باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 15 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

المبادرة الأمريكية الجديدة لإنهاء حرب السودان

اخر تحديث: 28 سبتمبر, 2026 8:15 مساءً
شارك

المبادرة الأمريكية الجديدة لإنهاء حرب السودان: خريطة الهدنة من الانسحاب العسكري والتسوية السياسية إلى عقدة دارفور وكردفان

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتناول المبادرة الأمريكية الجديدة لإنهاء حرب السودان محاولة نقل مسار التعامل مع الحرب من مجرد الدعوة إلى وقف القتال إلى بناء مسار متكامل يجمع بين الهدنة الإنسانية، وترتيبات الانسحاب العسكري، ووقف إطلاق النار الدائم، وإعادة تشكيل الترتيبات الأمنية، وإطلاق عملية سياسية مدنية، ثم الانتقال إلى التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. وتكتسب المبادرة أهميتها من أنها جاءت بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي بدأت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وبعد فشل أو تعثر عدد من مسارات الوساطة والهدن السابقة، وفي ظل أزمة إنسانية ونزوح وجوع وانهيار واسع لمؤسسات الدولة والخدمات الأساسية. ولذلك فإن المبادرة لا تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد مشكلة عسكرية قابلة للحل بوقف مؤقت للقتال، وإنما باعتبارها أزمة مركبة تتداخل فيها السيطرة الإقليمية على الأرض، وبنية الدولة، ومستقبل المؤسسة العسكرية، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، والتدخلات الخارجية، والاقتصاد السياسي للحرب، وشروط العودة إلى الانتقال الديمقراطي.

نشأت المبادرة في سياق اتسم بتغيرات كبيرة في ميزان الحرب وتزايد الضغوط الإنسانية والدبلوماسية الدولية. فقد أصبح استمرار الحرب مرتبطاً بتوسع النزوح الداخلي والعابر للحدود، وتدهور الأمن الغذائي، وتدمير البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتفكك الإدارة العامة، واتساع الاقتصاد المرتبط بالحرب. وفي الوقت نفسه أصبح واضحاً أن استمرار القتال لا يؤدي فقط إلى خسائر بشرية ومادية مباشرة، بل يعمق الانقسام الجغرافي والسياسي ويزيد احتمالات نشوء ترتيبات حكم وأمن متوازية. ومن هنا اتجهت المبادرة الأمريكية إلى محاولة الجمع بين وقف إنساني عاجل وبين معالجة القضايا التي حالت دون نجاح الهدن السابقة، وفي مقدمتها مسألة انتشار القوات وانسحابها، وآليات المراقبة، وترتيبات الأمن، وشكل العملية السياسية بعد وقف القتال.

تقوم المبادرة في جوهرها على هدنة إنسانية وطنية لمدة تسعين يوماً، تهدف إلى وقف الأعمال القتالية بما يسمح بوصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين والمنشآت والبنية التحتية والخدمات العامة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين تدريجياً، وفتح الطريق أمام التفاوض على وقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي مدني. ولا تقتصر الهدنة المقترحة على إعلان سياسي، وإنما ترتبط بآلية دولية للمراقبة والتنفيذ وتسوية الخلافات، مع مشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. وتستهدف هذه البنية تجاوز أحد أوجه القصور الرئيسية في الهدن السابقة، وهو غياب آلية قوية وموثوقة تستطيع تحديد الخروقات، ومراقبة انتشار القوات، وتوفير آلية للتعامل مع النزاعات حول تنفيذ الاتفاق.

وتشمل المبادرة أيضاً ترتيبات للانسحاب أو إعادة الانتشار العسكري بصورة تدريجية، مع إعطاء أولوية أولية لشمال دارفور وشمال كردفان، إلى جانب ترتيبات لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتجميع القوات، وصولاً إلى إنشاء جيش وطني موحد يخضع للسلطة المدنية المنتخبة. ويكشف هذا الجزء من المبادرة أن التصور الأمريكي لا يرى وقف إطلاق النار منفصلاً عن إعادة بناء مؤسسة الدولة الأمنية؛ فالغاية النهائية ليست فقط إيقاف المعارك الحالية، بل منع عودة الحرب من خلال معالجة تعدد الجيوش والقوات المسلحة وشبكات السلاح التي أصبحت جزءاً من بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد السياسي السوداني.

وتبرز مسألة الانسحاب العسكري باعتبارها العقدة الأساسية في المبادرة. فالورقة الأمريكية، وفق المعلومات المتاحة عنها، تتحدث عن انسحابات محدودة وتدريجية تركز في البداية على شمال دارفور وشمال كردفان، بينما تطالب الحكومة السودانية بانسحاب شامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ مايو 2023. وبالتالي نشأ اختلاف جوهري في تعريف نقطة البداية المطلوبة للهدنة: التصور الأمريكي يركز على وقف إنساني فوري مصحوب بانسحابات محدودة قابلة للمراقبة، بينما يربط الموقف الحكومي نجاح الهدنة بانسحاب أوسع من المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع خلال الحرب. ويعكس هذا الاختلاف اختلافاً في تصور العلاقة بين الأمن والسياسة؛ فبالنسبة إلى الموقف الحكومي، لا يمكن فصل وقف القتال عن إزالة السيطرة العسكرية على المدن والمناطق، بينما يركز التصور الأمريكي على وقف إطلاق النار أولاً ثم استخدامه للتفاوض على الترتيبات الأكثر شمولاً.

وقد قدمت الحكومة السودانية رداً أكثر تفصيلاً يتضمن تصوراً من ثلاث مراحل للانسحاب. تبدأ المرحلة الأولى بانسحاب قوات الدعم السريع من مناطق في النيل الأزرق وشمال كردفان وشمال ووسط وغرب دارفور خلال ثلاثين يوماً، ثم تبدأ المرحلة الثانية بعد ثلاثين يوماً بانسحاب القوات من مدن في غرب كردفان وجنوب دارفور، ثم تأتي المرحلة الثالثة بعد ثلاثين يوماً أخرى وتشمل شرق كردفان وجنوب كردفان، مع اقتراح نقطة تجمع في كاودا. ويكشف هذا التصور أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ الانسحاب فقط، بل أيضاً بمكان الانسحاب، ومدته، وتسلسله، ونقاط التجميع، والجهة التي تراقبه، وما إذا كان الانسحاب شرطاً سابقاً لبدء الهدنة أم جزءاً من تنفيذها.

أما قوات الدعم السريع فقد أعلنت قبولها بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر لتسهيل إيصال المساعدات تحت إشراف الأمم المتحدة، لكنها رفضت الانسحاب التدريجي الذي تتضمنه المبادرة، ولا سيما من شمال دارفور وشمال كردفان، واعتبرت أن الترتيبات الأمنية المستقبلية ينبغي أن تراعي واقع السيطرة العسكرية القائم. كما طرحت تصوراً مختلفاً لإعادة بناء المؤسسة العسكرية، يتضمن إعادة هيكلة الجيش على أساس تمثيل الأقاليم والسكان، واستبعاد القوى الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق، وإعادة هيكلة مؤسسات الأمن والاستخبارات، والتحقيق في انتهاكات الحرب، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين، وتفكيك نفوذ النظام السابق في الخدمة المدنية. ولذلك فإن مواقف الطرفين لا تختلف فقط حول الهدنة والانسحاب، بل تختلف أيضاً حول شكل الدولة الأمنية والسياسية التي ينبغي أن تنتج عن التسوية.

وتُظهر المبادرة أن الهدنة الإنسانية المقترحة تؤدي وظيفتين متلازمتين. الوظيفة الأولى إنسانية مباشرة تتمثل في وقف أو خفض القتال بما يسمح بوصول الغذاء والدواء والمياه والخدمات الطبية والمساعدات إلى السكان. أما الوظيفة الثانية فهي سياسية وتفاوضية، إذ يفترض أن توفر فترة التسعين يوماً مساحة للتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار وعلى عملية سياسية مدنية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل اتساع الاحتياجات الإنسانية؛ إذ واجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات من أزمة الغذاء أو أسوأ منها خلال الفترة المحددة في التقييمات الإنسانية لعام 2026، مع وجود عشرات الآلاف في ظروف كارثية، إضافة إلى مخاطر المجاعة في مناطق من دارفور وكردفان، وارتفاع سوء التغذية الحاد بين الأطفال. وبذلك فإن الهدنة ليست مجرد أداة دبلوماسية، وإنما ترتبط مباشرة بقدرة السكان على البقاء والحصول على الغذاء والرعاية الصحية والحماية.

ويرتبط البعد الإنساني كذلك بأزمة النزوح الهائلة. فقد ظل السودان خلال عام 2026 أكبر أزمات النزوح في العالم من حيث الحجم والتعقيد، مع وجود أكثر من ثمانية ملايين نازح داخلياً وملايين آخرين عبر الحدود، إلى جانب ملايين العائدين الذين لم تعن عودتهم بالضرورة انتهاء هشاشة أوضاعهم. وتوضح هذه الأرقام أن وقف القتال وحده لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة؛ إذ تحتاج العودة إلى الأمن المحلي، وإعادة الخدمات، وإزالة مخلفات الحرب، واستعادة المساكن والأراضي، وإعادة فتح المدارس والمرافق الصحية والأسواق، واستعادة سبل كسب العيش. ولذلك ترتبط المبادرة بمفهوم أوسع للعودة والتعافي وليس بمجرد وقف إطلاق النار.

