز في مسيرته فكرة «المفكر الحر» بوصفها مركزاً ناظماً لمشروعه كله. فالحرية عنده ليست مجرد حق قانوني في التعبير، وإنما شرط لإنتاج المعرفة ولوجود الثقافة ولقيام المجتمع الديمقراطي. ومن ثم كان استقلال المثقف عن السلطة السياسية والدينية والاجتماعية جزءاً من استقلال الفكر نفسه. وفي هذا السياق رفض حيدر إبراهيم تحويل المثقف إلى موظف لدى الدولة أو حزب أو جماعة أيديولوجية، كما رفض أن تكون الثقافة مجرد أداة دعائية. لذلك ارتبطت كتاباته وممارساته الثقافية بالدفاع عن حرية التعبير والنشر والبحث والنقاش العام.

ويحلل المقال مشروعه النقدي تجاه الإسلام السياسي باعتباره أحد أكثر محاور إنتاجه الفكري حضوراً. ففي «أزمة الإسلام السياسي» يتعامل مع الجبهة الإسلامية القومية باعتبارها نموذجاً لدراسة العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة، ويحاول تفكيك ادعاء امتلاك الحركة السياسية الدينية للحقيقة الدينية، كما يدرس التناقضات التي يمكن أن تنشأ عندما يتحول الدين من مصدر للقيم والأخلاق إلى برنامج للسيطرة السياسية. ويؤكد المشروع أن نقد الإسلام السياسي لا يعني نقد الإسلام ذاته، بل التمييز بين الدين بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية وبين توظيف الدين في الصراع على السلطة.

ويتوسع هذا النقد في أعماله المتعلقة بالتيارات الإسلامية والديمقراطية، حيث يناقش العلاقة المتوترة بين بعض أشكال الإسلام السياسي ومبادئ التعددية والحريات الفردية وحقوق المواطنة. ويبحث في قدرة الحركات الدينية السياسية على قبول التعدد والاختلاف وتداول السلطة، وعلى الفصل بين المقدس والبشري، وبين النص والتفسير، وبين الإيمان والبرنامج السياسي. ومن هنا يصبح نقده للإسلام السياسي جزءاً من مشروع أوسع لتحرير المجال الديني نفسه من الاستخدام السياسي، وليس مجرد مواجهة أيديولوجية مع تيار سياسي محدد.

ويرتبط بذلك موقفه من العلمانية، التي يتناولها باعتبارها قضية تتعلق بتنظيم العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، لا باعتبارها حرباً على الدين. ويؤكد المقال أن المقصود بالعلمانية في مشروعه هو توفير إطار سياسي يضمن المساواة بين المواطنين ويمنع احتكار الدولة أو جماعة سياسية معينة لتفسير الدين، مع الحفاظ على حق الأفراد والجماعات في الاعتقاد والممارسة الدينية. وبذلك تصبح العلمانية وسيلة لحماية التعدد الديني والفكري والسياسي، وليست بالضرورة نفياً للدين من المجال الاجتماعي.

ويمثل نقد الاستبداد محوراً آخر متشابكاً مع نقد الإسلام السياسي. فحيدر إبراهيم لا يحصر الاستبداد في النظام السياسي وحده، وإنما يراه ظاهرة يمكن أن تتجذر في المؤسسات والثقافة والخطاب الديني والعلاقات الاجتماعية. ولهذا يربط بين الديمقراطية وبين تغيير الثقافة السياسية، لأن إقامة انتخابات وحدها لا تكفي إذا ظلت بنية المجتمع السياسي قائمة على الطاعة والتراتبية وإقصاء الآخر. وتصبح الديمقراطية عنده ثقافة ومؤسسات وممارسة يومية، وليست مجرد إجراء انتخابي.

ومن هذا المنطلق يحتل المجتمع المدني مكانة مركزية في تفكيره. فهو يرى أن الدولة لا ينبغي أن تبتلع المجتمع، وأن التنظيمات المهنية والنقابات والجمعيات والمبادرات الثقافية والاجتماعية تشكل مجالات مستقلة يستطيع المواطنون من خلالها ممارسة التنظيم والمشاركة والدفاع عن مصالحهم. ويكشف المقال أن اهتمامه بالمجتمع المدني كان مرتبطاً أيضاً بسؤال التحول الديمقراطي في السودان، لأن بناء الديمقراطية يتطلب مؤسسات اجتماعية مستقلة تستطيع مقاومة الاستبداد ومراقبة السلطة وإنتاج ثقافة المشاركة.

ويتصل مفهوم المجتمع المدني عنده بمشكلة المجتمع التقليدي وبالتغيير الاجتماعي. فالسودان، في نظر مشروعه البحثي، لا يمكن فهمه من خلال ثنائية بسيطة بين الحداثة والتقليد، لأن المجتمع يجمع مؤسسات وأنماطاً وقيمًا مختلفة ومتداخلة. ولذلك اهتم بتحليل التفاعل بين البنى التقليدية والمؤسسات الحديثة، وبين القبيلة والدولة، وبين الطائفية والحزب، وبين العلاقات الأهلية والمواطنة الحديثة. ولا يرى التغيير الاجتماعي مجرد انتقال تقني أو اقتصادي، بل عملية شاملة تمس القيم والمؤسسات وعلاقات القوة وأنماط التفكير.

وفي أعماله حول التغيير الاجتماعي والتنمية يظهر رفضه للتنمية التي تقتصر على المؤشرات الاقتصادية أو المادية. فالتنمية الحقيقية تتطلب تغييراً في بنية السلطة وفي فرص المشاركة وفي التعليم والثقافة وفي وضع المرأة وفي قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة. ولذلك يتداخل مشروع التنمية عنده مع مشروع التحرر السياسي والاجتماعي، بحيث لا يمكن فصل التنمية عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وتشكل المرأة قضية مهمة في هذا المشروع، إذ يتعامل المقال مع كتاباته عن المرأة السودانية باعتبارها جزءاً من نقد البنية الاجتماعية والثقافية التي حدّت تاريخياً من المشاركة النسائية. ويبرز اهتمامه بإسهام النساء في الحياة العامة، وبضرورة تجاوز الصورة التي تحصر المرأة في المجال الخاص. كما يرتبط هذا الاهتمام بالنقاش الأوسع حول الديمقراطية، لأن الديمقراطية التي تستبعد نصف المجتمع من المشاركة الكاملة تظل ديمقراطية ناقصة من الناحية الاجتماعية والسياسية.

ويبحث المقال كذلك في مفهوم الهوية، ولا سيما في ظل التعدد السوداني. ويرفض حيدر إبراهيم اختزال السودان في هوية ثقافية أو دينية أو عرقية واحدة، ويرى أن محاولة بناء هوية أحادية تؤدي إلى إقصاء قطاعات من المجتمع وإنتاج صراعات سياسية واجتماعية. ولذلك يميل مشروعه إلى النظر إلى الهوية باعتبارها متعددة ومتغيرة وتاريخية، وإلى اعتبار الاعتراف بالتنوع شرطاً لبناء المواطنة المتساوية.

ومن هنا تأتي أهمية كتاباته حول العولمة وجدلية الهوية، إذ لا يتعامل مع العولمة بوصفها ظاهرة اقتصادية فقط، وإنما باعتبارها عملية تؤثر في الثقافة واللغة والقيم وصورة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه. ويطرح السؤال حول كيفية الاستفادة من الانفتاح العالمي دون الوقوع في الذوبان الثقافي، وكيف يمكن للمجتمع السوداني أن يدخل العالم الحديث مع الحفاظ على حقه في إنتاج هويته بصورة نقدية وحرة.

ويولي المقال اهتماماً خاصاً لدور حيدر إبراهيم في تأسيس مركز الدراسات السودانية، باعتبار المركز أهم تجسيد مؤسسي لمشروعه الفكري والثقافي. فقد تأسس المركز في القاهرة في أوائل التسعينيات في سياق سياسي جعل النشر والنشاط الثقافي المستقل داخل السودان أكثر صعوبة. وتحول المركز إلى مساحة لنشر الكتب والدراسات وإقامة الندوات وإدارة النقاشات حول القضايا السودانية، ثم انتقل نشاطه لاحقاً إلى الخرطوم، فأصبح جسراً بين الإنتاج الفكري السوداني داخل البلاد وخارجها.

ويقدم المقال المركز باعتباره أكثر من دار نشر، لأنه حاول بناء فضاء ثقافي مستقل يربط البحث الأكاديمي بالثقافة العامة، ويستضيف المفكرين والكتاب والفنانين، ويطرح موضوعات كان المجال العام السوداني يعاني من صعوبة مناقشتها. وقد شملت إصداراته موضوعات الإسلام السياسي والديمقراطية والمجتمع المدني والمرأة والهوية والتاريخ والثقافة، كما تجاوز إنتاجه مئات الكتب، وأصدر مجلة «كتابات سودانية» التي أصبحت واحدة من أهم منابر الحوار الفكري والثقافي حول السودان.

وتكتسب «كتابات سودانية» أهمية خاصة في المقال باعتبارها مشروعاً ثقافياً قائماً بذاته. فقد أتاحت المجلة مساحة لنشر المقالات والدراسات والنقاشات الفكرية، وربطت بين الباحثين والكتاب والمثقفين، وفتحت ملفات اجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز الكتاب المنفرد. ولم يكن دورها مجرد نقل المعرفة، بل محاولة تكوين مجال عام ثقافي مستقل يستطيع فيه السودانيون مناقشة قضايا مجتمعهم بعيداً عن الرقابة الرسمية أو الهيمنة الأيديولوجية.

ويعرض المقال نشاط المركز في القاهرة والخرطوم بوصفه تجربة في «الدبلوماسية الثقافية» السودانية غير الرسمية. فقد استضاف شخصيات عربية وفكرية وفنية، ونظم ندوات ومؤتمرات وأصدر أعمالاً ثقافية، واهتم بقضايا الأدب والفنون إلى جانب القضايا السياسية والفكرية. ومن أبرز مظاهر هذا النشاط استضافة محمود درويش في الخرطوم ضمن برنامج الاحتفال باليوبيل الذهبي لاستقلال السودان، إلى جانب استضافة شخصيات عربية أخرى من الشعر والموسيقى والفكر. وتكشف هذه الفعاليات عن تصور للمركز يرى الثقافة العربية والسودانية مجالاً مشتركاً للحوار وليس مجرد نشاط احتفالي.

وتحتل زيارة محمود درويش مكانة رمزية في المقال لأنها توضح كيف يمكن لمؤسسة ثقافية مستقلة أن تستخدم الثقافة لإعادة وصل السودان بالمجال العربي والعالمي. فقد شملت الزيارة أمسيات شعرية ولقاءات ثقافية وإعلامية، وأعادت إلى الخرطوم شخصية أدبية عربية ذات حضور عالمي. وفي هذا السياق لا تبدو الثقافة عند حيدر إبراهيم ترفاً منفصلاً عن السياسة، وإنما وسيلة لبناء فضاء عام أكثر انفتاحاً وتعددية.

ثم ينتقل المقال إلى الصدام بين مركز الدراسات السودانية والسلطة في الخرطوم، ولا سيما قرار إغلاق المركز في ديسمبر 2012 وتجميد نشاطه. ويعرض الوقائع باعتبارها جزءاً من سياق أوسع من التضييق على المؤسسات الثقافية والمدنية المستقلة. فقد اتهمت السلطات المركز بأن نشاطه يمثل تهديداً للأمن، وتحدثت عن تمويل أجنبي واتصالات خارجية، بينما رفض حيدر إبراهيم هذه الاتهامات وتحدى الحكومة بنشر الوثائق التي استندت إليها، كما انتقد الإجراءات القانونية التي اتخذت ضد المركز.

ويظهر من هذه الواقعة أن الصراع لم يكن حول مبنى أو مؤسسة ثقافية فحسب، وإنما حول مفهوم استقلال المجال الثقافي. فالمركز كان يمثل مؤسسة مستقلة عن الدولة، ولذلك أصبح إغلاقه اختباراً للعلاقة بين السلطة والثقافة. ويعرض المقال موقف حيدر إبراهيم باعتباره مثالاً على تمسك المثقف بحقه في مساءلة السلطة ورفض تحويل الاتهامات الأمنية إلى بديل عن التحقيق القانوني أو الحوار العام.

