بقلم أبشر الحاج
يبدو الإنجاز هينا حين تسند ادارة النبوغ الى من اكتملت اسبابه؛ اذ ليس ثمة عناء في قيادة صفوة جبلوا على التفوق. غير ان الرهان التربوي الاصيل لا يقاس بحجم الحصاد المضمون، بل بقدرة المؤسسة على انتشال الطاقات الخافتة من القاع، والارتقاء بها نحو الذرى. وحين يختزل التعليم في سباق تجاري حافل بالمظاهر الجوفاء والمكافآت الاستعراضية التي أعدت لالتقاط الصور التسويقية، يصبح حريا بنا ان نفصل بين دهاء الترويج ورسالة بناء الانسان، وان نعيد صياغة الجوهر الحقيقي للعملية التعليمية.
إن قضية تصنيف المتعلمين داخل الحجرات الدراسية تبعا لمستوياتهم الأكاديمية تثير سجالا عميقا في أوساط التربية وعلم الاجتماع التعليمي. ولا تقف هذه المسألة عند حدود التوزيع الإجرائي للطلاب، بل تمس صميم الرسالة التربوية: هل وجدت المدرسة لتستقبل المكتملين وتتبنى الجاهزين فقط، أم لتفجير الطاقات المكنونة لدى كل متعلم مهما تباينت نقطة انطلاقه؟
وتتضاعف أبعاد هذا التساؤل ضراوة في عصر الاستثمار التربوي الخاص، حيث تسخر النتائج الامتحانية لتكون حجر الزاوية في الخطاب التسويقي والهوية المؤسسية. فالاستقطاب الحثيث للموهوبين عبر المنح والمغريات قد يتجاوز حدود التكافل الاجتماعي، ليغدو استثمارا يتغيا الرواج التجاري. ولا تكمن العلة هنا في احتضان المتفوقين ورعايتهم، وإنما في اتخاذ حصيلتهم السابقة دليلا قاطعا على كفاءة المدرسة وحسن تدريسها، مع إغفال تام لمستوى الدخول الأول، وحجم النماء المعرفي الحقيقي الذي تحقق داخل أروقتها.
إن نسب النجاح المرتفعة ليست معيارا وحيدا ولا كافيا لتقييم الجودة؛ فثمة بون شاسع بين التحصيل الختامي المجرد، وبين النمو التعليمي التراكمي المتمثل في “القيمة المضافة”. إن الاستثمار في طالب مكتمل الأسباب للحفاظ على ألقه، يختلف جذريا عن بيئة تعليمية تستقبل تباين القدرات، فتحدث في بنيتها المعرفية قفزة نوعية فارقة. ومن هذا المنطلق، يتجلى المعلم بوصفه مهندسا للبناء الفكري لا مجرد ناقل للمحتوى؛ إذ لا تتأكد كفاءته المهنية بإدارة فصول متجانسة (homogeneous) من النابهين، بل بقدرته على التشخيص الدقيق، ومراعاة التمايز الفردي، وتطبيق إستراتيجيات التدريس المتنوعة. ويتشكل التحدي الأكبر في الفصل المتباين وغير المتجانس (heterogeneous): كيف يحمى الطالب المتوقد من الملالة، دون أن يقع الطالب بطيء الاستيعاب ضحية للفوارق الذاتية؟ إن الإجابة الميدانية عن هذا التساؤل هي ما يسامي بالتدريس من مجرد أداء وظيفي إلى ممارسة احترافية سامية.
ومن منظور علم الاجتماع التربوي، يسهم الانتقاء المبكر للمتفوقين في إعادة إنتاج الامتياز الأكاديمي وتكريسه. ولذا، يتوجب عند تقييم أي صرح تعليمي التمييز الدقيق بين أثر الاختيار المتمثل في الحصيلة والاهتمام اللذين أتى بهما الطالب الموهوب سلفا، وأثر المدرسة المتمثل في مقدار التطور الفعلي والقيمة المعرفية التي أسبغتها المؤسسة على الطالب خلال مسيرته. إن السؤال الأشد عدلا من الناحية التربوية ليس كم متفوقا تخرج في هذه المدرسة، بل ما الذي أضافته المدرسة لشخصية كل طالب وقدراته مقارنة بنقطة بدايته. وحتى الممارسات الترويجية، كتقديم الجوائز السخية للمتفوقين، تظل احتفاء محمودا ما لم تختزل العملية التعليمية في جعل النجاحات مجرد مادة إعلانية، فالصرح التعليمي الناجح بحق هو الذي يحقق أقصى درجات النمو لدى طلابه كافة، على اختلاف مراتبهم.
إن تسليع التعليم يجنح بالعملية التربوية نحو الشكليات المظهرية سهلة التسويق كالأرقام والمراتب والمشاهد الاحتفالية، بيد أن التعليم الأصيل يتسامى عن لحظة إعلان النتائج ليمتد إلى بناء العقل الناقد وتنمية روح التحليل وترسيخ الاستقلالية المعرفية. وفي المطاف الأخير، لا ينبغي أن يكون معيار التقييم الأسمى كم طالب ممتاز نملك، بل كم طالبا ارتقينا به ليغدو أفضل مما كان. فالتعليم في جوهره ليس صناعة للأرقام والمؤشرات، بل هو صياغة عميقة للإنسان، ومتى ما استقر هذا المفهوم في الوجدان التربوي، يتوارى بريق التسويق الزائف لحساب القيمة العلمية الخالدة، ويتحول المعلم من حارس للنتائج الجاهزة إلى صانع حقيقي للنمو الإنساني والمعرفي.