وتحتل العملية السياسية مكانة مركزية في المبادرة. فالهدف المعلن هو الانتقال من الحرب إلى عملية سياسية يقودها المدنيون وتنتهي بحكم مدني وانتخابات. وتفترض المبادرة استخدام الهدنة والوقف الدائم لإطلاق النار كجسر إلى حوار سياسي سوداني، مع التأكيد على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. ويعني ذلك أن التسوية المقترحة لا تستهدف فقط التوصل إلى اتفاق بين القيادتين العسكريتين، بل تسعى إلى إنشاء مسار سياسي أوسع يحدد شكل الدولة والحكومة الانتقالية والعلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية والمجتمع المدني.

غير أن حدود المشاركة السياسية تمثل نقطة خلاف إضافية. فالتصور الأمريكي يستبعد القوى أو الجماعات المسلحة والعناصر المرتبطة بالإسلاميين أو جماعة الإخوان المسلمين التي ارتبطت بارتكاب فظائع، وكذلك الجهات التي ارتبطت بانتهاكات جسيمة. في المقابل طالبت الحكومة السودانية بحوار سوداني داخل البلاد يشمل القوى السياسية بصورة أوسع ومن دون استثناءات مطلقة. ويعكس الخلاف مشكلة أساسية في عمليات الانتقال بعد الحروب، وهي التوازن بين شمول العملية السياسية وبين استبعاد الأطراف التي يُنظر إليها باعتبارها مسؤولة عن العنف أو الانتهاكات. فالشمول الكامل قد يعيد إنتاج القوى التي ساهمت في الأزمة، بينما الاستبعاد الواسع قد يؤدي إلى فقدان العملية السياسية لشرعيتها التمثيلية أو دفع الأطراف المستبعدة إلى استخدام القوة.

وتتجاوز المبادرة الخلاف السياسي المباشر إلى القضية الأكثر عمقاً، وهي مستقبل المؤسسة العسكرية السودانية. فالحرب كشفت عن وجود تعدد عسكري وأمني واسع وعن صعوبة بناء دولة حديثة في ظل وجود قوى مسلحة متعددة ذات مصالح اقتصادية وسياسية وإقليمية مختلفة. ولذلك تتضمن المبادرة هدفاً يتمثل في إنشاء جيش وطني موحد يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، مع برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتجميع القوات. ويطرح ذلك مسألة طويلة الأمد تتجاوز الحرب الحالية، لأنها تتعلق بإعادة تعريف وظيفة القوات المسلحة، وحصر استخدام القوة الشرعية في مؤسسات الدولة، ومنع تكوين جيوش موازية أو شبكات أمنية مستقلة، وإعادة بناء العلاقة المؤسسية بين الجيش والسلطة المدنية.

وتحتاج إعادة بناء المؤسسة العسكرية إلى معالجة قضايا متعددة في وقت واحد، منها حجم القوات، وتسلسل القيادة، والتجنيد، والتمثيل الجغرافي، والتمويل، والعقيدة العسكرية، والرقابة المدنية، والقوانين المنظمة للقوات النظامية، والعلاقة بين القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والشرطة، فضلاً عن وضع المقاتلين السابقين. كما تتطلب ترتيبات واضحة للمساءلة حتى لا تتحول عملية دمج القوات إلى وسيلة لإخفاء الجرائم أو منح الحصانة لمن ارتكب انتهاكات خطيرة. ومن هنا ترتبط ترتيبات نزع السلاح وإعادة الإدماج ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الانتقالية، وليس فقط بإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية.

وتحتل التدخلات الإقليمية والدولية موقعاً مهماً في فهم المبادرة. فالحرب السودانية لم تعد نزاعاً داخلياً خالصاً من حيث مصادر السلاح والتمويل والدعم السياسي والعلاقات الإقليمية، ولذلك تؤكد المبادرة على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وعلى وقف التدخل العسكري الخارجي ودعم الأطراف بالسلاح، وانسحاب المقاتلين الأجانب ووقف تدفقات السلاح غير المشروعة. كما أن تنفيذ المبادرة يتطلب تعاوناً بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ودول إقليمية رئيسية، مع بروز مصر والسعودية والإمارات بوصفها أطرافاً في إطار الرباعية الدبلوماسية، إلى جانب أدوار لدول أخرى مثل قطر وتركيا وشركاء أوروبيين.

وتظهر أهمية العامل الدولي أيضاً في نظام المراقبة المقترح. فالمشكلة الأساسية في أي هدنة سودانية ليست إعلانها فقط، بل القدرة على مراقبة الالتزام بها والتحقق من الخروقات وتحديد المسؤوليات. ولهذا تتضمن المبادرة آلية أممية بمشاركة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ونشر مراقبين، وتكوين لجنة للتنسيق والمتابعة، وآليات لحل النزاعات. ويعتمد نجاح هذه الآلية على قدرتها على العمل ميدانياً، والوصول إلى المناطق المتأثرة، والحصول على معلومات مستقلة، وحماية العاملين فيها، وإصدار تقارير ذات مصداقية، وربط الخروقات بإجراءات سياسية ودبلوماسية واضحة.

ويرتبط البعد الاقتصادي للمبادرة بفكرة أن وقف الحرب لا يؤدي تلقائياً إلى السلام المستدام. فقد أدت الحرب إلى تعطيل الزراعة والصناعة والتجارة والمصارف والخدمات العامة، وإلى تدمير أصول الإنتاج والبنية التحتية، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي واقتصاد الحرب، وتراجع الإيرادات الحكومية، وتضرر سلاسل الإمداد، وتدهور قيمة العملة والقدرة الشرائية. ولذلك تتضمن المبادرة مساراً للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وإحياء الزراعة المحلية، وإنشاء صندوق مخصص لإعادة الإعمار تحت إشراف الحكومة الانتقالية المدنية. ويحتاج هذا المسار إلى معالجة الديون والمالية العامة، وإعادة بناء الجهاز المصرفي، واستعادة الإنتاج الزراعي، وإعادة تأهيل النقل والطاقة والمياه والصحة والتعليم، وإعادة تنظيم الموارد الطبيعية، وخصوصاً الذهب، بما يمنع تحولها مرة أخرى إلى مصدر لتمويل الحرب.

وتكتسب إعادة الإعمار كذلك بعداً اجتماعياً ومؤسسياً. فإعادة بناء المباني وحدها لا تكفي إذا لم تستعد الدولة قدرتها على تقديم الخدمات وإدارة السكان وحماية الحقوق. ولذلك يتطلب التعافي إصلاح الخدمة المدنية، وإعادة تشغيل المؤسسات التعليمية والصحية، وإعادة بناء الإدارة المحلية، وإعادة تنظيم الشرطة والقضاء، وتوفير الوثائق المدنية، واستعادة الأسواق وسبل كسب العيش، ومعالجة قضايا الأرض والسكن وحقوق النازحين والعائدين. كما أن إعادة الإعمار تحتاج إلى آليات شفافة لمنع الفساد والمحسوبية والسيطرة على الموارد من قبل شبكات المصالح التي ارتبطت باقتصاد الحرب.

ويبين تحليل المبادرة أن ترتيب الخطوات لا يقل أهمية عن مضمونها. فهناك عدة تسلسلات ممكنة: وقف إطلاق النار ثم الانسحاب ثم التفاوض السياسي؛ أو وقف إنساني متزامن مع انسحاب تدريجي ومراقبة دولية ثم وقف دائم ثم عملية سياسية؛ أو ربط الهدنة منذ البداية بانسحاب واسع من المدن والمناطق المتنازع عليها. ويكشف الخلاف السوداني الأمريكي حول الانسحاب أن الأطراف لا تزال مختلفة حول هذا التسلسل. كما أن قبول قوات الدعم السريع بالهدنة ورفضها الانسحاب، مقابل قبول الحكومة بفكرة الهدنة مع مطالبتها بانسحاب أوسع، يوضح أن الفجوة الأساسية ليست في الاعتراف بالحاجة الإنسانية وحدها، بل في الشروط الأمنية والسياسية التي ينبغي أن تصاحبها.

ويظهر من تطور المبادرة خلال صيف وخريف 2026 أنها تحولت من وثيقة تفاوضية إلى اختبار للعلاقات بين الولايات المتحدة والحكومة السودانية. فقد استمرت الاتصالات الأمريكية مع الأطراف السودانية والدول الإقليمية، بينما ظلت مسألة الهدنة والانسحاب موضع خلاف. وفي سبتمبر 2026 تصاعد الضغط الدبلوماسي الأمريكي، وظهرت تقارير عن ربط منح تأشيرة دخول لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بالموقف من مقترح الهدنة، ثم أعلن البرهان رفضه للضغط المرتبط بهذه الشروط. ويشير ذلك إلى أن المبادرة لم تتحول حتى ذلك الوقت إلى اتفاق نهائي ملزم لجميع الأطراف، وأن فجوة الثقة لا تزال كبيرة.

وتكشف التطورات أيضاً أن المبادرة الأمريكية تعمل داخل بيئة وساطة متعددة وليست منفردة. فالولايات المتحدة تنسق مع مصر والسعودية والإمارات، وتعمل بالتوازي مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وشركاء دوليين آخرين. ويعكس ذلك حقيقة أن الحرب السودانية مرتبطة بمصالح دول الجوار والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والشرق الأوسط، وأن أي اتفاق يحتاج إلى درجة من التوافق الخارجي لمنع استمرار تدفقات السلاح أو التمويل أو الدعم السياسي للأطراف. وفي الوقت نفسه فإن تعدد الوسطاء يمكن أن يؤدي إلى ازدواجية المبادرات وتعارض الأجندات إذا لم توجد آلية تنسيق واحدة ذات تفويض واضح.

ويشير تحليل المسار بأكمله إلى أن المبادرة الأمريكية تواجه مجموعة من التحديات البنيوية. أولها غياب الثقة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وثانيها أن كل طرف ينظر إلى وقف إطلاق النار والانسحاب باعتبارهما مرتبطين بمكاسب وخسائر عسكرية مستقبلية. وثالثها انتشار القوات والسلاح واتساع مساحة الحرب جغرافياً. ورابعها صعوبة الفصل بين العسكري والسياسي في ظل ارتباط القوى المسلحة بشبكات سياسية واقتصادية. وخامسها صعوبة تحقيق عملية سياسية مدنية واسعة من دون إعادة إنتاج القوى التي ساهمت في الحرب، وفي الوقت نفسه من دون إقصاء قطاعات اجتماعية وسياسية كبيرة. وسادسها أن المراقبة الدولية تحتاج إلى قدرة ميدانية وأمنية ومالية لا تتوافر تلقائياً بمجرد إصدار اتفاق.

وتوجد كذلك تحديات إنسانية واقتصادية ضخمة تجعل الزمن عاملاً حاسماً. فاستمرار الحرب يعني استمرار النزوح والجوع وتدمير الخدمات، بينما تؤدي العودة غير الآمنة إلى إعادة إنتاج النزوح. ولذلك فإن نجاح الهدنة الإنسانية يتطلب فتح ممرات آمنة ومستدامة للمساعدات، وضمان عدم استخدام المساعدات كأداة عسكرية أو سياسية، وإتاحة الوصول إلى السكان في مناطق سيطرة الأطراف المختلفة، وحماية العاملين الإنسانيين. كما يتطلب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي المبكر بمجرد تحسن الوضع الأمني، حتى لا يبقى ملايين السودانيين في حالة اعتماد طويل الأجل على المساعدات.

وتبرز العدالة والمساءلة باعتبارهما مكوناً لا يمكن فصله عن أي تسوية مستقرة. فالحرب شهدت اتهامات وانتهاكات جسيمة ضد المدنيين، ولذلك فإن أي اتفاق يركز على وقف القتال من دون معالجة الانتهاكات قد يترك جذوراً قوية للانتقام وإعادة إنتاج العنف. وفي المقابل فإن العدالة تحتاج إلى مؤسسات وطنية وقضائية قادرة ومستقلة، وإلى آليات دولية عندما تتعذر المساءلة الوطنية. ويشمل ذلك التحقيق في الجرائم، وحماية الشهود والضحايا، وتوثيق الأدلة، ومعالجة الاختفاء القسري والعنف الجنسي والقتل والتعذيب والنهب وتدمير الممتلكات، مع التمييز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية وعدم تحويل العدالة إلى أداة لإقصاء سياسي شامل.

ويخلص التحليل إلى أن المبادرة الأمريكية تمثل إطاراً متعدد المستويات يجمع بين ستة مسارات مترابطة: وقف إنساني عاجل، ترتيبات للانسحاب وإعادة الانتشار، وقف دائم لإطلاق النار، إعادة تنظيم القطاع الأمني، انتقال سياسي مدني، ثم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. غير أن هذه المسارات لا يمكن تنفيذها بصورة مستقلة؛ فنجاح الهدنة يتوقف على آليات المراقبة، ونجاح الانسحاب يتوقف على ترتيبات الأمن، ونجاح العملية السياسية يتوقف على وجود حد أدنى من الأمن، ونجاح الانتقال المدني يتوقف على إعادة بناء المؤسسات، ونجاح إعادة الإعمار يتوقف على استمرار السلام.

وتشير المقارنة بين مواقف الولايات المتحدة والحكومة السودانية وقوات الدعم السريع إلى وجود مساحة مشتركة، لكنها محدودة ومهمة. فالأطراف الثلاثة أبدت، بدرجات مختلفة، اهتماماً بوقف إنساني وإيصال المساعدات، بينما تتركز الخلافات حول الانسحاب العسكري، وشكل الجيش المستقبلي، وحدود العملية السياسية، والمشاركة والاستبعاد، والعلاقة بين الهدنة والانسحاب، ودور الأطراف الدولية، وشكل الدولة بعد الحرب. ومن ثم فإن نقطة الانطلاق الأكثر قابلية للتفاوض ليست الاتفاق على التسوية النهائية، بل تحويل عناصر التوافق الإنساني إلى ترتيبات قابلة للتحقق والمراقبة، ثم استخدام تلك الترتيبات لبناء الثقة والتفاوض على القضايا الأصعب.

والخلاصة الأساسية هي أن المبادرة الأمريكية لا يمكن تقييمها باعتبارها مجرد دعوة إلى هدنة لمدة تسعين يوماً، لأنها في مضمونها محاولة لبناء مسار يبدأ بالاستجابة الإنسانية وينتهي بإعادة صياغة العلاقة بين الجيش والدولة والسياسة. وفي المقابل، لا يمكن اعتبارها اتفاق سلام مكتملًا، لأن القضايا الجوهرية، وخصوصاً نطاق انسحاب قوات الدعم السريع، وتسلسل الانسحاب والهدنة، وشكل العملية السياسية، وترتيبات الجيش الموحد، والمساءلة، وآليات التنفيذ، ما زالت موضع خلاف. كما أن التطورات حتى سبتمبر 2026 تظهر أن الضغط الدبلوماسي لم يؤد بعد إلى إزالة هذه الخلافات.

وبذلك فإن مستقبل المبادرة يرتبط بقدرتها على تحويل المبادئ العامة إلى التزامات محددة وقابلة للقياس، وتحديد الخرائط ومناطق الانتشار ونقاط التجميع والجداول الزمنية بدقة، وإنشاء آلية مراقبة مستقلة وذات قدرة ميدانية، وضمان وصول المساعدات بلا عوائق، وربط خروقات الهدنة بإجراءات واضحة، وبناء مسار سياسي مدني لا يعيد إنتاج الحرب ولا يحول التسوية إلى تقاسم جديد للسلطة بين القوى المسلحة. كما أن أي عملية انتقال ناجحة تحتاج إلى معالجة الأسباب البنيوية التي سمحت بتعدد الجيوش، وتسييس المؤسسة العسكرية، وتراكم اقتصاد الحرب، وتهميش الأقاليم، وضعف المؤسسات المدنية، وتكرار الانقلابات والحروب الأهلية.

وعليه فإن القضية المركزية التي تكشفها المبادرة ليست فقط كيفية إيقاف الحرب الحالية، وإنما كيفية منع تحول وقف الحرب إلى هدنة مؤقتة تتيح إعادة تسليح الأطراف واستئناف القتال. فالسلام المستدام يحتاج إلى وقف فعلي للعنف، وترتيبات أمنية قابلة للتحقق، ومؤسسات مدنية قادرة، ومساءلة عن الانتهاكات، وتسوية سياسية ذات قاعدة اجتماعية واسعة، وإعادة توزيع عادل للموارد والفرص، وإعادة إعمار قادرة على استعادة حياة السكان، وإطار إقليمي ودولي يمنع استمرار التدخلات التي تغذي الحرب. وبهذا المعنى، فإن نجاح المبادرة لا يتحدد بإعلان الهدنة وحده، وإنما بقدرتها على تحويل الهدنة إلى بداية لمسار مؤسسي طويل ينقل السودان من منطق الحرب وتعدد مراكز القوة إلى دولة مدنية موحدة تحتكر مؤسساتها الرسمية استخدام القوة وتخضع فيها المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: مبادرة انتقلت من هدنة إنسانية إلى محاولة لإعادة هندسة مسار الحرب والسلام

تمثل المبادرة الأمريكية التي طرحها المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في عام 2026 أحدث محاولة أمريكية منظمة لإيجاد مسار تفاوضي لإنهاء الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ولا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد دعوة إلى وقف إطلاق النار، لأن بنيتها المنشورة والمتداولة تجمع بين هدنة إنسانية وطنية لمدة 90 يوماً، وآلية دولية وإقليمية لمراقبة التنفيذ، وترتيبات للانسحاب وإعادة الانتشار، ومفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار، وترتيبات أمنية تشمل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتجميع القوات، ومسار سياسي مدني سوداني، ثم مرحلة للإنعاش الاقتصادي وإعادة الإعمار. ولذلك فإن جوهر المبادرة ليس فقط إيقاف القتال مؤقتاً، وإنما محاولة تحويل الهدنة إلى بوابة متدرجة من وقف الأعمال العدائية إلى إعادة ترتيب البيئة الأمنية والسياسية التي أنتجت الحرب (Sudan Tribune, 2026).

وتكتسب المبادرة أهمية خاصة لأن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين قوتين مسلحتين، بل أصبحت أزمة متعددة المستويات تشمل السيطرة الإقليمية، وانقسام مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، والتدخلات الخارجية، والتهجير الجماعي، وانهيار الخدمات، وتدهور الاقتصاد، وانعدام الأمن الغذائي، وتفكك شبكات الإدارة المحلية، وظهور ترتيبات حكم متنافسة. وقد بلغ عدد النازحين داخلياً وفق بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة نحو 11.58 مليوناً في ذروة يناير 2025، ثم انخفض إلى نحو 8.58 مليوناً في أغسطس 2026، مع تسجيل ملايين العائدين، وهو انخفاض لا يعني انتهاء أزمة النزوح وإنما يعكس جزئياً عودة بعض السكان إلى مناطقهم أو تغير أنماط الحركة تحت ضغط الظروف الأمنية والاقتصادية (IOM, 2026).

وفي الوقت نفسه، تشير أحدث تحليلات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني، أي قرابة 41% من السكان، كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين فبراير ومايو 2026، منهم نحو 135 ألفاً في المرحلة الخامسة، وأكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، مع استمرار خطر المجاعة في مناطق من شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان في السيناريو الأسوأ (IPC, 2026).

ومن هنا تأتي القيمة التحليلية للمبادرة: فهي تحاول معالجة المشكلة عبر تسلسل سببي يبدأ بتقليل العنف وفتح الممرات الإنسانية، ثم تثبيت الهدنة، ثم معالجة الانتشار العسكري، ثم الانتقال إلى وقف دائم وإطار سياسي مدني، ثم إعادة البناء. غير أن أهم نقطة خلافية ظهرت منذ نشر تفاصيلها تتعلق تحديداً بمدى الانسحاب العسكري المطلوب من قوات الدعم السريع، وبالفرق بين انسحاب محدود ومتدرج من مناطق ذات أولوية كما تضمن المقترح الأمريكي، وبين انسحاب شامل من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع منذ 11 مايو 2023 كما طالبت الحكومة السودانية في ردها. وهذا الفرق ليس تفصيلاً فنياً؛ بل يمثل جوهر الخلاف حول ترتيب العلاقة بين وقف إطلاق النار وتغيير موازين السيطرة على الأرض (Abdelaziz, 2026).

أولاً: السياق الذي أنتج المبادرة الأمريكية الجديدة وتحول الوساطة من وقف القتال إلى معالجة بنية الحرب

اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بعد تراكم الخلافات بين قيادة القوات المسلحة السودانية وقيادة قوات الدعم السريع بشأن مسار الانتقال السياسي وبخاصة مستقبل عملية دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، وتطورت سريعاً إلى حرب واسعة النطاق داخل الخرطوم ثم امتدت إلى دارفور وكردفان والجزيرة والنيل الأزرق ومناطق أخرى. ومع مرور أكثر من ثلاث سنوات، أصبح وقف إطلاق النار أكثر تعقيداً من مجرد اتفاق بين قيادتين عسكريتين؛ إذ تغيرت خريطة السيطرة، وظهرت شبكات تمويل وتسليح خارجية، وتداخلت القوات النظامية مع حركات مسلحة وقوات محلية، وارتبطت السيطرة العسكرية بالموانئ والطرق التجارية ومناطق الإنتاج الزراعي ومناجم الذهب وممرات الإمداد.

وتشير الخبرة السودانية منذ إعلان جدة في مايو 2023 إلى أن الاتفاقات الإنسانية المؤقتة يمكن أن تساعد في فتح ممرات للمساعدات، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تتوافر آليات فعالة للتحقق من الالتزام ومحاسبة المنتهكين وربط الهدنة بمسار تفاوضي قادر على معالجة القضايا الأمنية والسياسية. وقد كان إعلان جدة نفسه قائماً على التزامات بحماية المدنيين وتسهيل المساعدات الإنسانية، لكن استمرار القتال أظهر الفجوة بين النصوص والقدرة على التنفيذ (U.S. Department of State, 2023).

وقد انتقلت الوساطة الأمريكية في 2026 من مجرد الضغط من أجل هدنة قصيرة إلى محاولة صياغة حزمة أكثر تركيباً. وتوضح المعلومات المنشورة أن المسار الذي قاده بولس تضمن اتصالات مباشرة مع الطرفين، كما شهد لقاءً في القاهرة في 21 يونيو 2026 مع الفريق شمس الدين كباشي، أعقبه إطلاع قيادة السلطة السودانية على مضمون النقاش. وبعد ذلك جرى تبادل مقترحات وردود مكتوبة، ما جعل المبادرة أقرب إلى عملية تفاوضية متدرجة منها إلى إعلان سياسي منفرد (Sudan Tribune, 2026).

وتزامن ذلك مع إعادة تنشيط إطار «الرباعية» الذي يضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، ومع محاولات تنسيق أوسع مع أطراف أوروبية وإفريقية وعربية. وفي سبتمبر 2026 أعلن بولس استمرار العمل مع مصر والسعودية والإمارات، مع اتصالات مع دول أخرى لدفع مسار هدنة إنسانية، بينما عقد لقاءات في نيويورك مع وزيري الخارجية السوداني والمصري في إطار الجهود الرامية إلى الوصول إلى سلام دائم (Sudan Tribune, 2026).

وتكشف هذه التطورات عن تحول في التفكير الدبلوماسي: فبدلاً من انتظار اتفاق سياسي شامل في نهاية الحرب، تحاول المبادرة إنشاء سلسلة من الخطوات القابلة للتحقق تبدأ بوقف إنساني واسع، ثم ترتيبات أمنية، ثم عملية سياسية. وهذا يتفق مع الممارسات الحديثة في تسوية النزاعات المسلحة التي تفصل، من الناحية التنفيذية، بين وقف إطلاق النار، والترتيبات الأمنية الانتقالية، وإعادة تشكيل المؤسسات السياسية، مع وجود روابط واضحة بينها تمنع تحول الهدنة إلى مجرد استراحة عسكرية.

ثانياً: البنية الكاملة للمبادرة الأمريكية ــ هدنة وطنية، مراقبة دولية، انسحاب عسكري، وقف دائم، انتقال مدني وإعمار

تتكون المبادرة، وفق المعلومات التي أمكن التحقق منها من الوثائق والتقارير المنشورة، من مجموعة مترابطة من المكونات. أولها إعلان هدنة إنسانية شاملة وفورية على مستوى السودان لمدة 90 يوماً. والهدف المعلن للهدنة هو تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المتضررين، وحماية المدنيين، وحماية البنية التحتية والمرافق والخدمات العامة، وتهيئة ظروف تسمح بإصلاح ما يمكن إصلاحه خلال فترة الهدنة (Sudan Tribune, 2026).

ويتميز المقترح بأن الهدنة ليست محلية أو مرتبطة بمدينة معينة، وإنما ذات نطاق وطني. وهذه نقطة مهمة في حرب أصبحت خطوطها العسكرية مترابطة؛ إذ إن فتح طريق إنساني في دارفور دون وقف الهجمات على الطرق في كردفان، أو فتح ممر في الخرطوم دون حماية طرق الإمداد إلى مناطق أخرى، لا يضمن وصول المساعدات بصورة مستدامة. ولهذا ترتبط المبادرة بفكرة وجود لجنة تنسيق تشرف على التنفيذ، وآليات للرصد والتحقق وتسوية الخلافات التي قد تظهر أثناء فترة الهدنة.

العنصر الثاني هو إنشاء آلية تابعة للأمم المتحدة بمشاركة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية لدعم تنفيذ عمليات الانسحاب العسكري المحدودة وإرسال مراقبين دوليين لمتابعة الالتزام. وهذا يعني أن المبادرة لا تفترض أن الطرفين قادران وحدهما على إنتاج الثقة اللازمة لتنفيذ الانسحاب، وإنما تقترح وجود طرف ثالث يساعد على التحقق من التحركات العسكرية، ويقلل من خطر استخدام الانسحاب كذريعة لإعادة التموضع الهجومي (Sudan Tribune, 2026).

العنصر الثالث هو استثمار فترة الهدنة في التفاوض غير المباشر من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار. وهنا يظهر الفرق بين «الهدنة الإنسانية» و«وقف إطلاق النار الدائم»: الهدنة فترة مؤقتة هدفها إنساني وأمني مباشر، أما وقف إطلاق النار الدائم فيفترض ترتيبات أكثر تعقيداً تشمل خطوط الانتشار، وآليات التحقق، وإدارة القوات، وفتح الطرق، وحماية السكان، والتعامل مع المناطق المتنازع عليها، ومنع إعادة التسليح والهجمات الانتقامية.

العنصر الرابع هو الترتيبات الأمنية. وتشمل، بحسب الصيغة المنشورة، الانسحاب وإعادة الانتشار عند الضرورة، وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتجميع القوات في معسكرات أو مواقع محددة، والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع للمساءلة أمام سلطة مدنية منتخبة، مع نشر مراقبين دوليين وإقليميين للتحقق من الالتزام بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين (Al Jazeera, 2026).

العنصر الخامس هو العملية السياسية. وتدعو المبادرة إلى حوار سوداني شامل يقود إلى انتقال مدني ثم إلى انتخابات، مع اشتراط ألا تتحول العملية السياسية إلى منصة للقوى المسلحة أو الجماعات التي ارتكبت انتهاكات جسيمة، كما تتضمن استبعاد حزب المؤتمر الوطني والجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بحسب الصياغات التي نقلتها المصادر عن الوثيقة الأمريكية (Sudan Tribune, 2026).

العنصر السادس هو التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. وتشير المعلومات المنشورة إلى إعادة تنشيط الإنتاج الزراعي المحلي، ودعم الاستقرار الاقتصادي، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية تحت إشراف حكومة انتقالية مدنية. ويكتسب هذا الجانب أهمية لأن استمرار انهيار الاقتصاد قد يقوض أي وقف إطلاق نار، إذ إن انعدام الرواتب، وانهيار الخدمات، وتدمير الأسواق والطرق والمصانع، وفقدان مصادر الدخل يمكن أن يوفر بيئة لإعادة إنتاج التعبئة المسلحة حتى بعد توقف المعارك الرئيسية.

ثالثاً: خريطة الانسحاب العسكري ــ ما الذي تطلبه الورقة الأمريكية فعلاً وما الذي تطلبه الحكومة السودانية؟

هذه هي النقطة الأكثر أهمية في فهم المبادرة، وهي أيضاً أكثر النقاط عرضة للخلط في الخطاب الإعلامي. فالمعلومات المتاحة لا تثبت أن الورقة الأمريكية الأصلية تطالب بانسحاب قوات الدعم السريع من كل السودان أو من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 2023 في المرحلة الأولى. ما تؤكده التقارير الموثوقة هو أن المقترح الأمريكي تحدث عن انسحابات عسكرية محدودة ومتدرجة، مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان، ضمن آلية تقودها الأمم المتحدة وتشارك فيها جهات إقليمية ودولية (Abdelaziz, 2026).

وقد اكتسب شمال دارفور أولوية خاصة بسبب التحولات العسكرية الكبرى التي شهدتها المنطقة، ولا سيما سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع بعد معارك طويلة، بينما اكتسب شمال كردفان أهمية بسبب موقعه الجغرافي الاستراتيجي وبسبب الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت مناطق ذات أهمية عسكرية وإنسانية، ومن بينها محيط الأبيض وممرات الحركة في كردفان (Abdelaziz, 2026).

أما رد الحكومة السودانية فكان أكثر شمولاً بكثير. فقد اشترطت الحكومة، وفق ما نقلته رويترز والجزيرة، انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023، وهو التاريخ المرتبط بإعلان جدة الذي وقعته القوات المسلحة والدعم السريع برعاية أمريكية وسعودية. ومن ثم فإن الحكومة لم تقبل مبدأ الانسحاب المحدود بوصفه نقطة البداية، بل أرادت أن يكون الانسحاب الواسع من المدن شرطاً لتهيئة البيئة الملائمة للهدنة ووقف إطلاق النار (Abdelaziz, 2026; النور، 2026).

وفي الرد السوداني الذي نقلته الجزيرة، جرى تفصيل انسحاب قوات الدعم السريع من المدن في ثلاث مراحل. تبدأ المرحلة الأولى خلال 30 يوماً وتشمل إقليم النيل الأزرق، وولاية شمال كردفان، وشمال ووسط وغرب دارفور. ثم تبدأ المرحلة الثانية خلال 30 يوماً من اكتمال المرحلة الأولى وتشمل مدن ولايتي غرب كردفان وجنوب دارفور. أما المرحلة الثالثة فتبدأ خلال 30 يوماً من تنفيذ المرحلة الثانية وتشمل ولايتي شرق كردفان وجنوب كردفان، مع اقتراح تجميع القوات في كاودا، وهي منطقة ترتبط بالحركة الشعبية لتحرير السودان ــ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، التي كانت لها تحالفات ميدانية مع الدعم السريع وفق التقارير المنشورة (النور، 2026).

وبذلك يجب التمييز بدقة بين ثلاث خرائط مختلفة. الخريطة الأولى هي خريطة المبادرة الأمريكية، التي أعطت الأولوية للانسحاب المحدود، خصوصاً في شمال دارفور وشمال كردفان. الخريطة الثانية هي خريطة الرد الحكومي السوداني، التي وسعت الانسحاب إلى مجموعة كبيرة من مناطق دارفور وكردفان والنيل الأزرق وفق جدول زمني من ثلاث مراحل. والخريطة الثالثة هي المطلب السياسي الأوسع للحكومة، وهو الانسحاب من جميع المدن التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع منذ 11 مايو 2023. والخلط بين هذه الخرائط الثلاث يؤدي إلى نسبة شروط الحكومة إلى الورقة الأمريكية أو العكس، وهو أمر لا تدعمه الأدلة المتاحة (Abdelaziz, 2026; النور، 2026).

وفي المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع قبولها مبدأ هدنة مدتها ثلاثة أشهر، لكنها رفضت الانسحاب التدريجي من المناطق التي تسيطر عليها، معتبرة أن هذه المناطق أصبحت جزءاً من الواقع العسكري الذي يجب أن يدخل في ترتيبات التسوية. ونقلت «سودان تريبيون» عن مصدر من الدعم السريع أن مقترحها تضمن شروطاً حول الترتيبات الأمنية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة والعدالة الانتقالية والحوار السياسي، مع قبول هدنة تحت إشراف الأمم المتحدة في دارفور وكردفان والدمازين وجبال النوبة، مع رفض الانسحاب المقترح من شمال دارفور وشمال كردفان (Sudan Tribune, 2026).

وبالتالي فإن الخلاف الحقيقي لا يدور فقط حول «هل توجد هدنة أم لا؟»، بل حول من يتحرك أولاً، ومن ينسحب، ومن يراقب الانسحاب، وما هو خط الأساس الذي تقاس إليه الحركة العسكرية، وهل الانسحاب شرط سابق للهدنة أم نتيجة تفاوضية للهدنة، وهل المناطق التي تخليها القوات تصبح مناطق منزوعة السلاح أم تعود إليها القوات الحكومية أم تنتشر فيها قوات محايدة؟

رابعاً: لماذا أصبح الانسحاب العسكري عقدة المبادرة؟

الانسحاب العسكري في النزاعات الداخلية ليس مجرد تحريك وحدات من نقطة إلى أخرى. فهو يرتبط مباشرة بمشكلة الأمن والردع والثقة. فإذا انسحب طرف من منطقة استراتيجية دون ضمانات، فقد يعتقد أن الطرف الآخر سيستغل الانسحاب لاحتلالها أو مهاجمة قواته في مناطق أخرى. وإذا لم ينسحب أي طرف، فقد تصبح الهدنة مجرد فترة لإعادة التسليح وإعادة التموضع.

في الحالة السودانية تزداد المشكلة تعقيداً بسبب عدم وجود جيشين متكافئين من حيث البنية المؤسسية، وبسبب انتشار تشكيلات مسلحة محلية وحركات مسلحة، وارتباط بعض مناطق النزاع بصراعات تاريخية حول الأرض والموارد والسلطة. كما أن دارفور وكردفان ليستا مجرد ساحات عسكرية؛ فهما فضاءان جغرافيان واسعان، وتوجد داخلهما مدن وقرى ومخيمات للنازحين وطرق تجارية ومناطق زراعية وممرات رعوية وحدود دولية.

ومن منظور دراسات تسوية النزاعات، فإن الترتيبات الأمنية الأكثر قابلية للاستمرار عادةً تتطلب تحديد خطوط الانتشار، وتسجيل القوات والأسلحة، ووجود آلية للتحقق، وجدولاً زمنياً واقعياً، وترتيبات للاتصال المباشر بين القادة المحليين، ونظاماً لتسوية الحوادث قبل أن تتحول إلى خرق واسع لوقف إطلاق النار. وهذه المبادئ تنسجم مع أدبيات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وبناء ترتيبات الأمن الانتقالي (United Nations, 2019).

ويظهر في المبادرة الأمريكية إدراك لهذا التعقيد من خلال اقتراح آلية أممية ومراقبين دوليين. إلا أن وجود المراقبين لا يحل المشكلة تلقائياً؛ إذ يحتاجون إلى حرية حركة، ووصول إلى المناطق العسكرية، وخرائط دقيقة، ووسائل اتصالات، وقواعد واضحة لتحديد الخرق، وإمكانية رفع تقارير موثوقة بسرعة، وإطار سياسي يضمن أن تقرير الخرق سيؤدي إلى إجراء تفاوضي أو سياسي مناسب.

خامساً: الهدنة الإنسانية كأداة إنقاذ وكاختبار للثقة السياسية

تأتي مدة 90 يوماً في المبادرة منطقية من الناحية الإنسانية لأنها أطول بكثير من الهدن القصيرة التي تسمح عادة بإدخال شحنات محدودة من الغذاء والدواء دون أن تمنح المنظمات الإنسانية الوقت الكافي لإعادة بناء شبكات التوزيع. فالاستجابة الإنسانية في السودان تحتاج إلى إعادة فتح الطرق، وإعادة تأهيل المخازن، ونقل الموظفين، وتحديد مسارات آمنة، وإعادة تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية، وتوفير الوقود، وإعادة بناء سلاسل الإمداد.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن النازحين ظلوا موزعين في جميع الولايات الثماني عشرة، مع أكثر من 8.58 مليون نازح داخلياً في أغسطس 2026، بينما بلغ عدد العائدين أكثر من خمسة ملايين وفق الجولة نفسها. وهذا يعني أن أي هدنة وطنية تحتاج إلى التعامل مع السكان النازحين والعائدين معاً، لأن عودة الناس إلى مناطق غير آمنة أو مدمرة قد تحول «العودة» إلى موجة نزوح جديدة (IOM, 2026).

ويزداد الأمر إلحاحاً بالنظر إلى وضع الأمن الغذائي. فوجود نحو 19.5 مليون شخص في مراحل انعدام الأمن الغذائي الحاد 3 أو أعلى يجعل أي تعطيل للزراعة أو الأسواق أو الطرق سبباً محتملاً لتفاقم الأزمة. كما أن خطر المجاعة لا يرتبط بالغذاء وحده؛ بل يتأثر بالصراع، والوصول الإنساني، والصحة، والمياه، والصرف الصحي، والنزوح. ولهذا فإن نجاح الهدنة يجب ألا يقاس فقط بعدد الانتهاكات العسكرية، وإنما أيضاً بمؤشرات إنسانية قابلة للقياس، مثل عدد الشاحنات التي عبرت، وكمية الغذاء والدواء التي وصلت، وعدد المرافق الصحية التي أعيد تشغيلها، وعدد المدنيين الذين تمكنوا من الوصول إلى الخدمات (IPC, 2026).

وتكمن إحدى نقاط القوة المؤسسية في المقترح في ربط الهدنة بآليات تنسيق ومراقبة، لكن التحدي يكمن في تحويل الهدنة من إعلان سياسي إلى نظام تشغيل يومي. فالهدنة الفعالة تحتاج إلى غرفة عمليات مشتركة أو آلية تنسيق واضحة، وخطوط ساخنة بين الأطراف، وخرائط محدثة، وقائمة بالطرق الإنسانية، وقواعد لحركة القوافل، وآلية فورية لمعالجة الحوادث، ونظام علني لإبلاغ السكان بمواعيد فتح الطرق ومناطق الحظر.

سادساً: العملية السياسية ــ الانتقال من التفاوض بين المسلحين إلى عملية مدنية سودانية

تتضمن المبادرة الأمريكية الانتقال من الهدنة إلى عملية سياسية سودانية تقود إلى حكم مدني وانتخابات. وهذه النقطة مهمة لأن اتفاقاً عسكرياً ثنائياً قد ينهي المعارك بين القوات المسلحة والدعم السريع لكنه لا يحل السؤال الأكبر المتعلق بنظام الحكم، والعلاقة بين الجيش والدولة، ومستقبل الحركات المسلحة، والإصلاح المؤسسي، والعدالة، وإدارة الموارد.

وتنص الصياغات المنشورة على أن العملية السياسية ينبغي أن تكون بقيادة سودانية ومدنية، وأن تستبعد حزب المؤتمر الوطني والجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك المليشيات أو الأفراد المتهمين بارتكاب فظائع، وفق الصياغة الأمريكية المنقولة في التقارير. وهذا يعكس محاولة لتجنب تكرار تجربة الانتقالات السابقة التي أصبحت فيها القوى المسلحة قادرة على فرض شروطها على النظام السياسي (Sudan Tribune, 2026).

لكن هذه النقطة تثير بدورها سؤالاً حول معيار التمثيل السياسي. فاستبعاد الجماعات التي شاركت في ارتكاب جرائم جسيمة يمكن أن يكون جزءاً من آلية حماية للعملية الانتقالية، لكن تحديد من يُستبعد ومن يشارك يحتاج إلى معايير قانونية وإجرائية واضحة حتى لا تتحول «الحماية من التطرف أو العنف» إلى أداة إقصاء سياسي غير محددة. ولهذا ينبغي أن ترتبط المشاركة بالالتزام بعدم استخدام العنف، وبالقبول بالعملية المدنية، وبالمساءلة عن الجرائم الجسيمة، وليس بمجرد الانتماء السياسي المجرد.

وقد ظهر خلاف آخر عندما طالبت الحكومة السودانية بأن تكون العملية السياسية سودانية داخل السودان وأن تشمل القوى السياسية المختلفة، بينما أشارت الصياغة الأمريكية إلى استبعاد المؤتمر الوطني والجماعات المتطرفة والمليشيات والأفراد المتورطين في الفظائع (Sudan Tribune, 2026).

والحل المؤسسي الأكثر وضوحاً لهذه المشكلة هو الفصل بين الحق في المشاركة السياسية والمسؤولية الجنائية. فالمشاركة السياسية ينبغي أن تخضع لقواعد دستورية، بينما الجرائم الجسيمة ينبغي أن تخضع للتحقيق والقضاء. وبذلك لا يصبح الحوار السياسي بديلاً عن العدالة، ولا تتحول العدالة إلى وسيلة لإلغاء التعدد السياسي.

سابعاً: الجيش الموحد ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ــ القضية الأمنية التي تقرر مستقبل الدولة

تضع المبادرة مبدأ الحفاظ على جيش وطني موحد وخاضع للمساءلة أمام حكومة مدنية منتخبة، مع ترتيبات لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وهذا المبدأ يعالج أحد جذور الأزمة السودانية، أي وجود مراكز متعددة للقوة المسلحة خارج التسلسل المؤسسي الواحد.

وقد أظهرت الحرب أن وجود قوة شبه عسكرية كبيرة مستقلة عن البنية العسكرية التقليدية يجعل الانتقال السياسي شديد الهشاشة. وفي الوقت نفسه فإن إعادة إدماج المقاتلين ليست عملية تقنية يمكن تنفيذها بمجرد توقيع اتفاق. فهي تتطلب تحديد من يمكن إدماجه، وفي أي رتبة، وتحت أي قيادة، وما هي شروط الخدمة، ومن يخضع للفحص الأمني، وكيف تتم معالجة المقاتلين الذين ارتكبوا جرائم، وما البدائل الاقتصادية لمن لا يدخل القوات النظامية.

ولهذا فإن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج الناجحة تعتمد على الربط بين الترتيبات العسكرية وإعادة بناء الاقتصاد المحلي، خصوصاً في المناطق التي يعتمد فيها آلاف المقاتلين السابقين على شبكات الحرب لكسب العيش. ويصبح التدريب المهني، والتعليم، والعمل الزراعي، وإعادة تأهيل البنية الأساسية جزءاً من الأمن، وليس مجرد سياسة اجتماعية.

كما أن فكرة «الجيش الوطني الموحد» ينبغي أن تُترجم إلى إصلاح مؤسسي أوسع يشمل مهنية القوات المسلحة، والرقابة المدنية على الميزانية الدفاعية، وتوحيد سلسلة القيادة، وإصلاح الاستخبارات والأمن، وتنظيم القوات الخاصة، ووضع قواعد شفافة للتجنيد والترقية، وإبعاد المؤسسات العسكرية عن النشاط الاقتصادي الذي يخلق مصالح ذاتية في استمرار النزاع.

ثامناً: البعد الإقليمي والدولي ــ لماذا لا يمكن تنفيذ المبادرة أمريكياً وحده؟

تقوم المبادرة في جوهرها على اعتراف ضمني بأن الحرب السودانية أصبحت مرتبطة بالبيئة الإقليمية. ولهذا تظهر الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات في إطار الرباعية، بينما تشارك الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية في جوانب مختلفة من الوساطة والمراقبة.

وقد أكدت الرباعية في بيانها المشترك لعام 2025 مجموعة من المبادئ، منها سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفض الحل العسكري، وضرورة الوصول الإنساني السريع والآمن وغير المقيد، وحماية المدنيين وفق القانون الدولي الإنساني (Quad, 2025).

لكن تعدد الوسطاء يخلق مشكلة مقابلة هي تعدد المنصات. وقد أشارت مناقشات دبلوماسية سودانية ودولية إلى أن تعدد مسارات الوساطة يمكن أن يؤدي إلى تنافس بين المبادرات بدلاً من تكاملها. ولذلك فإن نجاح المبادرة الأمريكية لا يعتمد فقط على قدرة واشنطن على إقناع الجيش والدعم السريع، بل أيضاً على قدرتها على تنسيق مواقف القوى الإقليمية والدولية التي تستطيع التأثير على الطرفين.

وتزداد أهمية ذلك لأن الحرب أصبحت مرتبطة بتدفقات السلاح والمقاتلين والتمويل عبر الحدود. ولهذا تتضمن المبادرة الدعوة إلى إنهاء التدخل العسكري الخارجي، ووقف أشكال الدعم الخارجي، وسحب المقاتلين الأجانب، ومنع التدفقات غير المشروعة للأسلحة (Al Jazeera, 2026).

ومن الناحية العملية، يحتاج هذا البند إلى آلية تحقق مستقلة. فالإدانة السياسية لا تكفي لمنع تدفق الأسلحة؛ بل ينبغي تطوير نظام لرصد حركة الطيران والشحن والنقل البري، وتبادل المعلومات، وتطبيق العقوبات على الأفراد والشركات والشبكات التي تثبت مشاركتها في خرق حظر السلاح.

تاسعاً: الاقتصاد وإعادة الإعمار ــ السلام الذي لا يستطيع السكان الاستفادة منه اقتصادياً يبقى هشاً

تتضمن المبادرة إنشاء صندوق لإعادة الإعمار ودعم الاستقرار الاقتصادي واستعادة الإنتاج الزراعي وإصلاح البنية الأساسية. وهذه العناصر ليست إضافات ثانوية، لأن الحرب أدت إلى تعطيل الإنتاج الزراعي والتجارة والخدمات والأسواق والعمل المصرفي والنقل.

وقد جعل تدمير البنية الاقتصادية الحرب أكثر تكلفة من الناحية الإنسانية. فحتى المناطق التي لا تشهد قتالاً مباشراً يمكن أن تتأثر بسبب انقطاع طرق التجارة، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع تحويلات العاملين، وانخفاض الإيرادات العامة، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية.

ولذلك ينبغي أن يرتبط صندوق إعادة الإعمار بثلاثة مبادئ: الأول هو الشفافية المالية والتدقيق المستقل؛ والثاني إعطاء الأولوية للخدمات الأساسية والبنية المنتجة؛ والثالث عدم تحويل أموال إعادة الإعمار إلى مصدر جديد للريع السياسي أو العسكري.

ويكتسب القطاع الزراعي أهمية خاصة. فإعادة تشغيل الزراعة في الجزيرة والقضارف والنيل الأبيض وسنار ومناطق دارفور وكردفان يمكن أن تقلل الاعتماد على الواردات والمساعدات، وتوفر فرص العمل، وتعيد تنشيط الأسواق المحلية. لكن ذلك يتطلب الأمن على الطرق، وتوفير المدخلات، وإصلاح الري، وحماية الأراضي، وحل نزاعات الحيازة، وضمان عودة النازحين دون خلق صراعات جديدة على الأرض.

عاشراً: نظام المراقبة والتنفيذ ــ الدرس الأهم من إخفاقات الهدن السابقة

المشكلة المركزية في أي اتفاق سوداني ليست فقط صياغة النص، بل قابلية التنفيذ. ولهذا فإن آلية المراقبة التي تقترحها المبادرة تحتاج إلى أن تكون أكثر تفصيلاً من مجرد إرسال مراقبين.

ينبغي أن تتضمن الآلية قاعدة بيانات مشتركة للخطوط الأمامية، وسجلاً للقوات والأسلحة الثقيلة، وخرائط رقمية محدثة، ونقاط اتصال معتمدة، ونظاماً لتلقي الشكاوى، وفرق تحقق ميدانية، وآلية لتصنيف الانتهاكات إلى بسيطة ومتوسطة وجسيمة، وإجراءات محددة للتعامل مع كل فئة.

وينبغي أيضاً التمييز بين الخرق الفردي والخرق المنظم. فقد يقع إطلاق نار محدود بسبب سوء فهم بين وحدتين، بينما قد تكون هناك عملية عسكرية واسعة جرى التخطيط لها مركزياً. ومعاملة الحالتين بالطريقة نفسها يمكن أن تفشل آلية وقف إطلاق النار.

كما ينبغي أن يكون التقرير عن الانتهاكات سريعاً. ففي النزاعات المسلحة، التأخر في التحقق من الحادث يسمح للأطراف ببناء روايات متضاربة، ويزيد خطر الانتقام. ولذلك يمكن اعتماد نظام «التحقق خلال 24 إلى 72 ساعة» للحوادث الكبرى، مع نشر تقارير دورية للرأي العام السوداني والدولي.

ويجب أن ترتبط المراقبة بالمساعدات الإنسانية. فإذا ثبت خرق يؤدي إلى إغلاق طريق إنساني، ينبغي أن تكون هناك آلية دبلوماسية وعملية لإعادة فتحه فوراً، وليس انتظار نهاية الهدنة.

حادي عشر: نقاط القوة والقيود ومواطن الاختبار في المبادرة الأمريكية

تكمن إحدى السمات المهمة للمبادرة في أنها لا تفصل بين الإغاثة والسلام، بل تجعل الهدنة الإنسانية مدخلاً إلى التسوية السياسية. وهذا مهم في حالة السودان لأن الأزمة الإنسانية بلغت مستوى يجعل أي عملية سلام منفصلة عن الاحتياجات الإنسانية عرضة لفقدان الشرعية الاجتماعية.

كما أن المبادرة تعترف بالحاجة إلى طرف ثالث للمراقبة، وتربط الهدنة بالتفاوض على وقف دائم، وتتناول الترتيبات الأمنية، وتطرح نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتربط التسوية السياسية بالحكم المدني وإعادة الإعمار. ومن الناحية النظرية، يمثل ذلك انتقالاً من اتفاق «وقف إطلاق النار» إلى إطار متعدد المراحل.

لكن المبادرة تواجه عدة قيود. أولها عدم اتفاق الطرفين على نقطة البداية العسكرية. فالحكومة السودانية تريد انسحاباً واسعاً لقوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي سيطرت عليها، بينما ركزت الورقة الأمريكية المنشورة على انسحابات محدودة ذات أولوية، بينما قبل الدعم السريع الهدنة لكنه رفض الانسحاب التدريجي من مناطق سيطرته (Abdelaziz, 2026; Sudan Tribune, 2026).

وثانيها أن وقف القتال لا يحل تلقائياً مسألة الشرعية السياسية. فحتى إذا توقفت المعارك، سيظل السؤال قائماً حول شكل السلطة الانتقالية، ومن يمثل المدنيين، وكيف يتم التعامل مع القوات المسلحة والدعم السريع والحركات المسلحة، وكيف تتم العدالة الانتقالية.

وثالثها أن العملية تحتاج إلى قبول إقليمي متزامن. فوجود دعم خارجي لأي من الطرفين يمكن أن يقلل من الحافز على تقديم التنازلات. ولهذا فإن دعوة المبادرة إلى وقف التدخل العسكري الخارجي لا يمكن تنفيذها دون تعاون إقليمي واسع.

ورابعها أن الهدنة نفسها قد تتحول إلى مرحلة لإعادة التموضع إذا لم تكن مصحوبة بآليات تحقق قوية. ولذلك فإن أفضل ممارسة مؤسسية هي جعل كل مرحلة مرتبطة بمؤشرات تنفيذ قابلة للتحقق، لا بمجرد تصريحات سياسية.

وخامسها أن العودة إلى الانتخابات بسرعة يمكن أن تكون غير واقعية في ظل النزوح والتدمير وانهيار السجل المدني والبنية الإدارية. ولذلك فإن الانتخابات ينبغي أن تأتي بعد إعادة بناء الحد الأدنى من البيئة المؤسسية والأمنية، لا بوصفها بديلاً عن إصلاح الدولة.

ثاني عشر: الوضع الراهن للمبادرة حتى سبتمبر 2026 ــ من وثيقة تفاوضية إلى أزمة ثقة سياسية

حتى أواخر سبتمبر 2026، لا توجد أدلة موثوقة على أن المبادرة تحولت إلى اتفاق نهائي نافذ بين الطرفين. بل تشير التطورات إلى استمرار التفاوض والضغط الأمريكي. ففي 22 سبتمبر أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة حجبت تأشيرة دخول قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وسط تقارير عن ربط الأمر بقبول هدنة مدتها 90 يوماً اقترحها بولس، في حين أبدت الحكومة السودانية تحفظات على الصيغة الأمريكية (Reuters, 2026).

وفي 26 سبتمبر أعلن البرهان علناً رفضه للضغط المتعلق بالتأشيرة وشروط الهدنة، وهو ما يؤكد أن الخلاف حول المبادرة لم يكن قد حُسم حتى ذلك التاريخ (Sudan Tribune, 2026).

وفي الوقت نفسه استمرت واشنطن في التواصل مع مصر والسودان والأطراف الإقليمية. وأكد بولس في سبتمبر أن الهدف هو الوصول إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى حوار مدني شامل وسلام دائم، بينما واصلت دول ومنظمات أخرى الضغط من أجل وقف القتال (Sudan Tribune, 2026).

كما ظهرت محاولة لتوسيع التنسيق الدولي حول السودان خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مع اتصالات بين أعضاء الرباعية والخماسية ودول أخرى، في محاولة لتقليل تعدد مسارات الوساطة وزيادة التنسيق الدولي (Sudan Tribune, 2026).

وفي المقابل، ظلت البيئة الإنسانية شديدة الخطورة. فقد واصلت الأمم المتحدة التحذير من العنف في كردفان، وأكدت أن الأبيض تمثل مركزاً حيوياً للعمليات الإنسانية في الإقليم، وأن العاملين في المجال الإنساني والمدنيين يحتاجون إلى حماية وضمان وصول المساعدات (United Nations, 2026).

وهكذا فإن المبادرة دخلت مرحلة الاختبار الأصعب: لم تعد المشكلة هي معرفة عناصرها الرئيسية، فقد أصبحت معروفة بدرجة معقولة، وإنما كيفية تحويلها إلى التزام متبادل قابل للتحقق، وكيفية حل التناقض بين شرط الانسحاب الذي تطرحه الحكومة وبين رفض الدعم السريع للانسحاب، وكيفية ضمان ألا تتحول الهدنة إلى مجرد تجميد مؤقت لخريطة الحرب.

الخاتمة النقدية: القيمة الحقيقية للمبادرة تتوقف على ترتيب الخطوات لا على إعلانها

تكشف المبادرة الأمريكية الجديدة أن إنهاء حرب السودان يتطلب أكثر من صيغة عامة لوقف إطلاق النار. فهي تحاول بناء تسلسل يبدأ بهدنة إنسانية وطنية لمدة 90 يوماً، يرافقها وصول واسع للمساعدات وحماية المدنيين والبنية التحتية، ثم آلية أممية بمشاركة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية لمراقبة التنفيذ ودعم انسحابات عسكرية محدودة، ثم مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار، وترتيبات أمنية تشمل الانسحاب وإعادة الانتشار ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وتجميع القوات، ثم عملية سياسية مدنية سودانية، ثم إصلاح اقتصادي وإعادة إعمار.

لكن المقارنة الدقيقة بين الورقة الأمريكية ورد الحكومة السودانية وموقف الدعم السريع تكشف أن الانسحاب العسكري هو نقطة الاختناق المركزية. فالورقة الأمريكية، وفق الوثائق والتقارير المنشورة، أعطت الأولوية لانسحاب محدود في شمال دارفور وشمال كردفان ضمن آلية أممية، بينما طالبت الحكومة السودانية بانسحاب الدعم السريع من جميع المدن التي سيطر عليها منذ 11 مايو 2023، وقدمت في ردها جدولاً أكثر اتساعاً من ثلاث مراحل يشمل النيل الأزرق وشمال كردفان وشمال ووسط وغرب دارفور، ثم غرب كردفان وجنوب دارفور، ثم شرق وجنوب كردفان، مع اقتراح تجميع القوات في كاودا. أما الدعم السريع فقد قبل مبدأ الهدنة لكنه رفض الانسحاب التدريجي من الأراضي التي يسيطر عليها (Abdelaziz, 2026; النور، 2026; Sudan Tribune, 2026).

وتشير هذه المقارنة إلى أن نجاح المبادرة يتطلب حلاً وسطاً في هندسة التسلسل الزمني وليس بالضرورة التنازل عن المبادئ الأساسية. ويمكن أن تبدأ العملية بوقف شامل للأعمال الهجومية، يتزامن مع تجميد خطوط الانتشار ومنع التعزيزات، ثم انسحابات موثقة من مناطق ذات أولوية إنسانية، ثم انسحاب أوسع وفق جدول زمني محدد، مع ضمانات تمنع الطرف الآخر من استغلال الانسحاب، ثم ترتيبات أمنية دائمة.

كما أن أي اتفاق قابل للاستمرار يحتاج إلى تحويل كل التزام سياسي إلى مؤشر قابل للقياس. فبدلاً من عبارة «تسهيل وصول المساعدات» ينبغي تحديد عدد الطرق والممرات، ونقاط العبور، وأيام العمل، وعدد القوافل. وبدلاً من «انسحاب القوات» ينبغي تحديد المناطق والوحدات والأسلحة ومواقع التجميع وموعد الإخلاء وآلية التحقق. وبدلاً من «حماية المدنيين» ينبغي تحديد قواعد الاشتباك، وحظر الهجمات على المنشآت المدنية، وآليات التحقيق. وبدلاً من «عملية سياسية شاملة» ينبغي تحديد معايير المشاركة والاستبعاد، وآلية اختيار الممثلين المدنيين، وجدولاً زمنياً للانتقال، وضمانات عدم عودة الحكم العسكري.

وتفرض الأرقام الإنسانية إلحاحاً استثنائياً. فوجود ملايين النازحين، ونحو 19.5 مليون شخص في مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وخطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، يعني أن أي تأخير إضافي في الوصول إلى وقف فعلي للقتال له تكلفة بشرية مباشرة (IPC, 2026; IOM, 2026).

ومن ثم فإن المبادرة الأمريكية تمثل، في صيغتها المنشورة، إطاراً تفاوضياً متعدد المراحل أكثر تفصيلاً من مجرد دعوة إلى هدنة، لكنها لم تصبح حتى نهاية سبتمبر 2026 اتفاقاً نهائياً ملزماً للطرفين. وتظل المسافة بين النص والتنفيذ مرتبطة أساساً بثلاث مسائل مترابطة: ترتيب الهدنة والانسحاب، ضمانات الأمن والتحقق، وشكل العملية السياسية المدنية بعد توقف القتال. وهذه المسائل الثلاث هي التي ستحدد ما إذا كان المقترح سيصبح إطاراً فعلياً لإنهاء الحرب أم سيظل إحدى حلقات الوساطة المتعددة التي لم تستطع حتى الآن تحويل التوافق على ضرورة وقف الحرب إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

المراجع

  1. Abdelaziz K. Sudan army says US peace plan must call for full RSF withdrawal from cities, documents show. Reuters. 2026 Jul 9. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  2. Al Jazeera. الجزيرة نت تنشر تفاصيل الورقة الأمريكية للسلام في السودان ورد الحكومة. الجزيرة نت. 2026 Jul 10. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  3. International Organization for Migration. DTM Sudan Displacement and Return Snapshot 9. Geneva: IOM; 2026. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  4. International Organization for Migration. Sudan: Three Years of Conflict and Displacement. Geneva: IOM; 2026. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  5. Integrated Food Security Phase Classification. Sudan: Acute Food Insecurity Situation for February–May 2026 and Projections for June–September 2026 and October 2026–January 2027. Rome: IPC Global Initiative; 2026. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  6. Integrated Food Security Phase Classification. SUDAN: Major food and nutrition crisis persists as conflict enters fourth year and risk of Famine looms. Rome: IPC Global Initiative; 2026. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  7. Quad. Joint Statement on Restoring Peace and Security in Sudan. Abu Dhabi: Ministry of Foreign Affairs of the United Arab Emirates; 2025. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  8. Reuters. US withholding Sudanese leader’s visa over ceasefire plan, sources say. Reuters. 2026 Sep 22. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  9. Sudan Tribune. Sudan reviews U.S. peace proposal, holds reservations on political talks. Sudan Tribune. 2026 Jul 11. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  10. Sudan Tribune. RSF accepts truce but rejects withdrawal in response to U.S. Sudan peace plan. Sudan Tribune. 2026 Jul 15. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  11. Sudan Tribune. US envoy meets Sudanese, Egyptian ministers in push for permanent peace. Sudan Tribune. 2026 Sep 21. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  12. Sudan Tribune. Sudan’s Burhan rejects US truce conditions, says no visa needed. Sudan Tribune. 2026 Sep 26. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  13. United Nations. Statement attributable to the Spokesperson for the Secretary-General on Sudan. New York: United Nations; 2026 Jun 18. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  14. United Nations. Reports of the Secretary-General on the Sudan and South Sudan. New York: United Nations Security Council; 2026. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  15. United Nations. Agreement on a Short-Term Ceasefire and Humanitarian Arrangements. Washington, DC: United States Department of State; 2023. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  16. United Nations. Integrated Disarmament, Demobilization and Reintegration Standards. New York: United Nations; 2019. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
  17. النور أحمد النور. الجزيرة نت تنشر تفاصيل الورقة الأمريكية للسلام في السودان ورد الحكومة. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 سبتمبر 2026.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منى أبو زيد
أين نحن من عدالة التطبيق ..؟! .. بقلم: منى أبو زيد
تأملات في رواية:الرواية قدس الله سرها
ذكرى فائتة : ما بين إقتحام الباستيل وإقتحام سجن كوبر في أكتوبر 21
منبر الرأي
نعم … قدم الحكام لشعوبهم الكثير !!! .. بقلم: د. الفاتح الزين شيخ إدريس
منبر الرأي
من تاريخ الرق في السودان .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

التأويل الرّاجِح لـ ” قلاسنوست” بكري حسن صالح..! .. بقلم: عبد الله الشيخ

طارق الجزولي
منبر الرأي

أدفع قيمة فقرك .. بقلم: منصور الصويّم

طارق الجزولي
منبر الرأي

المثقف والتغيير .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد

د. الشفيع خضر سعيد
منبر الرأي

كلمة الأستاذ ياسر عرمان الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان في تأبين الراحل محمد علي جادين في قاعة الصداقة – الخرطوم*

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss