هناك شيء غريب في تاريخ السودان الاقتصادي؛ فكلما ظننا أننا وصلنا إلى بداية الحكاية، اكتشفنا أن الحكاية كانت قد بدأت قبل ذلك بقرون طويلة وقبل أن تكون هناك عملة تحمل اسماً، كانت هناك قيمة، وقبل أن تكون هناك موازنة، كان هناك فائض، وقبل أن تظهر البنوك، كان هناك من يعرف كيف يجمع الثروة وكيف يعيد توزيعها لكن الثروة لم تكن دائماً حيث نبحث عنها اليوم. أحياناً كانت تحت الأرض، وأحياناً فوقها، وأحياناً كانت تتحرك على ظهور القوافل وفي أوقات أخرى لم تكن الثروة شيئاً يمكن حمله أصلاً؛ كانت أرضاً، أو ماءً، أو ماشية، أو محصولاً، أو طريقاً يمر منه الآخرون والأغرب أن بعض الأزمات لم تبدأ من نقص الموارد، بل من وفرتها. فحين يصبح مورد معين مصدر قوة، يبدأ الصراع حوله، وحين تتحول قوته إلى إيرادوتبدأ قوة اقتصادية كاملة في التآكل دون أن يسقط حجر واحد من أسوارها وفي لحظة ما، دخل عنصر جديد إلى الحكاية. لم تعد قيمة ما ينتجه الإنسان مرتبطة فقط بما ينتجه، وإنما بما يستطيع أن يحصل عليه مقابله. تغيرت العلاقة بين المنتج والسوق، وبين الدولة والمواطن، وبين الأرض والنقد، وأصبح الحصول على المال جزءاً من القدرة على الوفاء بما تريده السلطة ثم أصبح الاقتصاد أكثر تعقيداً. لم يعد الفائض مجرد حبوب مخزنة أو ماشية أو ذهب، بل تحول إلى أرقام وضرائب ورسوم وصادرات وواردات وإيرادات ونفقات وديون. وصار ما يحدث في سوق بعيد قادراً على الوصول إلى القرية، وما يحدث في الخزانة قادراً على تغيير حياة المنتج ومع كل تحول، كانت الدولة تبحث عن مورد تستطيع أن تبني عليه قوتها. مرة من الأرض، ومرة من التجارة، ومرة من سلعة تصديرية، ومرة من مورد يبدو قادراً على تغيير قواعد اللعبة كلها. لكن المورد الذي يمنح الدولة قوة استثنائية قد يترك وراءه سؤالاً أكثر صعوبة مما سبقه فماذا يحدث عندما يصبح الاقتصاد شديد الارتباط بمصدر واحد؟ وماذا يحدث عندما يختفي هذا المصدر فجأة؟ وهل تستطيع القطاعات الأخرى أن تملأ الفراغ، أم أن سنوات الاعتماد تكون قد جعلت العودة إلى التنويع أكثر كلفة؟وربما لهذا السبب لا يمكن قراءة أزمات السودان باعتبارها سلسلة من الحوادث المنفصلة؛ فخلف كل أزمة علاقة قديمة بين الموارد والسلطة والإنتاج والأسواق، وخلف كل انتقال اقتصادي محاولة لإعادة ترتيب هذه العلاقة. وما يبدو أحياناً أزمة نقد قد يكون في جذوره أزمة إنتاج، وما يبدو أزمة مالية قد يكون قد بدأ قبلها بسنوات في مكان آخر لهذا لن تبدأ هذه الحكاية بالجنيه، ولن تبدأ بالبترول، ولن تبدأ حتى بالدولة الحديثة. ستبدأ من زمن كانت فيه الثروة شيئاً آخر، وكانت الدولة تعرف كيف تجمعها، وكانت التجارة تعرف كيف تتحرك بها، وكانت الأزمات تعرف طريقها إلى القصر قبل أن تعرف طريقها إلى دفاتر الحسابات. ومن هناك، سنحاول تتبع الخيط الذي تغيّر شكله آلاف المرات، لكنه لم ينقطع أبداً.
عصر كَرمة – نحو 2500–1500 ق.م :-
في كَرمة ظهرت واحدة من أقدم التجارب السياسية والاقتصادية الكبرى في وادي النيل الأوسط وتشير الأدلة الأثرية إلى مجتمع اعتمد على الزراعة والرعي واستغلال الموارد الطبيعية والتجارة، مع وجود مركز حضري ومؤسسات قادرة على تنظيم العمل والفائض وكانت الثروة تقوم على الحبوب والماشية والذهب والعاج والجلود والمواد الخام، مستفيدة من موقع كَرمة عند تقاطع طرق تربط مصر والبحر الأحمر وداخل أفريقيا. ولم يكن الاقتصاد النقدي قائماً على عملة بالمعنى الحديث؛ فالتبادل العيني والسلع ذات القيمة كانا أساساً مهماً للمعاملات أما الاقتصاد المالي فكان يقوم على جمع الفائض وتخزينه وإعادة توزيعه لتمويل السلطة والعمال والحرفيين والجيش والمنشآت وكانت آلية الحكم مركزية بما يكفي لإدارة هذه الموارد وحماية طرق التجارة، بينما استهدف الاقتصاد الزراعة والرعي والحرف والتبادل التجاري. وتكشف المنشآت الضخمة والمركز الحضري عن قدرة على تعبئة الموارد والعمل، وهي من أهم المؤشرات الاقتصادية المتاحة لهذه الفترة، لأننا لا نملك أرقاماً حديثة عن الناتج أو الإيرادات. أما العلاقات التجارية فكانت جزءاً من قوة المملكة، كما أن حماية الطرق والموارد كانت جزءاً من الأمن الاقتصادي. ويظهر نجاح كَرمة في طول عمر الدولة واتساع مركزها الحضري وتراكم الثروة، بينما ظهر التعثر مع تغير ميزان القوة مع مصر والضغط على المجال السياسي والتجاري والمشكلة المركزية كانت أن قوة الدولة أصبحت مرتبطة بقدرتها على حماية الفائض والموارد والطرق التجارية.
عصر نبتة – نحو 900–350 ق.م :-
مع صعود نبتة انتقلت مركزية القوة السياسية إلى منطقة جديدة، لكن القاعدة الاقتصادية القديمة لم تختفِ؛ بل أعيد تنظيمها حيث اعتمد الاقتصاد على الزراعة والرعي والتعدين والذهب والتجارة وأصبح الذهب والموارد الطبيعية جزءاً أكثر وضوحاً من القوة الاقتصادية والسياسية وهنا بدأت الثروة تتحول من مجرد مورد طبيعي إلى سلسلة إنتاج كاملة؛ فالمعدن يحتاج إلى استخراج وعمالة ونقل وحماية وأسواق،وبالتالي فإن امتلاك المورد لا يكفي ما لم تمتلك الدولة القدرة على تنظيمه وتحويله إلى قيمة اقتصادية. وكانت آلية الحكم أكثر مركزية، واستهدفت السلطة إدارة الأراضي والموارد والجباية وتمويل الجيش والمراكز الدينية وظل الاقتصاد النقدي محدوداً في الحياة الداخلية، بينما بقي الاقتصاد العيني والجباية العينية أساساً مهماً للمالية العامة، مع استخدام العملات والسلع النقدية في العلاقات التجارية الخارجية أما العلاقات الدولية فكانت مرتبطة بصورة وثيقة بمصر، بحيث أصبحت السيطرة على الموارد والطرق جزءاً من الصراع السياسي نفسه وكان اتساع نفوذ نبتة وقدرتها على إدارة موارد بعيدة مؤشراً على قوة الدولة، بينما أصبحت تكلفة التوسع العسكري والإداري عاملاً ضاغطاً عندما تغير ميزان القوة مع مصر والمشكلة المركزية كانت ارتفاع تكلفة تحويل السيطرة على الموارد إلى قوة سياسية وعسكرية مستدامة.
عصر مروي- نحو 300 ق.م–350 م :-
مع انتقال مركز الثقل إلى مروي، أصبح الاقتصاد أكثر تنوعاً وتعقيداً. لم تعد الزراعة والرعي والذهب والتجارة هي الأنشطة الأساسية فقط، بل برزت الصناعات والحرف، وعلى رأسها صناعة الحديد. وكان الحديد يمثل تحولاً اقتصادياً مهماً لأنه نقل جزءاً من القيمة من مرحلة استخراج المادة الخام إلى مرحلة التصنيع والتحويل. وهذا يعني عمالة متخصصة، وطاقة، وأفراناً، ونقلاً، وأسواقاً، وبالتالي اقتصاداً أكثر تشابكاً. واعتمدت مروي على الزراعة لتوفير الغذاء والفائض، وعلى التعدين والحرف لتكوين القيمة المضافة، وعلى التجارة لربط الإنتاج بالأسواق الإقليمية. وظل الاقتصاد النقدي محدوداً مقارنة بالاقتصاد الحديث، واستمر استخدام المقايضة والسلع، مع وجود عملات في التجارة الخارجية، بينما قام الاقتصاد المالي على الجباية وإدارة الأراضي والعمل والموارد وتمويل الجيش والإدارة والمراكز الدينية. وكانت العلاقات التجارية تمتد إلى مصر وشمال شرق أفريقيا والبحر الأحمر، فأصبح موقع مروي التجاري جزءاً من قوتها الاقتصادية. ويظهر النجاح في استمرار الدولة قروناً، وارتفاع درجة التخصص الحرفي، واتساع النشاط التجاري والإنتاجي أما التعثر فارتبط بتداخل عوامل سياسية واقتصادية وبيئية وتغير شبكات التجارة. والمشكلة المركزية كانت الحفاظ على اقتصاد متنوع في بيئة سياسية وتجارية وبيئية متغيرة.
أواخر العصر المروي – نحو 100–350 م :-
في أواخر العصر المروي أصبحت العلاقة بين الإنتاج والبيئة أكثر حساسية فالزراعة والرعي والتجمعات السكانية تحتاج إلى قاعدة بيئية قادرة على إنتاج فائض منتظم، وأي تغير في ظروف الإنتاج ينعكس على الغذاء والعمل والتجارة. وتشير دراسة منشورة في Antiquity عام 2023، اعتمدت على تحليل نظائر الكربون والأكسجين في مينا الأسنان من 13 مقبرة، إلى تغيرات تتوافق مع ظروف أكثر جفافاً وتبدلات في الزراعة واستخدام الأرض في أواخر العصر المروي والفترة التي تلته وهذه ليست أرقاماً عن الناتج المحلي أو التضخم، لكنها بالنسبة للاقتصاد القديم مؤشرات مهمة على تغير قاعدة الإنتاج نفسها والأهم أن الدراسة لا تختزل سقوط مروي في الجفاف وحده، بل تضع التغير البيئي ضمن مجموعة أوسع من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبذلك يمكن قراءة الأزمة باعتبارها أزمة قدرة على التكيف,فحين تتغير البيئة، تحتاج الدولة إلى تغيير أساليب الإنتاج وتوزيع السكان والموارد وطرق التجارة. ويظهر استمرار النشاط البشري في المنطقة مؤشراً على قدرة المجتمع على التكيف، بينما يمثل تفكك النظام السياسي المروي مؤشراً على أن قدرة الدولة المركزية على إدارة التحولات أصبحت أضعف. والمشكلة المركزية كانت تراجع قدرة النظام الاقتصادي والسياسي على التكيف مع تغير البيئة وشبكات التجارة في الوقت نفسه.
العصر ما بعد المروي – نحو 350–550 م :-
بعد تفكك المملكة المروية في منتصف القرن الرابع الميلادي، لم يختفِ الاقتصاد السوداني، وإنما تغير شكل الدولة التي تنظمه استمرت الزراعة والرعي والتجارة، لكن المركز السياسي الواسع انقسم إلى كيانات أصغر، وأصبحت عملية جمع الفائض وإعادة توزيعه أقل مركزية. وهذا التحول مهم اقتصادياً؛ فسقوط الدولة لا يعني بالضرورة سقوط الإنتاج، لكنه قد يعني فقدان جزء من القدرة على تنظيمه وحمايته وتوجيهه. وأصبح الاقتصاد أكثر إقليمية، واعتمدت السلطات المحلية على الزراعة والرعي والموارد المتاحة في نطاقها، بينما بقي التبادل التجاري قائماً بدرجات متفاوتة. وكان الاقتصاد النقدي محدوداً، وظل الاقتصاد العيني والجباية المحلية عنصرين أساسيين في تمويل السلطة. أما العلاقات التجارية والدولية فأصبحت مرتبطة بالمراكز السياسية الجديدة في وادي النيل والبحر الأحمر والمناطق الداخلية. وكان استمرار الاستيطان والإنتاج مؤشراً على صمود المجتمع، بينما كان ضعف المركزية السياسية والقدرة على إدارة شبكة اقتصادية واسعة مؤشراً على التعثر. والمشكلة المركزية كانت انتقال الاقتصاد من نظام إمبراطوري واسع إلى اقتصاد أكثر تجزؤاً إقليمياً.
مملكة نوباتيا – نحو القرن الخامس–السابع الميلادي:-
مع ظهور الممالك المسيحية النوبية، دخل الاقتصاد السوداني مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والديني دون أن يبدأ من الصفر. فقد استمرت الزراعة والرعي والتجارة، وأصبحت الحبوب والتمور والماشية والمنتجات الحرفية جزءاً من قاعدة الاقتصاد. وكان الإنتاج الزراعي يعتمد على الري ورفع المياه في مناطق واسعة، بينما وفرت التجارة العابرة لوادي النيل مصدراً مهماً للدخل وظل الاقتصاد النقدي محدوداً؛ وتشير المصادر المتعلقة بالنوبة الوسيطة إلى أن مقاييس الحبوب، وخاصة الذرة الرفيعة، كانت تؤدي أحياناً وظيفة وسيط للتبادل إلى جانب العملات المتداولة في بعض المناطق. أما الاقتصاد المالي فاعتمد على الضرائب والرسوم والعوائد المرتبطة بالتجارة، بينما استفادت السلطات من موقعها في ممر تجاري مهم بين مصر وداخل أفريقيا. وكان التحكم في الطرق التجارية والمنافذ الحدودية مصدراً للقوة الاقتصادية. ويظهر نجاح هذه المرحلة في استمرار الممالك المسيحية قروناً، بينما كانت الضغوط الخارجية وتغير العلاقات التجارية والسياسية عوامل مؤثرة في مسارها والمشكلة المركزية كانت الحفاظ على اقتصاد زراعي محدود الموارد النقدية مع الاعتماد على موقع تجاري حساس بين قوى إقليمية أكبر.
مملكة المقرة – نحو القرن السادس–الرابع عشر الميلادي :-
امتلكت المقرة اقتصاداً زراعياً ورعوياً، وكانت الحبوب والتمور والماشية من أهم الموارد، بينما منحها موقعها في شمال وادي النيل أهمية خاصة في حركة التجارة بين مصر ووسط السودان. وكانت آلية الحكم ملكية مركزية مدعومة بالنخب والمؤسسات الدينية، واستهدف الاقتصاد الزراعة والتجارة والنقل النهري والحرف وكان الإنتاج الزراعي يوفر الغذاء والفائض، بينما شكلت التمور والحبوب والماشية جزءاً من حركة التبادل. وظل الاقتصاد النقدي مختلطاً بالمقايضة والتبادل العيني، في حين اعتمد الاقتصاد المالي على الضرائب والرسوم والإتاوات والعوائد التجارية. وكانت العلاقة مع مصر محوراً مهماً في التجارة والسياسة، كما كانت السيطرة على ممر النيل وسيلة لحماية الإيرادات التجارية. ويظهر نجاح المملكة في طول عمرها واستمرار مؤسساتها الاقتصادية، بينما ارتبط التعثر بتغير موازين القوى والطرق التجارية والضغوط الخارجية. والمشكلة المركزية كانت اعتماد القوة الاقتصادية على استقرار الممر التجاري وعلاقة متوازنة مع القوى المحيطة.
مملكة علوة – نحو القرن السادس–الخامس عشر الميلادي:-
امتلكت علوة قاعدة اقتصادية مختلفة نسبياً عن المقرة بسبب موقعها في نطاق السافانا ووسط السودان، حيث أتاحت البيئة مجالاً أوسع للزراعة المطرية والرعي إلى جانب الزراعة المرتبطة بالنهر. وتشير الأدلة المتعلقة بسوبا إلى أهمية الذرة الرفيعة والحبوب والثروة الحيوانية، كما كانت التجارة مصدراً مهماً للدخل. وكانت سوبا مركزاً تجارياً يرتبط بطرق شمالية وجنوبية وشرقية وغربية، ووصلت شبكات التجارة إلى مصر والبحر الأحمر والشرق الأوسط ومناطق أخرى. وكانت آلية الحكم ملكية ونخبوية، تعتمد على إدارة الفائض من الزراعة والتجارة. وظل الاقتصاد النقدي محدوداً في الحياة اليومية، بينما اعتمد الاقتصاد المالي على الجباية والعوائد التجارية والإتاوات. وكانت العلاقات التجارية الدولية أكثر اتساعاً من مجرد العلاقة مع مصر، وهو ما منح علوة فرصة لتصبح وسيطاً تجارياً مهماً. ويظهر النجاح في اتساع شبكة التجارة وقيام سوبا كمركز حضري، بينما أصبح ضعف المركز السياسي وتغير طرق التجارة من مؤشرات التعثر. والمشكلة المركزية كانت أن الدولة التجارية تحتاج إلى مؤسسات سياسية قادرة على حماية الأسواق والطرق بقدر حاجتها إلى الموارد نفسها.
سلطنة الفونج – 1504–1821 م:-
اعتمدت سلطنة الفونج على الأرض الزراعية والماشية والمحاصيل والأسواق والقوافل، وأصبحت سنار مركزاً سياسياً واقتصادياً مهماً وكانت آلية الحكم تقوم على السلطان وشبكة من الزعامات المحلية، وهو ما سمح بتحصيل الفائض لكنه جعل المركزية متفاوتة بين الأقاليم. واستهدف الاقتصاد الزراعة والرعي والتجارة، بينما شكلت المحاصيل والحيوانات والسلع التجارية أساس الإنتاج. وكان الاقتصاد النقدي يتوسع في الأسواق والمدن، لكنه ظل إلى جانب المقايضة والتبادل العيني، بينما قام الاقتصاد المالي على الضرائب والإتاوات والرسوم التجارية والعطايا. وكانت القوافل والأسواق وعوائد التجارة جزءاً أساسياً من القوة الاقتصادية، كما ارتبط السودان بمصر والحبشة والبحر الأحمر وشبكات التجارة الداخلية. ويظهر استمرار السلطنة لأكثر من ثلاثة قرون مؤشراً على قدرة مؤسساتها على إدارة الموارد، كما تكشف المصادر عن أهمية الأرض والجزية والتجارة في توزيع الثروة. لكن ضعف المركزية وتعدد مراكز القوة جعلا النظام أقل قدرة على مواجهة التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى. والمشكلة المركزية كانت اتساع الشبكة التجارية مقارنة بضعف المؤسسات المالية المركزية القادرة على إدارتها بصورة موحدة.
العهد التركي المصري- 1821–1885 م :-
غير الحكم التركي المصري طبيعة الاقتصاد السوداني بصورة عميقة؛ إذ انتقلت الدولة بصورة أكبر من الاعتماد على الفائض العيني إلى طلب الضرائب النقدية، فأصبح المنتج مضطراً إلى بيع جزء من إنتاجه للحصول على النقد اللازم للوفاء بالتزاماته. وأصبحت الأرض والماشية والذهب والعاج والصمغ والسلع الزراعية موارد للجباية والتجارة، بينما ركزت الإدارة على إنشاء جهاز عسكري وإداري مركزي. واستهدف الاقتصاد الزراعة والتجارة والتعدين والسلع القابلة للتصدير، وأصبحت القدرة على الوصول إلى السوق والنقد جزءاً من قدرة المنتج على البقاء. وتشير دراسة Gabriel Warburg إلى أن السلطات التركية المصرية فرضت الضرائب نقداً، وأن ذلك دفع بعض المزارعين إلى الاستدانة من التجار والوسطاء عند عجزهم عن السداد، كما ساهم في توسيع استخدام النقود والعملات الأجنبية والمحلية. وكان الاقتصاد المالي يتمحور حول الضرائب والجباية وتمويل الجيش والإدارة، بينما اتسعت العلاقات التجارية مع مصر والبحر الأحمر والأسواق الخارجية. وبهذا أصبح الاقتصاد النقدي أداة للجباية بقدر ما أصبح أداة للتجارة. وكان اتساع التجارة والربط الإداري مؤشراً على تحول اقتصادي مهم، بينما كان ارتفاع العبء الضريبي والديون وضعف حوافز الإنتاج مؤشرات على التعثر. والمشكلة المركزية كانت إدخال النقد إلى الاقتصاد بسرعة أكبر من قدرة القاعدة الإنتاجية على تحمل الأعباء النقدية الجديدة.
الدولة المهدية- 1885–1898 م :-
تحول الاقتصاد في عهد المهدية إلى اقتصاد تعبئة وحرب أصبحت الأرض والماشية والحبوب والعمل والسلع موارد لتمويل الدولة والجيش، بينما تركزت آلية الحكم في سلطة مركزية تعتمد على الجباية والتعبئة المباشرة واستهدف الاقتصاد تأمين الغذاء والموارد اللازمة للحرب أكثر من توسيع قاعدة الإنتاج التجاري، ولذلك أصبحت احتياجات الدولة العسكرية تؤثر مباشرة في توزيع الموارد وكان الاقتصاد النقدي محدوداً مقارنة بالعهد السابق، بينما عاد الاقتصاد المالي بدرجة كبيرة إلى الجباية العينية والمصادرات والعطاء. وعلى المستوى الدولي أصبحت التجارة محكومة بالصراع والحرب والحصار وتغير طرق الاتصال، فانخفضت قدرة الاقتصاد على الوصول المنتظم إلى بعض الأسواق الخارجية. ويظهر نجاح الدولة في قدرتها على تعبئة الموارد والسيطرة على مساحة واسعة، لكن استمرار الحرب وتراجع انتظام التجارة والإنتاج التجاري يمثلان مؤشرات على الضغط الاقتصادي. والمشكلة المركزية كانت تحول الاقتصاد من اقتصاد إنتاج وتبادل إلى اقتصاد تعبئة يستهلك جزءاً متزايداً من الفائض لتمويل الصراع.
الحكم الثنائي – 1899–1956 م :-
بدأت هنا مرحلة مختلفة تماماً؛ فقد أصبح السودان جزءاً أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي الحديث، وظهرت البنية الأساسية المرتبطة بالتصدير والأسواق الدولية كانت الأرض والمياه والقطن والصمغ العربي والحبوب والماشية أهم الموارد، بينما أنشأت الإدارة المركزية شبكة من السكك الحديدية والموانئ والطرق والخدمات المرتبطة بنقل الإنتاج إلى الأسواق. واستهدف الاقتصاد بصورة واضحة الزراعة التجارية، وخاصة القطن، ثم أصبح مشروع الجزيرة أحد أهم مراكز الإنتاج الزراعي والتصدير. وازداد استخدام النقود والبنوك والتجارة الحديثة، بينما أصبح الاقتصاد المالي يعتمد بصورة أكبر على الضرائب والجمارك وعوائد الصادرات والمشروعات الزراعية. وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن ضرائب الأرض والمحاصيل كانت تمثل في تقدير تاريخي نحو 40% من إيرادات الموازنة في فترة سابقة من الحكم، وهو مؤشر على الوزن المالي للزراعة في الدولة آنذاك. وعلى المستوى الدولي ارتبط السودان بصورة قوية بالأسواق البريطانية والأوروبية، وأصبح القطن أحد أهم الروابط بين الإنتاج المحلي والاقتصاد العالمي. وكان النجاح في بناء بنية أساسية للتصدير وتوسيع الإنتاج الزراعي والنقدي، بينما ظل التعثر في الاعتماد المرتفع على السلع الأولية وتقلب أسعارها. والمشكلة المركزية كانت بناء اقتصاد تصديري حديث دون بناء قاعدة صناعية ومالية قادرة على امتصاص تقلبات السوق العالمية.
السودان المستقل – 1956–1969 م :-
ورث السودان عند الاستقلال اقتصاداً زراعياً تصديرياً، وكانت الأرض والمياه والقطن والصمغ العربي والفول السوداني والثروة الحيوانية أهم الموارد. أصبحت الدولة الوطنية مسؤولة عن إدارة الموارد وتمويل التنمية، واستهدف الاقتصاد الزراعة مع محاولة توسيع الصناعة والخدمات. وكان الاقتصاد النقدي قد أصبح أكثر رسوخاً مع الجنيه والبنوك والتجارة الحديثة، بينما اعتمد الاقتصاد المالي على الضرائب وعوائد الصادرات والإنفاق الحكومي والاقتراض. وتشير تقديرات تاريخية إلى أن الزراعة كانت تمثل نحو 61% من الناتج المحلي الإجمالي عند الاستقلال، مقابل نحو 1.1% للصناعة، وفق تقرير تاريخي للبنك الدولي؛ وهي أرقام توضح بجلاء مدى اعتماد الاقتصاد الوطني على الزراعة وعلى المستوى الدولي ظل السودان مرتبطاً بأسواق السلع الزراعية، فأصبح تغير أسعار الصادرات والنقد الأجنبي عاملاً مؤثراً في المالية العامة. وكان امتلاك الدولة مؤسسات مالية وعملة وطنية وقاعدة إنتاج وصادرات مؤشراً على انتقال الاقتصاد إلى مرحلة الدولة الحديثة، بينما ظل ضعف التصنيع والتنويع تحدياً بنيوياً والمشكلة المركزية كانت الفجوة بين اقتصاد زراعي تصديري وبين دولة حديثة تحتاج إلى صناعة ونقد أجنبي مستقر ومصادر متنوعة للإيرادات.
عهد مايو- 1969–1985 م :-
دخل السودان عهد مايو بقاعدة زراعية وحيوانية واسعة، لكنه اتجه إلى توسيع دور الدولة في ملكية وإدارة الاقتصاد أصبحت آلية الحكم الاقتصادي أكثر مركزية، واستهدف الاقتصاد الزراعة والصناعة ومشروعات التنمية الكبرى، مع تأميم عدد من المؤسسات والبنوك في بداية المرحلة. وظل الإنتاج الزراعي مهماً للصادرات، بينما توسعت مشروعات القطاع العام والصناعة. وأصبح الاقتصاد النقدي أكثر ارتباطاً بسياسات الدولة في الأسعار والائتمان وسعر الصرف، بينما توسع الاقتصاد المالي الحكومي والإنفاق العام والاقتراض الخارجي. وعلى المستوى الدولي أصبح التمويل الخارجي والدين والعلاقات مع المؤسسات الدولية والدول المانحة جزءاً متزايداً من المعادلة الاقتصادية. وتظهر الدراسات التاريخية أن السودان دخل هذه المرحلة مع اختلالات متراكمة في ميزان المدفوعات والمالية العامة والدين، ثم تفاقمت صعوبات التمويل خلال السبعينيات والثمانينيات. وكان تنفيذ مشروعات وبنية أساسية وتوسيع دور الدولة في التنمية من سمات المرحلة، بينما كان ارتفاع تكلفة التمويل والاختلالات الخارجية والمالية من مؤشرات التعثر. والمشكلة المركزية كانت اتساع الدور المالي والاستثماري للدولة بوتيرة لم تكن دائماً مدعومة بقاعدة إنتاجية ونقد أجنبي كافيين.
الفترة الانتقالية – 1985–1989 م :-
دخل السودان هذه المرحلة وهو يحمل آثار التضخم والدين ونقص النقد الأجنبي وضعف الإيرادات. كانت الزراعة والثروة الحيوانية والصادرات الزراعية هي الموارد الرئيسية، لكن قدرة الاقتصاد على تحويل الإنتاج إلى نقد أجنبي كانت محدودة. واستهدفت الدولة إعادة الاستقرار المالي والنقدي والإنتاجي، إلا أن الفترة القصيرة والظروف السياسية والمؤسسية حدّت من قدرة الإصلاحات على معالجة الاختلالات المتراكمة. وكان الاقتصاد النقدي يعاني من ضغوط سعر الصرف وارتفاع الأسعار، بينما كان الاقتصاد المالي يعاني من العجز والدين وضعف الإيرادات. وعلى المستوى الدولي أصبحت العلاقة مع الدائنين والمؤسسات المالية والقدرة على الحصول على التمويل الخارجي عاملاً مهماً في الاقتصاد الداخلي. وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن السودان دخل أواخر الثمانينيات والتسعينيات وهو يحمل اختلالات عميقة في الدين والتمويل الخارجي؛ ففي نهاية 1998، على سبيل المثال، بلغ الدين الخارجي نحو 22.4 مليار دولار، مع متأخرات ضخمة. والمشكلة المركزية التي ظهرت جذورها في هذه المرحلة كانت تحول أزمة النقد الأجنبي إلى أزمة مالية ونقدية وإنتاجية في الوقت نفسه.
عهد الإنقاذ- 1989–2011 م :-
بدأت المرحلة بموارد تقليدية هي الزراعة والثروة الحيوانية والذهب والصمغ العربي، ثم جاء النفط ليعيد تشكيل الاقتصاد السوداني بالكامل. تغيرت آلية الحكم الاقتصادي مع توسع دور الدولة والمؤسسات العامة، وأصبح قطاع النفط القطاع الأكثر تأثيراً في الاستثمار والإيرادات والصادرات. وارتفع متوسط نمو الناتج المحلي الحقيقي إلى نحو 6.1% سنوياً خلال 1998–2007 وفق البنك الدولي، بالتزامن مع توسع الإنتاج النفطي وتدفقات الاستثمار والنقد الأجنبي. وفي 2008 كان النفط يمثل نحو 75% من عائدات النقد الأجنبي، بقيمة بلغت في ذروة ذلك العام قرابة 8.3 مليار دولار. وأصبح الاقتصاد النقدي مرتبطاً بصورة متزايدة بتدفقات الدولار والنقد الأجنبي، بينما أصبحت المالية العامة تعتمد بدرجة كبيرة على عوائد النفط. وعلى المستوى الدولي انتقل السودان إلى نمط تجاري جديد ارتبط بصورة خاصة بالأسواق الآسيوية والاستثمار النفطي؛ وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الصين أصبحت الوجهة الرئيسية للصادرات النفطية خلال هذه الفترة. وكان النمو وارتفاع الاستثمار وتدفق النقد الأجنبي مؤشرات على توسع اقتصادي واضح، بينما كان الاعتماد المتزايد على مورد واحد مؤشراً على هشاشة هيكلية. والمشكلة المركزية كانت أن النفط أصبح في الوقت نفسه مصدراً للنقد الأجنبي ومصدراً للإيرادات العامة ومحركاً للاستثمار، فأصبح أي اضطراب في النفط قادراً على الانتقال إلى بقية الاقتصاد.
عهد الإنقاذ بعد انفصال جنوب السودان – 2011–2019 م :-
أعاد انفصال جنوب السودان رسم خريطة الموارد والمالية العامة للسودان. فقد خسر السودان الجزء الأكبر من إنتاج النفط وإيراداته؛ وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى فقدان نحو 75% تقريبا من إيرادات النفط المتوقعة، بينما تشير بيانات لاحقة إلى خسارة نحو 75% من إنتاج النفط ونحو نصف الإيرادات المالية، مع انخفاض كبير في الصادرات. وعادت الزراعة والثروة الحيوانية والذهب والصمغ العربي إلى واجهة الموارد المستهدفة، لكن هذه القطاعات لم تستطع في المدى القصير تعويض التدفق النفطي السابق. وأصبحت المالية العامة تواجه فجوة إيرادات كبيرة، بينما تعرض الاقتصاد النقدي لضغط بسبب انخفاض تدفقات الدولار والنقد الأجنبي. كما ارتفعت أهمية الذهب كمصدر بديل للصادرات والنقد الأجنبي. وعلى المستوى الدولي أصبحت العلاقات الاقتصادية مرتبطة بأسواق الذهب والزراعة وترتيبات النفط العابرة للحدود مع جنوب السودان والتمويل الخارجي. وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن خسارة النفط أحدثت في 2012 وحده خسارة في الصادرات النفطية بنحو 6.6 مليار دولار، وخسارة في الإيرادات الحكومية تقدر بنحو 6.25% من الناتج المحلي. وكان البحث عن موارد بديلة للنقد الأجنبي أحد أبرز سمات المرحلة، بينما مثل التضخم والضغوط على سعر الصرف والمالية العامة مؤشرات على عمق الصدمة. والمشكلة المركزية كانت أن الاقتصاد اضطر إلى تعويض مورد أصبح أكبر من قدرة القطاعات الأخرى على تعويضه سريعاً.
الخلاصة الاقتصادية للتاريخ السوداني :-
يكشف التاريخ الاقتصادي للسودان أن الثروة كانت موجودة دائمًا، لكن التحدي ظل في تحويلها من موردٍ يُستخرج إلى إنتاجٍ يُصنّع، ومن إنتاجٍ يُصنّع إلى قيمةٍ تُضاف، ومن قيمةٍ تُضاف إلى اقتصادٍ تتسع قاعدته وتقل تبعيته لموردٍ واحد. فلو كان الذهب قد أنشأ صناعة، والقطن قد أنشأ نسيجًا، والماشية قد أنشأت صناعةً غذائية، والزراعة قد أنشأت سلاسل إنتاج وتصدير، لما بقيت الثروة أسيرة شكلها الأول؛ ولو تحولت عوائد الموارد إلى بنيةٍ تحتية وتمويلٍ وتعليمٍ وتقنية، لأصبح كل موردٍ منصةً لإطلاق موردٍ اقتصادي جديد، بدل أن يكون بابًا لدورةٍ تنتهي بانتهاء عوائده ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم يملك السودان من موارد؟ بل: كم قيمة يستطيع أن يخلق من كل مورد، وكم قطاعًا جديدًا يستطيع أن يبني من كل فائض؟ وربما يكون (ماذا لو؟) الذي يختصر مستقبل السودان كله فماذا لو لم نبحث بعد اليوم عن موردٍ ينقذ الاقتصاد، بل بنينا اقتصادًا يحوّل كل موردٍ إلى بدايةٍ لموردٍ جديد؟وقبل كل ذلك، يبقى السؤال الأبعد: ماذا كان سيحدث لو سجد إبليس لآدم؟ ربما كان التاريخ سيكتب قصةً أخرى؛ لأن لحظةً واحدة، وقرارًا واحدًا، قد يفتحان طريقًا مختلفًا تمامًا وربما ليست العبرة في الموارد التي امتلكناها، بل في القرارات التي اتخذناها تجاهها، والفرص التي عرفناها ولم نستثمرها، والطرق التي كان يمكن أن نسلكها ولم نسلكها.
د.محمد شرف الدين الطيب
خبير مصرفي