ويرصد المقال أيضاً الجدل حول موقف اتحاد الكتاب السودانيين من إغلاق المركز. فقد انتقد حيدر إبراهيم الاتحاد واتهم قيادته بالتقصير وعدم اتخاذ موقف يتناسب مع خطورة إغلاق مؤسسة ثقافية مستقلة، وهو ما تحول إلى سجال علني حول مسؤولية الاتحاد ودوره. وفي المقابل، توضح وثائق الاتحاد أنه شارك في تحركات وبيانات ومحاولات للاحتجاج والدفاع عن حرية التعبير، وأنه شارك مع منظمات مدنية في جهود قانونية وحقوقية لمواجهة قرارات الإغلاق. ولذلك يقدم المقال المسألة باعتبارها خلافاً موثقاً بين حيدر إبراهيم وقيادة الاتحاد حول مستوى الاستجابة وفعاليتها، لا باعتبارها واقعة يمكن اختزالها في اتهام أحادي الجانب.

ويكشف هذا السجال جانباً مهماً من شخصية حيدر إبراهيم، وهو أنه لم يكن ناقداً للسلطة السياسية فقط، بل كان مستعداً أيضاً لنقد المؤسسات التي تشترك معه في المجال الثقافي عندما يرى أنها لم تؤد دورها كما ينبغي. وهذا ينسجم مع مفهومه للمثقف المستقل الذي لا يمنح حصانة نقدية للأصدقاء أو التنظيمات القريبة منه فكرياً، ولا يجعل الانتماء المشترك سبباً لإيقاف النقد.

ويبحث المقال في كتاباته الصحفية والفكرية التي تظهر فيها قدرته على الانتقال بين التحليل الأكاديمي والجدل العام. فهو يستخدم لغة أكثر مباشرة عندما يخاطب الجمهور، لكنه يحافظ على اهتمامه بالمفاهيم الأساسية: الديمقراطية، التعدد، الحرية، الدولة، الدين، المجتمع المدني، الهوية والتغيير. وتكشف كتاباته الصحفية أيضاً عن اهتمامه بتحديث الخطاب الثقافي السوداني وإخراجه من أسر التقاليد السياسية والفكرية الجامدة.

كما يناقش المقال موقفه من التعددية والتعدد، موضحاً أن التعدد الاجتماعي لا يؤدي تلقائياً إلى التعددية السياسية. فوجود جماعات دينية وعرقية وثقافية متعددة لا يعني بالضرورة وجود نظام سياسي يعترف بحقوقها بالتساوي. ومن هنا يصبح التحدي هو تحويل التنوع الاجتماعي إلى مواطنة سياسية متساوية، بدلاً من تحويل الاختلافات الاجتماعية إلى مصادر للإقصاء والصراع.

وتظهر في مشروعه أيضاً أهمية المجال العام، حيث يرى أن الديمقراطية تحتاج إلى فضاء يستطيع فيه المواطنون مناقشة الشأن العام بحرية. وتلتقي هذه الفكرة مع اهتمامه بالصحافة والكتب والمجلات والندوات والمؤسسات الثقافية، لأن هذه الأدوات تشكل البنية التحتية الفكرية للمجتمع الديمقراطي. فحرية النشر ليست قيمة ثقافية مستقلة فقط، وإنما شرط لوجود النقاش العام والمساءلة السياسية.

ويضع المقال مشروع حيدر إبراهيم ضمن تقاليد فكرية أوسع في الديمقراطية والمجتمع المدني، من خلال مفاهيم المشاركة السياسية والتعددية والمجال العام ورأس المال الاجتماعي والتنمية باعتبارها حرية. لكنه لا يقدمه باعتباره مجرد ناقل لهذه النظريات، وإنما كمثقف حاول ترجمة المفاهيم العامة إلى أسئلة سودانية محددة، وربط النظرية بالتاريخ الاجتماعي والسياسي للسودان.

ومن أهم سمات مشروعه الفكري الجمع بين النقد والالتزام. فهو لا يكتفي بتشخيص أخطاء الدولة أو الأحزاب أو الحركات الدينية، وإنما يبحث عن بدائل تقوم على المواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني والتعليم والثقافة المستقلة. وفي الوقت نفسه لا يخفي صعوبة الانتقال من النقد إلى البناء، ولا يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها حلاً سحرياً، بل باعتبارها عملية طويلة تتطلب تغيير المؤسسات والثقافة وعلاقات القوة.

ويبرز المقال كذلك أن حيدر إبراهيم ظل شديد الاهتمام بالتناقضات الداخلية للمجتمع السوداني. فهو لا يفسر أزمات السودان بالحكم العسكري وحده، ولا بالإسلام السياسي وحده، ولا بالاستعمار وحده، ولا بالتنوع الاجتماعي وحده، بل يحاول ربط العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتاريخية. وهذا يجعل مشروعه أقرب إلى محاولة تركيب صورة كلية للمجتمع السوداني، حتى عندما تتناول كتبه قضايا محددة.

وفي تقييم تجربته، يوضح المقال أن قوة حيدر إبراهيم تكمن في اتساع موضوعاته واستمرارية أسئلته وقدرته على الجمع بين الأكاديمي والمثقف العام والناشر والمنظم الثقافي. كما تكمن في استمراره في الدفاع عن الحرية في مراحل مختلفة من التاريخ السوداني، وفي قدرته على تحويل المؤسسة الثقافية إلى جزء من مشروع سياسي-اجتماعي أوسع دون أن يحولها إلى حزب سياسي.

لكن المقال لا يخلو من نقد متوازن. فمشروع حيدر إبراهيم، مثل أي مشروع فكري واسع، يمكن أن يتسم أحياناً بكثافة الموقف النقدي مقارنة بالتفصيل المؤسسي للبدائل العملية. كما أن بعض أطروحاته، خصوصاً في نقد الإسلام السياسي والعلمانية والديمقراطية، تنتمي إلى سجالات سياسية وفكرية شديدة الاستقطاب، وهو ما يجعل قراءتها تحتاج إلى وضعها في سياقاتها التاريخية والسياسية. كذلك فإن الجمع بين العمل الأكاديمي والعمل الثقافي والسياسي يمنح المشروع ثراءً كبيراً، لكنه قد يجعل الحدود بين التحليل العلمي والموقف الفكري أكثر مرونة.

وتتصل بذلك مسألة «الإنسان شبه الكامل» التي يستخدمها المقال كخلاصة رمزية لتجربة حيدر إبراهيم. فالمقصود ليس أن الرجل خالٍ من التناقضات أو الأخطاء، وإنما أن حياته العامة والفكرية تقدم نموذجاً نادراً لمثقف حاول أن يعيش وفق مبادئ الحرية والنقد والاستقلال التي كتب عنها. وتأتي أهمية هذا النموذج من المسافة بين القول والممارسة؛ فالمثقف لا يصبح حراً بمجرد الدفاع عن الحرية في الكتب، وإنما عندما يحافظ على استقلاله عندما يصبح ذلك مكلفاً.

وفي النهاية يخلص المقال إلى أن أهمية حيدر إبراهيم علي لا تكمن فقط في عدد الكتب التي كتبها أو المؤسسات التي أسسها أو الشخصيات التي استضافها، وإنما في مشروعه الطويل لإعادة تعريف وظيفة المثقف السوداني. فالمثقف في هذا التصور ليس تابعاً للسلطة، ولا ناطقاً باسم جماعة مغلقة، ولا مجرد متخصص أكاديمي، وإنما هو مواطن يمارس التفكير النقدي ويشارك في بناء المجال العام ويدافع عن استقلال الثقافة ويضع الأسئلة الصعبة أمام المجتمع.

ويظهر مركز الدراسات السودانية ومجلة «كتابات سودانية» والمذكرات والكتب والندوات والمواقف العامة باعتبارها أجزاء مترابطة من هذا المشروع، وليست أعمالاً منفصلة. فالكتاب ينتج المعرفة، والمجلة تفتح النقاش، والمركز يوفر المؤسسة، والندوة تصنع المجال العام، والموقف من الإغلاق يختبر الاستقلال، والسيرة الذاتية تكشف الجانب الإنساني، بينما تشكل الكتابات حول الديمقراطية والدين والمجتمع المدني والهوية والتغيير الاجتماعي الإطار النظري الذي يجمع هذه التجارب.

وبذلك يقدم المقال حيدر إبراهيم علي باعتباره حالة فكرية وثقافية سودانية تجمع بين السوسيولوجي والناقد والمفكر الديمقراطي والناشر والمثقف العام. وتتمثل مساهمته الأساسية في محاولة نقل النقاش السوداني من ثنائية السلطة والمعارضة إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة والمجتمع والدين والهوية والمواطنة والحرية. كما تتمثل في إصراره على أن إصلاح السودان لا يمكن أن يكون سياسياً فقط، لأن الاستبداد السياسي يتغذى من الاستبداد الثقافي والديني والاجتماعي، وأن بناء الديمقراطية يحتاج إلى إنسان حر ومجتمع مدني قوي ومجال عام مفتوح وثقافة تقبل الاختلاف.

وتصبح الخلاصة النهائية أن إرث حيدر إبراهيم هو قبل كل شيء إرث الأسئلة المفتوحة: كيف يصبح الدين مصدراً للأخلاق لا أداة للهيمنة السياسية؟ كيف تتحول التعددية الاجتماعية إلى مواطنة متساوية؟ كيف يصبح المجتمع المدني مستقلاً وقادراً على مقاومة الدولة السلطوية؟ كيف يمكن للمرأة أن تكون شريكاً كاملاً في المجال العام؟ كيف يمكن للسودان أن يجمع بين التنوع والوحدة دون فرض هوية واحدة؟ وكيف يستطيع المثقف أن يحتفظ بحريته عندما تتطلب منه الظروف الانحياز أو الصمت؟ ومن خلال هذه الأسئلة، ينتقل المقال من دراسة شخص بعينه إلى دراسة نموذج أوسع للمثقف الذي يرى أن تحرير المجتمع يبدأ بتحرير العقل، وأن الديمقراطية لا تستقيم بلا ثقافة حرية، وأن الثقافة لا تزدهر بلا استقلال، وأن الإنسان لا يصبح مواطناً كاملاً إلا عندما يمتلك حق التفكير والاختلاف والمشاركة والمساءلة.

النص الكامل للمقال

مقدمة: من سيرة مفكر إلى سيرة مشروع ثقافي سوداني كامل

يمثل حيدر إبراهيم علي واحداً من أكثر المثقفين السودانيين حضوراً واستمرارية في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين. ولا تكمن أهمية تجربته في كثرة مؤلفاته وحدها، ولا في تخصصه الأكاديمي في علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية، ولا في انشغاله الطويل بالإسلام السياسي والديمقراطية والدولة والمجتمع المدني، وإنما في جمعه بين ثلاثة أدوار قلما تجتمع بهذا الاستمرار في شخصية سودانية واحدة: الباحث الأكاديمي، والمفكر النقدي، وباني المؤسسة الثقافية المستقلة.

ولد حيدر إبراهيم علي في القرير سنة 1943، وحصل على دبلوم التاريخ والتربية من كلية التربية بأم درمان سنة 1966، ثم ليسانس علم الاجتماع من جامعة القاهرة سنة 1970، ثم دكتوراه فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت سنة 1978. وتولى بعد ذلك التدريس والبحث والعمل في مؤسسات جامعية وبحثية في السودان وليبيا والسعودية والإمارات وألمانيا والمغرب، ثم أصبح منسقاً للدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية في الرباط، قبل أن يرتبط اسمه بصورة وثيقة بمركز الدراسات السودانية وبمجلة «كتابات سودانية» (العويس، 2026).

أما السيرة الذاتية التي طلب تصحيح عنوانها، فالعنوان الكامل الصحيح هو «أزمنة الريح والقلق والحرية: سيرة ذاتية»، وليس «أزمنة الريح والقلق» فقط. صدر الكتاب عن دار الحضارة سنة 2015، وتختلف البيانات المتداولة في عدد الصفحات بين نحو 320 و326 صفحة تبعاً للطبعة أو الفهرسة؛ وهو كتاب يجمع بين السيرة الفردية والتاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويستعرض النشأة والتعليم في السودان وألمانيا، والعلاقات بالمثقفين والشخصيات العامة، والمواقف السياسية، والعمل والترحال في عدد من الدول العربية (علي، 2015).

والقراءة الأكثر إنصافاً لحيدر لا ينبغي أن تبدأ من حكم مسبق بأنه «مفكر كامل»، ولا أن تنتهي إلى اختزاله في خصومته للإسلام السياسي. الأفضل منهجياً أن يُقرأ مشروعه باعتباره مساراً فكرياً متدرجاً بدأ بسؤال التغيير الاجتماعي والتنمية، وانتقل إلى الدين والثورة والإسلام السياسي، ثم إلى الديمقراطية والمجتمع المدني، ثم إلى الهوية والأقليات والمثقفين، ثم إلى الاستبداد والأمنوقراطية، ثم إلى الفتوى والمرأة والفنون والعلمانية، وانتهى في السيرة الذاتية إلى استعادة التجربة الإنسانية التي صنعت هذا المسار كله.

ولتحقيق هذه القراءة، يتم ترتيب المادة هنا وفق أفضل ممارسة في كتابة السيرة الفكرية والتحليل الفكري المركب: يبدأ النص بالتكوين والسيرة، ثم يعيد بناء تطور الأفكار، ثم ينتقل من الكتب إلى المؤسسة التي جسدت تلك الأفكار عملياً، ثم إلى المجلة والنشاط الثقافي، ثم إلى محنة المركز وعلاقته بالسلطة وبالوسط الثقافي، ثم إلى التقييم النقدي للإرث كله. وبهذا لا تكون حياة حيدر ملحقاً بأفكاره، ولا تكون أفكاره منفصلة عن حياته، بل يصبح الاثنان جزءاً من قصة واحدة عن المثقف الذي حاول أن يحول التنوير من كتابة إلى مؤسسة وممارسة ومجال عام.

والعبارة «الإنسان شبه الكامل» ينبغي فهمها باعتبارها تعبيراً تكريمياً وأخلاقياً، لا حكماً علمياً. فالإنسان الكامل لا يوجد، والمفكر لا يصبح فوق النقد بسبب نزاهته أو شجاعته. لكن من الممكن، بالمعنى التحليلي، أن نسأل عن درجة الاتساق بين قيم المفكر وسلوكه، وبين ما يدافع عنه في كتبه وما يحاول بناءه في الواقع. وعند هذا المستوى تصبح تجربة حيدر إبراهيم جديرة بدراسة خاصة، لأنها لا تقدم فقط إنتاجاً فكرياً، بل تقدم كذلك تجربة في بناء البنية التحتية الثقافية المستقلة في ظروف سياسية شديدة الصعوبة.

الفصل الأول: من القرير إلى فرانكفورت — التكوين الذي صنع عالم الاجتماع والمثقف العابر للحدود

لم يكن تكوين حيدر إبراهيم الأكاديمي تكويناً أحادياً. فقد بدأ بالتاريخ والتربية، ثم انتقل إلى علم الاجتماع، ثم إلى فلسفة العلوم الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، في فترة كان فيها الفكر الاجتماعي الألماني يعيش تحت تأثير مدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية والجدالات حول الحداثة والرأسمالية والسلطة والثقافة. وتوضح سيرته المهنية كذلك أنه عمل مساعداً للبحث في فرانكفورت، وشارك في تصوير أفلام وثائقية أنثروبولوجية بالتعاون مع التلفزيون الألماني، ثم عمل محاضراً في ليبيا والسعودية، وأستاذاً مساعداً في جامعة الإمارات، وأستاذاً مشاركاً في جامعة الجزيرة، وتعاون مع جامعة القاهرة فرع الخرطوم وجامعة الخرطوم، ثم عمل في المجلس القومي للثقافة العربية في الرباط (العويس، 2026).

هذه الرحلة العلمية تفسر كثيراً من الخصائص التي ميزت كتابته لاحقاً. فالتاريخ أعطاه حساسية تجاه الزمن والتحول، وعلم الاجتماع أعطاه أدوات لفهم المؤسسات والعلاقات الاجتماعية، والأنثروبولوجيا وسعت اهتمامه إلى الثقافة اليومية والرموز والممارسات، والفكر النقدي الأوروبي منحه حساسية تجاه علاقة المعرفة بالسلطة.

ومن المهم هنا عدم اختزال أثر فرانكفورت في مجرد القول إن حيدر كان «متأثراً بمدرسة فرانكفورت». فالمسألة أكثر تعقيداً. لقد عاد إلى السودان والعالم العربي حاملاً أدوات تحليل حديثة، ولكنه لم يتحول إلى مجرد ناقل للنظريات الأوروبية. كانت القضية المركزية بالنسبة إليه هي استخدام المعرفة الحديثة في تفسير مجتمع سوداني وعربي محدد، بكل ما فيه من دين وطائفية وقبلية ومؤسسات تقليدية ونخب حديثة وجيش وحركات سياسية.

وهذا يفسر أن كتابه المبكر «التغيير الاجتماعي والتنمية» لم يبدأ من الإسلام السياسي، بل من سؤال التغير الاجتماعي والتنمية، بينما تناول «مقدمة في علم الاجتماع» المعرفة السوسيولوجية بصورة مباشرة، واهتم في «السكان والتنمية: حالة دولة الإمارات العربية المتحدة» بالعلاقة بين التحول السكاني والتنمية (علي، 1981؛ علي، 1982؛ علي، 1985). وتؤكد مؤسسة سلطان بن علي العويس هذه الأعمال ضمن قائمته الأساسية للمؤلفات (العويس، 2026).

كما شارك حيدر في أعمال بحثية عربية وإقليمية أوسع؛ فقد شارك في وضع استراتيجية التنمية الشاملة لجامعة الدول العربية سنة 1985، وفي مشروع «المستقبل العربي البديل» بجامعة الأمم المتحدة ومنتدى العالم الثالث، وعمل في دراسات الموارد البشرية في الإمارات بالتعاون مع جامعة الإمارات والبنك الدولي، وشارك لاحقاً في شبكات علم الاجتماع والمجتمع المدني والديمقراطية ومكافحة الفساد (العويس، 2026).

وهذا الجانب مهم لأن مشروعه لم يكن سودانياً بمعنى الانغلاق داخل السودان. لقد كان سودانياً من حيث الموضوع والانشغال، لكنه كان عربياً وأفريقياً ودولياً من حيث شبكة المقارنة والمراجع والمؤسسات. ولذلك استطاع أن ينظر إلى السودان من الداخل ومن الخارج في الوقت نفسه.

الفصل الثاني: «أزمنة الريح والقلق والحرية» — السيرة الذاتية بوصفها تاريخاً اجتماعياً لتكوين المثقف السوداني

تحتل «أزمنة الريح والقلق والحرية: سيرة ذاتية» مكاناً خاصاً في فهم حيدر إبراهيم، لأنها تسمح بقراءة الشخص الذي يقف خلف الكتب، لا الكتب وحدها. والكتاب، كما توضح بيانات صدوره، ليس مجرد سجل للأحداث الشخصية، وإنما بانوراما لحياة طويلة امتدت من النشأة والتعليم في السودان إلى الدراسة والعمل في ألمانيا، ومن العلاقات بالمثقفين والشخصيات العامة إلى المواقف السياسية والترحال في عدد من البلدان العربية (علي، 2015).

وتكمن قيمة السيرة في أنها تكشف أن المثقف لا يولد مكتمل الملامح؛ بل يتكون عبر سلسلة من الاحتكاكات. القرية والمدرسة والأسرة والجامعة والهجرة والاغتراب والعمل والعلاقات الفكرية والصراعات السياسية كلها تدخل في إنتاج الشخصية الفكرية. ولذلك فإن عنوان «الريح والقلق والحرية» يلخص ثلاث حالات متلازمة في حياة المثقف الحديث: الحركة وعدم الاستقرار، والقلق الناتج عن الأسئلة، ثم محاولة تحويل هذا القلق إلى حرية فكرية.

وتسمح السيرة كذلك بقراءة العلاقة بين الريف والنخبة الحديثة. فالانتقال من القرير إلى أم درمان، ثم إلى القاهرة، ثم إلى فرانكفورت، ليس مجرد سلسلة من العناوين الجغرافية؛ إنه انتقال بين أنماط مختلفة من المعرفة والحياة الاجتماعية. وهذا النوع من المسار يفسر اهتمام حيدر لاحقاً بتكوين المثقفين والنخب، لأن تجربته الشخصية كانت مثالاً حياً على تشكل النخبة السودانية الحديثة عبر التعليم والهجرة والمؤسسات.

ومن أهم خصائص السيرة أنها لا تقدم أوروبا بوصفها جنة معرفية، ولا السودان بوصفه مكاناً متخلفاً بصورة مطلقة. بل يظهر فيها الانتماء والنقد في الوقت نفسه. وهذه خاصية مهمة في مشروعه كله: محبة السودان دون تقديسه، والانفتاح على العالم دون الذوبان فيه.

كما أن السيرة تسمح بفهم علاقاته بالمثقفين. فالمثقف عند حيدر ليس مجرد منتج كتب، بل عضو في شبكة اجتماعية وثقافية. ومن هنا جاءت لاحقاً فكرة المركز: إذا كان المثقف فرداً محدود القدرة، فإن المؤسسة يمكن أن تجمع عشرات المثقفين والباحثين والفنانين والكتاب وتحوّل جهودهم الفردية إلى تراكم ثقافي.

الفصل الثالث: من التغيير الاجتماعي إلى نقد الإسلام السياسي — مشروع فكري يجعل الحرية معياراً للحكم على الدولة والمجتمع

يمتد corpus حيدر إبراهيم الفكري عبر أعمال عديدة، وتعرض مؤسسة سلطان بن علي العويس قائمة واسعة من أهمها: «التغيير الاجتماعي والتنمية»، «مقدمة في علم الاجتماع»، «السكان والتنمية»، «أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية نموذجاً»، «لاهوت التحرير: الدين والثورة في العالم الثالث»، «الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان»، «التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية»، «مواقف فكرية»، «المثقفون: التكوين في السودان»، «المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان»، «العولمة وجدل الهوية»، «التعليم وحقوق الإنسان»، «سقوط المشروع الحضاري»، «السودان الوطن المضيّع»، «سوسيولوجية الفتوى: المرأة والفنون نموذجاً»، «الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان»، «التجديد عند الصادق المهدي: الإشكاليات والاختلالات»، «السودان: الحكم الإسلامي وتحديات الدولة الحديثة»، «مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب الدنيا وخسارة الدين»، «الديمقراطية السودانية: المفهوم، التاريخ، الممارسة»، «أزمنة الريح والقلق والحرية»، «الفتوى والسياسة»، «علم اجتماع الدين»، و«أنثروبولوجيا الشعر والحجاب» (العويس، 2026).

ويظهر في هذا المسار تطور من سؤال اجتماعي إلى سؤال سياسي ثم إلى سؤال حضاري. ففي «التغيير الاجتماعي والتنمية» كان المجتمع والتنمية في مركز الاهتمام؛ وفي «أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية نموذجاً» أصبحت السلطة الدينية السياسية موضوعاً مركزياً؛ وفي «التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية» انتقل السؤال إلى علاقة الحركات الإسلامية بالديمقراطية؛ وفي «سقوط المشروع الحضاري» أصبح الاختبار متعلقاً بما يحدث عندما تتحول الأيديولوجيا إلى دولة؛ ثم اتسع النقاش في أعماله اللاحقة إلى الدولة الحديثة والعلمانية والفتوى والمرأة والثقافة.

وفي هذا السياق، فإن نقد الإسلام السياسي عند حيدر لا ينبغي تفسيره باعتباره نقداً للإسلام باعتباره ديناً. جوهر مشروعه هو الفصل بين الدين بوصفه عقيدة وتجربة روحية واجتماعية وبين الإسلام السياسي بوصفه مشروعاً بشرياً للسلطة. ولذلك كان سؤاله المركزي: ماذا يحدث عندما يدّعي تنظيم سياسي امتلاك تمثيل حصري للدين ثم يستخدم الدولة لإلزام المجتمع بتفسيره؟

وقد عرض حيدر في «التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية» مشكلة الفرق بين قبول الديمقراطية كإجراء للوصول إلى السلطة وبين قبولها باعتبارها منظومة قيم تشمل حرية التعبير والتعددية وحقوق الإنسان وتداول السلطة (علي، 1996). وهذه المسألة تتقاطع مع التمييز في الأدبيات السياسية الحديثة بين الديمقراطية الانتخابية والديمقراطية الليبرالية، وبين الانتخابات باعتبارها إجراءً وبين الديمقراطية باعتبارها نظاماً مؤسسياً لحماية الحقوق وتقييد السلطة (Dahl, 1971; Diamond, 1999).

وفي «سقوط المشروع الحضاري» انتقل النقد من الخطاب إلى النتائج. وهذا من أقوى عناصر منهجه: لا يكفي أن يقول نظام ما إنه يريد النهضة أو العدالة أو الحضارة؛ بل يجب اختبار ما أنتجه في المؤسسات والاقتصاد والتعليم والحقوق والحريات والعلاقات الاجتماعية. ومن هذه الزاوية يصبح كتابه جزءاً من علم اجتماع سياسي يسأل عن الفرق بين المشروع المعلن والممارسة الفعلية.

وقد رأت مؤسسة العويس، عند منح حيدر جائزة الدراسات الإنسانية والمستقبلية في دورة 2018–2019، أن عشرات مؤلفاته قدمت رؤية اجتماعية لمفهوم الإسلام السياسي، ونقدت التخلف المرتبط بالعلاقات الاجتماعية، وسعت إلى تجاوز العصبيات، وأن دراساته كان لها أثر في فهم حركات الإسلام السياسي ونقدها (العويس، 2019).

الفصل الرابع: الديمقراطية والمجتمع المدني والهوية — مشروع حيدر لبناء إنسان ومجتمع لا تبتلعهما الدولة

يحتل المجتمع المدني مكانة محورية في أعمال حيدر، لأن الديمقراطية عنده ليست صندوق اقتراع فقط. ففي «الديمقراطية والمجتمع المدني في السودان»، و«المجتمع المدني والمجتمع التقليدي في السودان»، والعمل الإنجليزي حول المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في البلدان العربية مع التركيز على السودان، حاول أن يدرس الشروط الاجتماعية التي تجعل الديمقراطية قابلة للحياة.

وهذا يتوافق مع مفهوم المجال العام عند يورغن هابرماس، الذي يرى أن المجتمع الديمقراطي يحتاج إلى فضاءات للتواصل والنقاش خارج جهاز الدولة والسوق المباشر (Habermas, 1989). كما يتقاطع مع مفهوم رأس المال الاجتماعي عند روبرت بوتنام، حيث تصبح الشبكات الاجتماعية والثقة والتعاون عناصر مؤثرة في القدرة على العمل الجماعي والمؤسسية (Putnam, 1993). لكنه يختلف عن النقل الميكانيكي لهذه النظريات لأنه حاول أن يختبرها في سياق سوداني يتميز بتداخل المجتمع التقليدي والدولة الحديثة والقبيلة والطائفة والنقابة والحزب والجيش.

وفي «أزمة الأقليات في الوطن العربي»، بالاشتراك مع ميلاد حنا، يوسع حيدر السؤال من المجتمع المدني إلى مشكلة الاختلاف. فالفروق الدينية والإثنية والثقافية لا تتحول تلقائياً إلى صراعات؛ وإنما تصبح صراعات عندما تقترن بعدم المساواة والتمييز والموارد والسلطة والخوف (علي وحنا، 2001). وهذه الفكرة ذات أهمية كبيرة في السودان، حيث لا يمكن تفسير النزاعات بالاختلاف الثقافي وحده، وإنما يجب تحليل العلاقة بين الاختلاف وبين توزيع السلطة والموارد والتمثيل السياسي.

أما «العولمة وجدل الهوية» فيعكس جانباً آخر من المشروع: رفض النظر إلى الهوية بوصفها جوهراً ثابتاً. فالهوية عملية اجتماعية تاريخية تتغير بتغير التعليم والهجرة والإعلام والاقتصاد والسياسة والاحتكاك بالآخر.

ومن هنا يمكن فهم موقفه من السودانوية والهوية السودانية بوصفه موقفاً يرفض الاختزال. فالسودان ليس كتلة ثقافية متجانسة، والهوية الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإقصاء المكونات الدينية والإثنية واللغوية والثقافية المختلفة.

وتتسق هذه الرؤية مع المقاربة الحديثة للقدرات الإنسانية عند أمارتيا سن، حيث لا تُقاس حرية الإنسان بمجرد وجود نص قانوني، وإنما بقدرته الفعلية على ممارسة اختياراته والعيش بكرامة والمشاركة في المجتمع (Sen, 1999). ومن هذه الزاوية، فإن مشروع حيدر في المجتمع المدني والمرأة والتعليم وحقوق الإنسان يمكن قراءته بوصفه مشروعاً لتوسيع القدرة الفعلية على المواطنة.

الفصل الخامس: الدين والفتوى والمرأة والعلمانية — من نقد السلطة الدينية إلى تحرير المجال العام

يمثل «سوسيولوجية الفتوى: المرأة والفنون نموذجاً» انتقالاً مهماً من تحليل الدولة إلى تحليل الحياة اليومية. فالفتوى ليست بالنسبة إلى علم الاجتماع مجرد حكم ديني، وإنما ظاهرة اجتماعية لها منتج ومتلقي وسياق ومؤسسات وآثار. والسؤال يصبح: من يمتلك سلطة إصدار الحكم؟ وكيف يتحول الرأي الديني إلى قاعدة اجتماعية؟ ومتى تنتقل الفتوى من المجال الإرشادي إلى مجال الضبط والإكراه؟

وهنا تظهر المرأة والفنون بوصفهما مجالين شديدي الحساسية للسلطة الثقافية. فالجسد والملبس والشعر والموسيقى والفن كثيراً ما تصبح ساحات للصراع حول تعريف «المقبول» و«المرفوض». ولذلك فإن دراسة حيدر للفتوى تندرج في علم اجتماع السلطة الرمزية والمعرفة، ولا ينبغي اختزالها في سجال فقهي مباشر.

وفي «الفتوى والسياسة» و«علم اجتماع الدين» استمر هذا الخط، بينما جاءت «أنثروبولوجيا الشعر والحجاب» لتوسع التحليل إلى الرموز الجسدية والثقافية. وتؤكد قائمة العويس صدور «سوسيولوجية الفتوى» سنة 2010، و«الفتوى والسياسة» و«علم اجتماع الدين» سنة 2016، و«أنثروبولوجيا الشعر والحجاب» سنة 2017 (العويس، 2026).

أما «العلمانية: قضايا أساسية»، التي أتاح مركز الدراسات السودانية نصها للقراءة سنة 2022، فتشكل استمراراً منطقياً لهذا المسار. فالعلمانية في مشروع حيدر ليست دعوة إلى إلغاء الدين من المجتمع، وإنما إلى منع احتكار الدولة بواسطة تفسير ديني واحد، وضمان أن يكون المواطن متساوياً أمام القانون بصرف النظر عن دينه أو تفسيره للدين (علي، 2022).

وهنا ينبغي التمييز بين العلمانية باعتبارها مبدأ لتنظيم الدولة وبين الإلحاد باعتباره موقفاً فلسفياً أو دينياً. الخلط بينهما كان، في رأي حيدر، جزءاً من الصراع السياسي الذي يجعل مجرد المطالبة بدولة محايدة دينياً تبدو وكأنها عداء للدين.

والبعد الأكثر أهمية هو أن حياد الدولة الديني يمكن أن يحمي المتدين وغير المتدين معاً: يحمي المتدين من أن تستخدم الدولة دينه أداة سياسية، ويحمي غير المتدين أو صاحب التفسير المختلف من أن يصبح مواطناً من الدرجة الثانية.

الفصل السادس: مركز الدراسات السودانية — حين تحول المفكر من إنتاج الأفكار إلى بناء البنية التحتية للمعرفة

يُعد تأسيس مركز الدراسات السودانية من أهم أعمال حيدر إبراهيم، وربما من أكثرها دلالة على طبيعة شخصيته. فقد بدأت الفكرة، بحسب رواية المركز، في الإمارات، لكنها لم تتحول إلى مؤسسة إلا بعد انقلاب 1989، عندما كان حيدر أستاذاً جامعياً في المغرب. وفي البداية لم يكن هناك مقر أو تسجيل قانوني، وكانت المطبوعات المحدودة تُحمل وتوزع بصورة شبه شخصية، قبل أن يحصل المركز على مقر صغير في شارع شامبليون بالقاهرة، عبارة عن غرفة وصالة، ثم تحول المكان إلى مركز للحركة الفكرية والثقافية (مركز الدراسات السودانية، 2026).

وتؤكد مصادر أخرى أن تأسيس المركز يعود إلى سنة 1992، بينما تظهر في السجل المؤسسي أن حيدر أصبح مديراً للمركز في أوائل التسعينيات؛ كما تذكر سيرته أن أول ندوة للمركز في القاهرة كانت سنة 1993 (العويس، 2026؛ مركز الدراسات السودانية، 2026).

كان شعار المركز: «كن واقعياً واطلب المستحيل»، وهو شعار مستعار من ثقافة الاحتجاج الشبابي الأوروبية في أواخر الستينيات. وليس من الصعب ملاحظة دلالته بالنسبة إلى تجربة المركز: الواقع السوداني كان شديد القسوة، لكن المطلوب لم يكن التكيف معه فقط، وإنما محاولة خلق فضاء ثقافي مستقل يستطيع التفكير فيما يتجاوز الواقع القائم.

وقد عرّف المركز نفسه بأنه مؤسسة بحثية وفكرية مستقلة غير ربحية تعنى بالديمقراطية والسلام والتنمية والتنوير، وتعمل في البحث والنشر والتدريب وتنمية قدرات الشباب والنساء والمهمشين وتشجيع الفنون التشكيلية والسينما والمسرح والموسيقى والفلكلور (مركز الدراسات السودانية، 2026).

وتكمن أهمية المركز في أنه لم يكن دار نشر بالمعنى التجاري. لقد كان محاولة لبناء مؤسسة مجتمع مدني معرفية في بلد كانت فيه الدولة، في مراحل طويلة، تملك قدرة كبيرة على التحكم في التعليم والثقافة والإعلام والنشر.

وبحسب بيانات المركز نفسه، تجاوز إنتاجه 220 كتاباً، وأصدر 12 عدداً من «التقرير الاستراتيجي السوداني» على مدى 12 عاماً، ونظم ندوات كبرى تحولت بعض موادها إلى كتب، وأصبح إنتاجه مصدراً للباحثين والطلاب والرسائل العلمية (مركز الدراسات السودانية، 2026).

والأهم أن المركز أعلن التزامه بمعيار «المضمون والإبداع» في اختيار الأعمال، وذكر أنه نشر أسماء جديدة أصبحت لاحقاً معروفة، وترجم أعمال فرانسيس دينق، ونشر الرواية الأولى لأبكر آدم إسماعيل، واهتم بالمرأة والطفل والفن التشكيلي، وساهم في أعمال حسين شريف التوثيقية (مركز الدراسات السودانية، 2026).

بهذا المعنى، كان المركز مشروعاً في توسيع قاعدة إنتاج المعرفة، وليس مجرد مشروع شخصي لحيدر.

الفصل السابع: القاهرة والخرطوم كمساحتين لصناعة الثقافة — الندوات والتكريمات واستضافة كبار المفكرين والفنانين

كان النشاط الثقافي للمركز متعدد المستويات، ولم يقتصر على نشر الكتب. ففي القاهرة أقام المركز أول ندوة له سنة 1993 في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام، حيث استضافها المركز ورحب بها السيد ياسين وأدارها، ثم نشأت علاقات تعاون لاحقة مع مؤسسات ثقافية وبحثية مصرية (مركز الدراسات السودانية، 2026).

ومن الأنشطة التي يوثقها المركز نفسه إقامة ندوة حول الثقافة والتنمية وتكريم الطيب صالح بمساعدة جابر عصفور، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة آنذاك، وإقامتها في رحاب المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة. كما تعاون المركز مع مركز الدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية برعاية علي الدين هلال ونازلي معوض، واستفاد في بداياته من دعم وخبرة حلمي شعراوي، مؤسس ومدير مركز الدراسات العربية والأفريقية، ومن مساهمة محمد شومان في التأسيس القانوني (مركز الدراسات السودانية، 2026).

ولم يكن المركز معزولاً عن المثقفين المصريين والعرب. فقد أتاح موقعه في القاهرة مساحة لقاء بين السودانيين والمصريين والعرب، وهو أمر كانت له قيمة خاصة في سنوات التسعينيات، عندما كان السودان يعيش تحت نظام الإنقاذ وكانت مساحات التعبير المستقلة داخله محدودة للغاية.

كما ارتبط المركز بعلاقات مع شخصيات سياسية وفكرية سودانية. وتشير شهادة حسن أحمد الحسن إلى أن الصادق المهدي أقام سلسلة لقاءات وندوات في مقر المركز بالقاهرة، وأن هذه اللقاءات جمعت مثقفين سودانيين ومصريين وساهمت في التعريف بالمركز ودوره، كما أتاحت نقاشات حول الإسلام السياسي والديمقراطية (الحسن، 2020).

وفي الخرطوم، اتخذ النشاط طابعاً أكثر مباشرة في المجال الثقافي العام، خصوصاً بعد افتتاح المركز داخل السودان في سياق الانفتاح النسبي الذي أعقب اتفاقية السلام الشامل. وقد حاول المركز أن يجعل العاصمة مساحة للقاء الأدب والفكر والموسيقى والفنون، وليس فقط مكاناً للندوات السياسية.

ومن أبرز تلك الأنشطة، وأشهرها في الذاكرة الثقافية السودانية، دعوة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش إلى الخرطوم بمبادرة من حيدر إبراهيم ومركز الدراسات السودانية. وقد وثقت صحيفة الراكوبة لاحقاً أن زيارة درويش إلى الخرطوم تمت بدعوة من مركز الدراسات السودانية وبمبادرة من حيدر إبراهيم، وأنها كانت مناسبة لربط الأدب السوداني بالأدب الفلسطيني (عبد الرحمن، 2014).

ولم تكن زيارة درويش نشاطاً منفرداً؛ فقد كانت جزءاً من تظاهرة ثقافية وفنية وفكرية أوسع نظمها المركز في سياق الاحتفال بالذكرى الخمسين لاستقلال السودان. ووفق رواية المركز، استقدم في تلك المناسبة محمود درويش، ومارسيل خليفة، ونصير شمة، ومحمد عفيفي مطر، وفريدة النقاش، والطيب تيزيني، وعلي حرب وغيرهم من الشخصيات المعروفة في الأدب والشعر والفكر والموسيقى (مركز الدراسات السودانية، 2026).

وتقدم شهادة الشفيع خضر سعيد صورة إضافية عن أهمية نشاط مارسيل خليفة؛ إذ يذكر أن حيدر إبراهيم تمكن سنة 2006 من جعل زيارة خليفة إلى السودان ممكنة، وأن الحفل في المسرح القومي بأم درمان جمع أجيالاً مختلفة، بما فيها شباب وشابات من جيل التسعينيات، حول أغاني مرتبطة بشعر محمود درويش والقضية الفلسطينية (خضر، 2026).

وهذه النشاطات تكشف أن مفهوم التنوير لدى حيدر لم يكن محصوراً في الكتاب الأكاديمي. لقد كان يعتبر الشعر والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي جزءاً من بناء الإنسان الحديث. ولذلك يمكن اعتبار استضافة درويش ومارسيل خليفة ونصير شمة ممارسة فعلية لفكرة الثقافة بوصفها حقاً عاماً.

ومن اللافت أن هذه الأنشطة تزامنت مع اختيار الخرطوم عاصمة للثقافة العربية؛ وقد عبّر المركز عن مفارقة أن الدولة خصصت ميزانية كبيرة وهيئة للمناسبة لكنها، بحسب رواية المركز، عجزت عن إقامة نشاط يوازي ما أنجزه المركز في المجال الثقافي المستقل (مركز الدراسات السودانية، 2026). وهذه رواية صادرة عن المركز نفسه، ولذلك ينبغي عرضها باعتبارها جزءاً من تقييمه الذاتي، لا باعتبارها قياساً مستقلاً على أداء الدولة.

ويمكن توسيع قائمة الأنشطة الموثقة للمركز لتشمل: الندوات الفكرية والسياسية، مؤتمرات الديمقراطية، برامج المرأة والإبداع، مناقشة التعليم والبحث العلمي، دراسة الاقتصاد السوداني، الحوار حول التيار الإسلامي الديمقراطي، تجديد اليسار السوداني، قضايا المجتمع المدني، المثقف والسلطة، قضايا التنمية والتحول الديمقراطي، عروض الفنون التشكيلية، دعم السينما والمسرح والموسيقى والفلكلور، نشر الرواية والشعر والنقد، تكريم المبدعين، الترجمة، إصدار التقارير الاستراتيجية، تنظيم المعارض والفعاليات الفنية، واستضافة المفكرين والمبدعين العرب والأفارقة والسودانيين (مركز الدراسات السودانية، 2026).

ولذلك فإن مركز الدراسات السودانية يمكن قراءته باعتباره مؤسسة ثقافية شاملة أكثر من كونه مركز أبحاث بالمعنى الضيق.

الفصل الثامن: «كتابات سودانية» — المجلة التي تحولت إلى ذاكرة متراكمة للثقافة السودانية

تُعد مجلة «كتابات سودانية» أحد أهم الإنجازات المؤسسية المرتبطة بحيدر إبراهيم ومركز الدراسات السودانية. وقد صدر عددها الأول سنة 1992، أي في سنة تأسيس المركز تقريباً، واستمرت رغم الانقطاعات والصعوبات في الصدور حتى وصلت إلى العدد 60 سنة 2021 بحسب إعلان المركز عن انتقالها إلى مرحلة جديدة. ويذكر الموقع الرسمي حالياً أن المجلة بدأت سنة 1992 وأنها واصلت الصدور رغم الصعوبات والانقطاعات القسرية، بينما توثق مصادر المركز نفسها وصولها إلى العدد 60 في 2021 (مركز الدراسات السودانية، 2021؛ مركز الدراسات السودانية، 2026).

وهذا التصحيح مهم لأن بعض المصادر الأقدم كانت تشير إلى العدد 55، وبعض المصادر اللاحقة إلى العدد 58، ثم أعلن المركز في يوليو 2021 وصول المجلة إلى العدد 60، مع اقتراح أن يكون العدد 61 مخصصاً لذكرى معاوية محمد نور (مركز الدراسات السودانية، 2013؛ مركز الدراسات السودانية، 2021).

ومن ثم فإن آخر عدد يمكن التحقق منه بصورة واضحة من المصادر التي أمكن توثيقها هو العدد 60، الصادر في 2021. أما أعداد 61 إلى 70 فقد نشر المركز في يوليو 2021 مقترحاً أولياً لمحاورها وتواريخها، وليس ما يكفي من الأدلة المنشورة للتحقق من صدور كل تلك الأعداد فعلياً؛ ولذلك لا يصح علمياً تحويل الخطة التحريرية إلى أعداد منشورة.

وقد اقترح المركز للعدد 61، في سبتمبر 2021، موضوع معاوية محمد نور، وللعدد 62 في ديسمبر 2021 التعليم العصري، وللعدد 63 في مارس 2022 مرور عام على رحيل إبراهيم إسحق، ثم الزراعة والثروة الحيوانية، ومحمد المهدي المجذوب، وفرانسيس دينق، والاقتصاد والتنمية الشاملة، والسرد النسوي، وعبد العزيز بركة ساكن، ومحمد محمد علي في الأعداد اللاحقة المقترحة حتى العدد 70 (مركز الدراسات السودانية، 2021).

وهذه المعلومة تكشف شيئاً مهماً: المجلة لم تكن مجرد دورية تنشر مقالات متفرقة، وإنما حاولت أن تجعل لكل عدد محوراً معرفياً يتيح دراسة شخصية أو قضية أو قطاع من قطاعات الثقافة والمجتمع السوداني.

ويعود تاريخ المجلة إلى ما قبل كثير من المنصات السودانية الرقمية الحديثة. فقد كتب حامد فضل الله عن العدد الأول، وأشار إلى أن النص الكامل لمراجعته للمجلة نُشر في العدد الثالث في أبريل 1993. كما أوضح أن المجلة استمرت رغم صعوبات جمع المواد وتأخر الكتاب والتمويل والتوزيع، وأنها فتحت صفحاتها لكتاب سودانيين من أعمار واتجاهات فكرية مختلفة، إضافة إلى كتاب غير سودانيين (فضل الله، 2013).

وتُظهر أعداد المجلة نفسها هذا التنوع. فالعدد السادس سنة 1995، مثلاً، حمل محوراً عن المرأة والمجتمع وأشرف عليه حيدر إبراهيم، وهو ما ينسجم مع اهتمامه المستمر بقضايا المرأة والسلطة والثقافة (مركز الدراسات السودانية، 1995).

ومن الأمثلة الدالة أيضاً أن العدد 43 في أبريل 2008 احتوى افتتاحية لحيدر إبراهيم حول أزمة الشباب السوداني ومشكلة الإبداع والاستمرارية، وهو ما يعكس انتقال المجلة من مجرد منصة لنشر المقالات إلى مساحة للتفكير في بنية الثقافة السودانية نفسها (علي، 2008).

أما العدد 58، الصادر في أكتوبر/نوفمبر 2019، فقد حمل ملفاً رئيسياً عن ثورة ديسمبر السودانية: ملحمة العصر وبذرة التغير، وضم كتابات لفتحي الضو ويحيى فضل الله وأماني عجيمي ووليد مادبو وهشام عمر النور وعبد العزيز الصاوي والواثق كمير وأسامة الخواض وغيرهم، إضافة إلى نقاش حول تحديات الفترة الانتقالية ونصوص عن الإبداع الثوري والفن التشكيلي للثورة (الراكوبة، 2019).

وفي يوليو 2021 أعلن حيدر أن العدد 60 يمثل لحظة انتقال للمجلة، واقترح أن تصبح منبراً قومياً يديره المثقفون السودانيون بصورة أكثر انفتاحاً، وأن تكون ملكاً للمثقفين السودانيين عبر إدارة وتنفيذ وإشراف أوسع، مع الاعتراف بصعوبة العمل الجماعي بين المثقفين (علي، 2021).

ومن الناحية التاريخية، يمكن القول إن «كتابات سودانية» أدت ثلاث وظائف متداخلة: وظيفة أرشيفية لأنها حفظت نصوصاً ومناقشات وشهادات؛ وظيفة تكوينية لأنها أتاحت لأجيال جديدة من الكتاب نشر أعمالهم؛ ووظيفة عامة لأنها حافظت على نقاش ثقافي يتجاوز الانقسامات الحزبية اليومية.

الفصل التاسع: أكثر من 220 كتاباً وتقريراً استراتيجياً — كيف صنع المركز تراكمه المعرفي؟

لم تكن المجلة منفصلة عن مشروع النشر. فقد ذكر المركز أنه أصدر أكثر من 220 كتاباً في المجالات الفكرية والإبداعية، وأنه أصدر 12 عدداً من «التقرير الاستراتيجي السوداني» خلال 12 عاماً، إضافة إلى كتب نتجت عن ندوات كبرى (مركز الدراسات السودانية، 2026).

والأهمية هنا ليست في الرقم وحده. فإنتاج أكثر من 220 كتاباً، إذا صحت بيانات المركز كما يوردها، يعني بناء رصيد معرفي تراكمي يتجاوز إنتاج مؤلف واحد. وقد شمل هذا الرصيد دراسات اجتماعية وسياسية، ترجمات، أعمالاً إبداعية، توثيقاً، دراسات عن المرأة، أعمالاً حول الهوية والمجتمع، ومؤلفات مرتبطة بتاريخ السودان وثقافته.

ومن أمثلة الأعمال التي نشرها المركز أو ارتبط بها «صراع الرؤى ونزاع الهويات في السودان» لفرانسيس دينق، وترجمات وأعمال أدبية ودراسات في الثقافة والسرد، إضافة إلى أعمال حيدر نفسه. وتظهر الإحالات الأكاديمية إلى مطبوعات المركز في دراسات وبحوث سودانية متعددة، ما يؤكد أن المركز لم يكن مجرد مساحة للندوات وإنما أصبح ناشراً علمياً وثقافياً حاضراً في المراجع الأكاديمية (ضحية، 2005؛ الفكي البشير، 2013).

أما «التقرير الاستراتيجي السوداني» فقد كان محاولة لإنشاء مرجع دوري يرصد الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة والأمن والعلاقات الإقليمية، بما يجعل المركز قريباً من مفهوم مركز التفكير والسياسات، وإن كان يعمل في الوقت نفسه كمؤسسة ثقافية وأدبية.

وهنا تظهر واحدة من أكثر خصائص تجربة حيدر ابتكاراً: الجمع بين المعرفة البحثية والمعرفة الثقافية. ففي كثير من البيئات العربية ينفصل مركز الأبحاث عن دار النشر، وينفصل الأدب عن السياسة، وتنقطع الفنون عن العلوم الاجتماعية. أما مركز الدراسات السودانية فحاول، ولو بصورة غير مكتملة، أن يجمع هذه المجالات داخل مؤسسة واحدة.

الفصل العاشر: إغلاق مركز الدراسات السودانية في الخرطوم سنة 2012 — حين تحولت المؤسسة الثقافية إلى قضية حرية عامة

يمثل إغلاق مركز الدراسات السودانية في الخرطوم في ديسمبر 2012 واحدة من أكثر حلقات تجربة حيدر إبراهيم دلالة على العلاقة بين الثقافة والسلطة.

وفق الوثائق والتغطيات المتاحة، صدر قرار وزاري بتجميد نشاط المركز لمدة عام، استناداً إلى الفقرة 22 من قانون الجمعيات الثقافية لسنة 1996، بحجة وجود «أنشطة سالبة» تضر بالأمن القومي وممارسات تتعارض مع أغراض إنشاء المركز. وتذكر التغطيات أن القرار حمل توقيع وزير الثقافة والإعلام أحمد بلال عثمان، وأن القرار مؤرخ في 7 نوفمبر 2012، لكنه سُلّم إلى المركز في 24 ديسمبر 2012 (سودان تربيون، 2012؛ سودانيز أونلاين، 2012).

وهنا يجب التمييز بين الواقعة المثبتة وبين تفسير دوافعها. الواقعة المثبتة هي صدور قرار رسمي بتجميد النشاط. أما القول إن القرار صدر بأمر مباشر من جهاز الأمن، فقد ورد في بيانات «صحفيون لحقوق الإنسان ـ جهر» ومصادر معارضة، وليس في القرار الوزاري المنشور نفسه. لذلك يجب عرضه بوصفه اتهاماً أو تفسيراً من جهات معارضة، لا كحقيقة قضائية مستقلة مثبتة (جهر، 2012).

وكانت الحكومة، بحسب تغطية سودان تربيون، تربط الإغلاق باتهامات تتعلق بتلقي أموال من جهات أجنبية بهدف إسقاط النظام، بينما ركز القرار الرسمي المنشور على «أنشطة سالبة» تضر بالأمن القومي وتتعارض مع أغراض إنشاء المركز (سودان تربيون، 2012).

ورد حيدر إبراهيم على القرار رافضاً الاتهام، ومتسائلاً عن معنى اعتبار مركز بحث وفكر وثقافة تهديداً للأمن القومي. وركز في ردوده على أن الاتهامات المتعلقة بالأمن الوطني ينبغي أن تقدم في إطار قانوني وقضائي، لا عبر حملات صحفية أو اتهامات عامة (علي، 2012).

وأصدرت جهات ومنظمات ثقافية وحقوقية بيانات تضامن. فقد وصفت «جهر» الإغلاق بأنه اعتداء على الثقافة وحرية التعبير والتفكير، بينما أصدر منتدى شروق الثقافي بياناً يرى أن إغلاق مؤسسة ثقافية بهذا الحجم ينبغي قراءته ضمن السياق الأوسع للتضييق على المنظمات المدنية والثقافية (جهر، 2012؛ منتدى شروق، 2012).

كما نشرت صحيفة الراكوبة مقالاً بعنوان «وما هي الأنشطة السالبة بمركز للدراسات؟» تساءل عن طبيعة المخالفات التي استند إليها القرار، وأشار إلى أن المركز كان معروفاً بالعمل البحثي والثقافي، وأن حيدر كان ينتقد الحكومة والمعارضة معاً، وأن الإغلاق جاء في سياق تراجع هامش الحريات بعد فترة الانفتاح المرتبطة باتفاقية نيفاشا (الفاضل، 2012).

وتكتسب واقعة الإغلاق أهمية إضافية لأن المركز لم يكن تنظيماً حزبياً مسلحاً ولا مؤسسة اقتصادية، بل مركزاً للبحث والنشر والفنون. ولذلك أصبحت القضية، في الخطاب المؤيد للمركز، مثالاً على توسع مفهوم «الأمن القومي» ليشمل المجال الثقافي والفكري.

ومن منظور نظريات الحرية الأكاديمية، فإن الخطر لا يبدأ فقط عندما يُمنع كتاب بعينه، وإنما عندما تصبح المؤسسة التي تنتج الكتب والندوات نفسها عرضة للتجميد. فاستقلال المؤسسة شرط سابق لاستقلال الباحث.

وتشير مصادر المركز ومصادر أخرى إلى أن السلطات السودانية منعت أيضاً تداول عدد من كتب حيدر ومقالاته، ومنها «أزمة الإسلام السياسي»، و«سقوط المشروع الحضاري»، و«الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان»، و«مراجعات الإسلاميين السودانيين» (مركز الدراسات السودانية، 2022؛ الفيصل، 2021).

وبذلك لم تكن معركة المركز مع السلطة مجرد معركة حول مقر؛ بل كانت حول من يملك حق إنتاج المعرفة السودانية داخل السودان.

الفصل الحادي عشر: اتحاد الكتاب السودانيين ومحنة المركز — بين التضامن الفعلي والنزاع حول مقدار الدعم

تحتاج علاقة مركز الدراسات السودانية باتحاد الكتاب السودانيين إلى معالجة دقيقة ومتوازنة، لأن الروايات المنشورة ليست متطابقة، ولأن وصف الأمر بأنه «تخاذل» هو حكم تقويمي ينبغي ربطه بالأدلة المتاحة.

الثابت أن مدير المركز حيدر إبراهيم انتقد اتحاد الكتاب السودانيين في مقال نشره في مارس 2013، معترضاً على بيان صدر عن الاتحاد تناول علاقته بالمركز. واعتبر حيدر البيان تصفية حسابات شخصية من جانب أعضاء في قيادة الاتحاد، ورأى أن الاتحاد لم يقف معه بالصورة التي كان يتوقعها في محنة المركز (علي، 2013).

لكن رواية الاتحاد مختلفة جزئياً، وهي موثقة في تقرير الأمانة العامة للاتحاد عن 2012–2013. فقد قال التقرير إن الاتحاد شارك، مع منظمات أخرى، في حملة الدفاع عن حرية التعبير والنشر، وإنه شارك في احتجاجات ومبادرات متعلقة بالتضييق على منظمات المجتمع المدني، وإن تحالفاً بين كونفدرالية منظمات المجتمع المدني وحملة الدفاع عن حرية التعبير والنشر احتج على تعطيل مركز الدراسات السودانية في 30 ديسمبر 2012 بمذكرة إلى مفوضية حقوق الإنسان، ثم حاول في 6 يناير 2013 تقديم مذكرة احتجاج إلى رئيس الجمهورية بشأن استهداف المراكز، ومن بينها مركز الدراسات السودانية (اتحاد الكتاب السودانيين، 2013).

ويضيف تقرير الاتحاد أن حيدر تحدث عبر «سكايب» في ورشة لحزب الأمة بأم درمان في 13 يناير 2012، منتقداً الاتحاد لأنه لم يصدر بياناً يشجب تعطيل المركز، بينما رأى الاتحاد أنه كان قد بذل جهداً عبر حملة الدفاع عن حرية التعبير والنشر ومذكرات الاحتجاج. ثم أصدر الاتحاد بياناً في 16 فبراير 2013 ينتقد موقف حيدر (اتحاد الكتاب السودانيين، 2013).

ومن ثم فإن عبارة «تخاذل اتحاد الكتاب السودانيين» تحتاج إلى تفكيك. فإذا كان المقصود أن الاتحاد لم يدعم المركز إطلاقاً، فهذه العبارة لا تتفق مع تقريره الرسمي الذي يوثق تحركات واحتجاجات ومذكرات. أما إذا كان المقصود أن حيدر رأى أن الاتحاد لم يقدّم الدعم العلني المباشر والواضح والمتناسب مع خطورة المحنة، فإن هذا يتفق مع روايته المنشورة في مارس 2013.

والأهم أن النزاع تحول من قضية مركز ثقافي مغلق إلى نزاع داخل النخبة الثقافية نفسها. وهذا أمر بالغ الدلالة: المؤسسات الثقافية لا تواجه السلطة فقط؛ بل قد تواجه أيضاً خلافات داخل الوسط الذي يفترض أن يدافع عن استقلال الثقافة.

وقد نشر لاحقاً نص الاتحاد الذي يقول إن «الاتحاد غير مشحود ليقف مع المركز في محنته»، مستشهداً بتكريم المركز في مؤتمرات سابقة ووضع صورة مديره في صالة العرفان بدار الاتحاد، في محاولة لإثبات أن الاتحاد لم يكن معادياً للمركز من حيث المبدأ (اتحاد الكتاب السودانيين، 2013).

وتكشف هذه الواقعة عن مشكلة أوسع في العمل الثقافي السوداني: ضعف آليات التضامن المؤسسي. فالمثقفون قد يتفقون على الدفاع عن الحرية بصورة عامة، لكنهم يختلفون عندما تصبح قضية مؤسسة بعينها مرتبطة بشخص أو بخلافات قديمة أو بمواقف سياسية متباينة.

ومن منظور بناء المجتمع المدني، فإن الدرس هنا يتجاوز الاتحاد والمركز معاً: المؤسسات المستقلة تحتاج إلى آليات تضامن مسبقة، وإلى بروتوكولات واضحة للاستجابة عندما تُغلق مؤسسة أو يُعتقل مدير أو يُمنع كتاب. الاعتماد على العلاقات الشخصية أو البيانات الظرفية يظل أضعف من بناء شبكات مؤسسية دائمة.

الفصل الثاني عشر: من المركز إلى إرث المفكر الحر — تقييم متوازن لحيدر إبراهيم والإنسان «شبه الكامل»

يمكن الآن العودة إلى السؤال الأساسي: ما الذي يجعل حيدر إبراهيم «مفكراً حراً»؟ وما الذي يمكن أن يعنيه وصفه بـ«الإنسان شبه الكامل»؟

أولاً، الاستقلال الفكري. لم يجعل نفسه تابعاً دائماً لحزب سياسي واحد، وظل ينتقد الإسلاميين والقوى التقليدية والعسكريين والأحزاب المدنية والنخب الثقافية عندما رأى أن أداءها يتعارض مع قيم الديمقراطية والتنوير. وهذا لا يعني أنه كان بلا مواقف سياسية، بل يعني أن مساره لا يمكن اختزاله في العضوية الحزبية.

ثانياً، اتساع المجال الفكري. فالرجل لم يكتب عن قضية واحدة. بدأ بالتنمية والتغيير الاجتماعي، ثم درس الإسلام السياسي والديمقراطية والمجتمع المدني، ثم الهوية والأقليات والمثقفين، ثم الفتوى والمرأة والفنون والعلمانية، ثم السيرة الذاتية. وهذا التنوع يجعل اختزاله في «ناقد للإسلاميين» اختزالاً غير دقيق.

ثالثاً، الانتقال من الفكرة إلى المؤسسة. هنا ربما تكمن أكثر مساهماته تميزاً. فالكثير من المثقفين يكتبون عن المجتمع المدني، لكن حيدر أسس مؤسسة يمكن أن تُقرأ بوصفها ممارسة فعلية للمجتمع المدني الثقافي. والكثيرون يتحدثون عن التنوير، لكن المركز نشر مئات الكتب واستضاف مفكرين وفنانين ونظم ندوات ومعارض وفعاليات.

رابعاً، الجمع بين البحث والثقافة. لم يفصل المركز بين علم الاجتماع والشعر والفن والتاريخ والسياسة، بل جعل هذه المجالات تتفاعل. وهذه نقطة مهمة في بناء المجال العام، لأن المجتمع الحديث لا يحتاج إلى علماء سياسة فقط، وإنما يحتاج إلى شعراء وفنانين ومؤرخين وفلاسفة وصحفيين وباحثين ومترجمين.

خامساً، الاستمرارية. تأسيس مؤسسة سنة 1992 واستمرار المجلة منذ 1992 والوصول إلى العدد 60 سنة 2021، وإنتاج أكثر من 220 كتاباً بحسب بيانات المركز، كلها مؤشرات على تراكم مؤسسي غير مألوف في البيئة الثقافية السودانية (مركز الدراسات السودانية، 2021؛ مركز الدراسات السودانية، 2026).

سادساً، تحمل تكلفة الموقف. لا تعني هذه النقطة أن كل ما قاله حيدر صحيح، ولا أن كل مواجهة مع السلطة دليل تلقائي على صحة الفكر، لكنها تعني أن استقلاله الفكري كان له ثمن عملي؛ فقد مُنع تداول بعض أعماله، وأغلق المركز في الخرطوم سنة 2012، وظلت كتاباته موضوعاً للصراع العام (الفيصل، 2021).

ومع ذلك، فإن القراءة الأكاديمية الجادة يجب ألا تتحول إلى مديح. توجد في مشروعه حدود حقيقية تستحق النقاش.

من هذه الحدود أن بعض كتاباته السياسية والصحفية أكثر حدة من كتاباته الأكاديمية، ولذلك يجب التمييز بين المقال السياسي والبحث العلمي. كما أن مفهوم «الأمنوقراطية» قوي في وصف التجربة السودانية، لكنه يحتاج إلى مزيد من العمليات القياسية والمقارنة إذا أريد تحويله إلى نظرية قابلة للاختبار في علم السياسة المقارن.

ومن الحدود أيضاً أن التركيز الطويل على الإسلام السياسي يمكن أن يؤدي لدى بعض القراء إلى اختزال مشكلات السودان في الحركة الإسلامية، بينما تمتد جذور أزمات الدولة السودانية إلى الجيش، والطائفية، وضعف الأحزاب، والاقتصاد، والحرب، والإدارة المركزية، والعلاقات الإقليمية، وأزمة التعليم، وضعف المؤسسات.

كما أن المشروع التنويري نفسه يحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى لا يقع في ثنائية مبسطة بين «العقل» و«التقليد». فالتحديث المستدام لا يعني محو الثقافة المحلية، وإنما إعادة تفسيرها وفتحها للنقد والتغيير.

ومن زاوية أخرى، يمكن ملاحظة أن نموذج مركز الدراسات السودانية كان شديد الارتباط بشخص حيدر نفسه. وهذه ميزة في مرحلة التأسيس، لكنها تمثل تحدياً مؤسسياً على المدى الطويل. فالمؤسسة القوية هي التي تستطيع أن تستمر وتنتج حتى بعد غياب مؤسسها، وأن تمتلك هيكلاً مالياً وتحريرياً وإدارياً مستقلاً عن شخصية المؤسس.

وهذا التحدي يتوافق مع أدبيات المؤسسات التي تميز بين المؤسسة الشخصية والمؤسسة المستقرة ذات القواعد. فنجاح القائد في بناء مؤسسة لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء قيادته، وإنما بقدرته على خلق نظام يستمر بعده.

ومع ذلك، فإن حصول حيدر إبراهيم على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في مجال الدراسات الإنسانية والمستقبلية لدورة 2018–2019 يمثل اعترافاً مؤسسياً عربياً واسعاً بقيمة مشروعه؛ فقد اختير من بين 480 مرشحاً في مجال الدراسات الإنسانية والمستقبلية، ومن بين 1745 مرشحاً في مجالات الجائزة كلها، وأشادت لجنة الجائزة بإسهاماته في دراسة الإسلام السياسي والتخلف والعصبيات (العويس، 2019).

ولا ينبغي تحويل هذا التكريم إلى دليل على صحة كل أفكاره؛ لكنه دليل مستقل على أن إنتاجه تجاوز دائرة السودان وأصبح جزءاً من المشهد الفكري العربي.

مركز الدراسات السودانية باعتباره أهم «كتاب» كتبه حيدر في الواقع

إذا كان المطلوب تحديد أعظم مساهمة لحيدر إبراهيم، فإن من الممكن الدفاع عن فرضية أن مركز الدراسات السودانية نفسه كان ربما أهم أعماله المؤسسية.

فالكتاب يمكن أن يقرأه شخص أو ألف شخص أو عشرة آلاف شخص، ثم ينتهي أثره إلى حد ما. أما المؤسسة فتستطيع إنتاج عشرات الكتب، واستضافة مئات الأشخاص، وفتح المجال لأجيال جديدة، وتكوين أرشيف، وإنتاج مجلة، وتنظيم ندوات، وإطلاق مشاريع تدريبية، وربط السودانيين بالمجال الثقافي العربي والدولي.

ومن هذه الزاوية يصبح استقدام محمود درويش ومارسيل خليفة ونصير شمة ومحمد عفيفي مطر وفريدة النقاش والطيب تيزيني وعلي حرب وغيرهم أكثر من قائمة أسماء لامعة. إنه دليل على تصور للثقافة يقوم على كسر العزلة.

فالخرطوم التي كانت تعاني من الحصار السياسي والثقافي في سنوات الإنقاذ استطاعت، عبر مؤسسة مستقلة، أن تستضيف شاعراً فلسطينياً كبيراً وفناناً عربياً كبيراً ومفكرين عرباً، وأن تربط الجمهور السوداني بحركة الثقافة العربية.

وهذا بالضبط ما يجعل نشاط المركز جزءاً من تاريخ المجال العام السوداني، لا مجرد هامش في سيرة حيدر.

من «كتابات سودانية» إلى الذاكرة الثقافية الوطنية

تتمثل قيمة «كتابات سودانية» أيضاً في أنها حفظت شيئاً من الذاكرة التي كان يمكن أن تضيع. فالمجلات الثقافية تعمل بوصفها أرشيفاً للزمن: تحفظ المقالات، والحوارات، والملفات، ومناقشات القضايا، وأسماء الكتاب في لحظة تاريخية محددة.

ولهذا فإن الوصول إلى العدد 60 لا ينبغي فهمه باعتباره رقماً احتفالياً فقط. فالمجلة التي تبدأ سنة 1992 وتصل إلى 60 عدداً بعد نحو ثلاثة عقود تكون قد أنشأت سلسلة زمنية يمكن للباحثين استخدامها لدراسة تغير الخطاب الثقافي السوداني نفسه.

ويمكن، مثلاً، مقارنة موضوعات الأعداد الأولى في التسعينيات بموضوعات الأعداد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم مقارنة ذلك بعدد 58 الذي تناول ثورة ديسمبر، وبالتحول المقترح بعد العدد 60. وبذلك تصبح المجلة مصدراً لدراسة تطور مفاهيم الهوية والديمقراطية والمرأة والشباب والإبداع والدين والثقافة.

حيدر إبراهيم والحرب السودانية: لماذا أصبحت أسئلته القديمة أكثر إلحاحاً؟

أصبحت أسئلة حيدر أكثر أهمية بعد الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023، لأن الحرب أعادت طرح الأسئلة التي شغلت مشروعه منذ عقود: من يملك الدولة؟ ما حدود دور الجيش؟ كيف يبنى المجتمع المدني؟ كيف يمكن حماية التعدد؟ ما علاقة الدين بالسلطة؟ كيف يمكن بناء دولة حديثة؟ وما الذي يجعل الديمقراطية قابلة للاستمرار؟

لا يقدم حيدر وصفة عسكرية لإنهاء الحرب، ولا ينبغي إسقاط كتبه القديمة بصورة آلية على واقع 2023 وما بعده. لكن مفاهيمه حول المجتمع المدني والدولة الحديثة والعسكرة والاستبداد والهوية تقدم أدوات لفهم بعض جذور الأزمة.

والأهم أن تجربة المركز تقدم درساً عملياً: إعادة بناء السودان بعد الحرب يجب أن تشمل إعادة بناء البنية التحتية الثقافية والمعرفية، لا البنية المادية فقط.

فالدولة التي تعيد بناء الطرق والجسور دون إعادة بناء الجامعة والمكتبة والمسرح ومراكز البحث والصحافة المستقلة والمجلات الثقافية ستظل معرضة لإعادة إنتاج الأزمة.

ومن هذه الزاوية يمكن تطوير مشروع حيدر إلى نموذج حديث لبناء مؤسسات معرفة سودانية مستقلة: مراكز أبحاث، مجلات علمية، منصات رقمية، أرشيفات، مكتبات عامة، برامج للباحثين الشباب، منح للترجمة، مختبرات للسياسات العامة، ومؤسسات لحماية التراث الثقافي.

الدروس المؤسسية الحديثة من تجربة حيدر إبراهيم ومركز الدراسات السودانية

يمكن استخلاص مجموعة من الدروس القابلة للتطبيق في السودان.

أولها أن الاستقلال الثقافي يحتاج إلى استقلال مالي متنوع. وقد أدرك المركز نفسه لاحقاً مشكلة التمويل، واقترح الاعتماد بدرجة أكبر على الموارد الوطنية والمسؤولية الاجتماعية للشركات والبنوك، وعلى عوائد معارض الكتب والفنون والحفلات والأنشطة الثقافية، وعلى دعم أصدقاء المركز، بدلاً من الاعتماد على التمويل الخارجي المشروط (مركز الدراسات السودانية، 2021).

ثانيها أن المؤسسة الثقافية الحديثة يجب أن تكون متعددة الوظائف: بحثاً ونشراً وتدريباً وفناً ونقاشاً عاماً.

ثالثها أن الرقمنة ليست رفاهية. فقد بدأ المركز نشر «كتابات سودانية» إلكترونياً للتغلب على مشكلات النشر الورقي والوصول إلى القراء داخل السودان وخارجه (مركز الدراسات السودانية، 2026).

رابعها أن المجلة الثقافية يجب أن تكون مساحة تعددية. وقد اقترح حيدر في 2021 توسيع ملكية المجلة وإدارتها لتصبح منبراً قومياً للمثقفين السودانيين، مع قبول المدارس والتيارات المختلفة، باستثناء الاتجاهات الإقصائية (علي، 2021).

خامسها أن المؤسسة يجب ألا تعتمد على شخصية المؤسس وحدها. وهذه ربما أهم نقطة مستقبلية بالنسبة إلى المركز نفسه. فالمؤسسة التي صنعها حيدر ينبغي أن تتحول تدريجياً من مؤسسة مرتبطة بمؤسس إلى مؤسسة ذات قواعد وهيئات تحرير وإدارة ومجلس أمناء ومصادر تمويل وأرشيف وآليات تداول للقيادة.

سادسها أن التضامن بين المؤسسات الثقافية ينبغي أن يكون منظماً. فمحنة 2012 والخلاف مع اتحاد الكتاب السودانيين تظهران أن البيانات الفردية لا تكفي؛ المطلوب شبكات مؤسسية دائمة للدفاع عن حرية البحث والنشر والفنون.

الخاتمة النقدية: لماذا يبقى حيدر إبراهيم علي واحداً من أهم نماذج المثقف السوداني الحديث؟

لا تكمن أهمية حيدر إبراهيم علي في أن كل أفكاره صحيحة، ولا في أنه لم يخطئ أو يبالغ أو يختلف مع غيره، ولا في أن مشروعه مكتمل من الناحية النظرية. أهميته تكمن في شيء أكثر ندرة: لقد حاول أن يجعل حياته الفكرية وممارسته المؤسسية متصلتين.

كتب عن التغيير الاجتماعي والتنمية، ثم درس المجتمع والدولة. كتب عن الإسلام السياسي، ثم خاض عملياً صراعاً مع سلطة سياسية استخدمت الدين في المجال العام. كتب عن الديمقراطية والمجتمع المدني، ثم أنشأ مؤسسة ثقافية مستقلة. كتب عن التنوير، ثم جعل مركزه مساحة للكتاب والفنانين والمفكرين. كتب عن المرأة والفتوى والفنون، ثم فتح مؤسسته لقضايا المرأة والإبداع. كتب عن الهوية والتنوع، ثم نشر وترجم لأسماء من خلفيات واتجاهات مختلفة. وكتب عن الثقافة، ثم دعا واستضاف في الخرطوم أسماء عربية كبيرة مثل محمود درويش ومارسيل خليفة ونصير شمة، إلى جانب مفكرين وكتاب وفنانين آخرين (مركز الدراسات السودانية، 2026).

ولهذا فإن لقب «المفكر الحر» ليس مجرد مجاملة. إنه وصف يمكن الدفاع عنه بدرجة معتبرة إذا عُرّفت الحرية بأنها القدرة على إعادة طرح السؤال، ومقاومة احتكار الحقيقة، والاحتفاظ بمسافة نقدية من السلطة، وتحويل الأفكار إلى مؤسسات.

أما وصفه بـ**«الإنسان شبه الكامل»** فينبغي أن يبقى استعارة أخلاقية لا حكماً علمياً. فحيدر ليس فوق النقد، ومشروعه ليس خالياً من الثغرات، وبعض مفاهيمه تحتاج إلى تطوير نظري ومقارن، وبعض كتاباته الصحفية أكثر انفعالاً من كتاباته الأكاديمية، كما أن مركزه نفسه واجه مشكلات التمويل والاستمرارية والمؤسسية والتوزيع.

لكن قيمة الإنسان لا تقاس بانعدام العيوب، وإنما أيضاً بما يختار أن يفعله رغم وجودها. وحيدر اختار، طوال عقود، أن يجعل المعرفة في خدمة الحرية، وأن يجعل الثقافة مجالاً للمقاومة المدنية، وأن يحاول بناء مؤسسات مستقلة في بيئة لم تكن صديقة للمؤسسات المستقلة.

ومن هذه الزاوية يمكن إعادة صياغة السؤال الذي يحكم مشروعه كله: كيف ينتقل السوداني من الرعية إلى المواطن، ومن المواطن إلى الإنسان الحر؟

لقد بحث عن الإجابة في التنمية، ثم في علم الاجتماع، ثم في الديمقراطية، ثم في المجتمع المدني، ثم في الدين، ثم في العلمانية، ثم في المرأة، ثم في الثقافة، ثم في المؤسسة، وأخيراً في سيرته الذاتية.

وربما كانت الإجابة التي تركها لا توجد في كتاب واحد، وإنما في التراكم كله: الإنسان الحر يحتاج إلى عقل حر، والعقل الحر يحتاج إلى مجال عام حر، والمجال العام يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، والمؤسسات المستقلة تحتاج إلى ثقافة تضامن، والثقافة تحتاج إلى ذاكرة، والذاكرة تحتاج إلى كتب ومجلات وأرشيفات ومراكز بحث وفنون.

وهنا تتضح القيمة التاريخية لمركز الدراسات السودانية ومجلة «كتابات سودانية»: فهما ليسا هامشاً في سيرة حيدر إبراهيم، بل هما التجسيد المؤسسي الأوضح لفكرته الأساسية.

لقد حاول أن يبني، في قلب زمن الريح والقلق، جزيرة صغيرة للحرية.

ومن ثم فإن أفضل قراءة لحيدر إبراهيم ليست قراءة «المفكر الذي قال»، وإنما قراءة المفكر الذي قال وبنى ونشر واستضاف وناقش واحتمل الصراع واستمر.

ولهذا يبقى وصفه بالمفكر الحر أكثر دقة من وصفه بالمفكر السياسي، ويبقى وصفه بالإنسان «شبه الكامل» تعبيراً أدبياً يمكن فهمه من خلال الاتساق النسبي بين الفكر والممارسة، لا ادعاءً للكمال البشري.

وفي التاريخ الثقافي السوداني الحديث، قد يكون هذا هو الإرث الأكثر دواماً: ليس إجابة نهائية عن السودان، وإنما الإصرار على أن السودان يستحق مؤسسات معرفة حرة، ومجالاً ثقافياً تعددياً، ودولة مدنية، وإنساناً لا يخاف من التفكير.

المراجع

  1. إبراهيم، حيدر. أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 1991.
  2. إبراهيم، حيدر. أزمنة الريح والقلق والحرية: سيرة ذاتية. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2015.
  3. إبراهيم، حيدر. الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 1999.
  4. إبراهيم، حيدر. التيارات الإسلامية وقضايا الديمقراطية. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 1996.
  5. إبراهيم، حيدر. التغيير الاجتماعي والتنمية. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  6. إبراهيم، حيدر. المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في السودان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  7. إبراهيم، حيدر. المجتمع المدني والتقليدي في السودان. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  8. إبراهيم، حيدر. المرأة السودانية في الحياة العامة. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2003.
  9. إبراهيم، حيدر. العولمة وجدلية الهوية. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  10. إبراهيم، حيدر. العلمانية: قضايا أساسية. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2022.
  11. إبراهيم، حيدر. سقوط المشروع الحضاري. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  12. إبراهيم، حيدر. لاهوت التحرير: الدين والثورة في العالم الثالث. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  13. إبراهيم، حيدر. مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب السلطة وخسارة الدين. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  14. إبراهيم، حيدر. دهاء التاريخ: قضايا الصراع في جمهورية السودان. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات؛ 2012.
  15. إبراهيم، حيدر. اتحاد الكتاب السودانيين: تحديث التخلف. سودانايل؛ 2013.
  16. بدري، بلقيس؛ بدري، سامية. الكوتا وانعكاساتها على المشاركة السياسية للمرأة السودانية. أم درمان: جامعة الأحفاد للبنات؛ 2013.
  17. جعفر، كرار. الحزب الشيوعي السوداني ومسألة الجنوب 1946–1985. الخرطوم: دار جامعة الخرطوم؛ 2005.
  18. حيدر، إبراهيم. كتابات سودانية. العدد السادس. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 1995.
  19. عجوبة، مختار. المرأة السودانية: إشراقات الماضي وظلماته. الخرطوم: مركز محمد عمر بشير؛ 2002.
  20. علي، عبد الخالق محجوب. لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي. الخرطوم: دار عزة؛ 2006.
  21. مركز الدراسات السودانية. عن المركز وتاريخه وأنشطته وإصداراته. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  22. مركز الدراسات السودانية. أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجاً. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 1991.
  23. مركز الدراسات السودانية. أنشطة وبرامج مركز الدراسات السودانية الثقافية والفكرية. القاهرة؛ الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  24. مركز الدراسات السودانية. الإعلان السوداني للحريات الأكاديمية والثقافية والفكرية. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2021.
  25. مركز الدراسات السودانية. تأملات نقدية: جولة في عالم الكتب والكتابة. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  26. مركز الدراسات السودانية. مقترحات النشاطات وبرامج المركز. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2021.
  27. مركز الدراسات السودانية. مجلة كتابات سودانية. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 1995.
  28. مركز الدراسات السودانية. مجلة كتابات سودانية: العدد الخمسون وما بعده. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  29. مركز الدراسات السودانية. التقرير الاستراتيجي السوداني. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  30. مركز الدراسات السودانية. نحو خطاب ثقافي سوداني جديد. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2021.
  31. مركز الدراسات السودانية. محمود درويش في الخرطوم: برنامج اليوبيل الذهبي لاستقلال السودان. الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ 2006.
  32. مركز الدراسات السودانية. نشاطات المركز في القاهرة والخرطوم وإصداراته الثقافية والفكرية. القاهرة؛ الخرطوم: مركز الدراسات السودانية؛ [دون تاريخ].
  33. ناظم، إبراهيم. كتابات سودانية: محور المرأة والمجتمع. مجلة نور. 2021؛8.
  34. اتحاد الكتاب السودانيين. تقرير الأمانة العامة عن السنة 2012–2013. الخرطوم: اتحاد الكتاب السودانيين؛ 2013.
  35. اتحاد الكتاب السودانيين. المؤتمر العام لاتحاد الكتاب السودانيين: تقرير الأمانة العامة عن السنة 2012–2013. الخرطوم: اتحاد الكتاب السودانيين؛ 2013.
  36. جهر. إغلاق مركز الدراسات السودانية وتجميد نشاطه. الخرطوم: جهر؛ 2012.
  37. سودان تربيون. إغلاق مركز الدراسات السودانية بتهمة تهديد الأمن. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2012.
  38. سودان تربيون. حيدر إبراهيم: أتحدى الحكومة بنشر الوثائق المضبوطة بمركزنا. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2012.
  39. سودان تربيون. المراكز الثقافية المغلقة بالسودان تتحدى السلطات وتتعهد بتجاوز قرارات الحظر. الخرطوم: سودان تربيون؛ 2016.
  40. سودانايل. اتحاد الكتاب السودانيين: تحديث التخلف. الخرطوم: سودانايل؛ 2013.
  41. سودانايل. السودان بين التعددية والتعدد. الخرطوم: سودانايل؛ 2009.
  42. سودانايل. المؤتمر العام لاتحاد الكتاب السودانيين: تقرير الأمانة العامة عن السنة 2012–2013. الخرطوم: سودانايل؛ 2013.
  43. سودانيز أونلاين. إغلاق مركز الدراسات السودانية بتهمة تهديد الأمن. الخرطوم: سودانيز أونلاين؛ 2012.
  44. سودانيز أونلاين. محمود درويش في الخرطوم. الخرطوم: سودانيز أونلاين؛ 2006.
  45. الراكوبة. تقرير الأمانة العامة عن السنة 2012–2013. الخرطوم: الراكوبة؛ 2013.
  46. الراكوبة. بيان من كونفيدرالية منظمات المجتمع المدني السودانية. الخرطوم: الراكوبة؛ 2013.
  47. ديوان العرب. حيدر إبراهيم علي. القاهرة: ديوان العرب؛ 2006.
  48. Al Jazeera Centre for Studies. Sudan’s Two States: Post-Secession Opportunities and Risks. Doha: Al Jazeera Centre for Studies; 2012.
  49. Dahl RA. Polyarchy: Participation and Opposition. New Haven: Yale University Press; 1971.
  50. Diamond L. Developing Democracy: Toward Consolidation. Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1999.
  51. Habermas J. The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society. Cambridge: MIT Press; 1989.
  52. Putnam RD. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton: Princeton University Press; 1993.
  53. Sen A. Development as Freedom. New York: Alfred A. Knopf; 1999.
  54. Sudanese Studies Centre. Books and Publications of the Sudanese Studies Centre. Khartoum: Sudanese Studies Centre; [cited 2026 Sep 25].
  55. Sudanese Studies Centre. About the Sudanese Studies Centre: History, Activities and Publications. Khartoum: Sudanese Studies Centre; [cited 2026 Sep 25].
  56. Sudanese Studies Centre. Haidar Ibrahim Ali: Author Profile and Selected Writings. Khartoum: Sudanese Studies Centre; [cited 2026 Sep 25].
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

أمين ديوان الضرائب … يُهدد الموظفين المُضربين..!! بقلم: اسماعيل عبدالله
قراءة تحليلية لكتاب “الحرب” للكاتب بوب وودورد
Uncategorized
الألم كشرارة للإبداع: كيف تصنع المعاناة نهضة
الأخبار
الشرطة السودانية: المليشيا لا تستطيع استخراج جواز سفر وإن امتلكت طابعات
منبر الرأي
قضية الأجور في السودان: الأجور: المساواة وعدالة توزيع الدخل (1/3) .. عرض/محمد علي خوجلي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الصحافة الورقية: حفل التأبين آتٍ لا ريب فيه .. بقلم: صلاح شعيب

صلاح شعيب
منبر الرأي

الخدمة المدنية وحكومة البطة العرجاء

الفاضل أبو آمنة
منبر الرأي

مداخلة حول مقال السفير محجوب حول سلوك دبلوماسي جديد .. بقلم: السفير/جمال محمد إبراهيم

جمال محمد ابراهيم
منبر الرأي

ما بين محمد ود المخطار وطه عثمان .. بقلم: حسن محمد صالح

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss