محمد صالح عبدالله يس
يقال ان بعض الأرواح لا تدخل القلب من شرفاته بل تاتيه من اعماق بعيدة كأنها كانت هناك قبل أن نعرف أصحابها وكأن بيننا وبينهم عهدا قديما وميثاقا غليظا لا نذكر متى بدأ وكان عمنا العميد من أولئك الرجال الذين لا ينتهي حضورهم بالموت لأنهم حين يرحلون يتركون وراءهم من الأثر ما يجعل الغياب شكلا آخر من أشكال البقاء والخلود
تشير المحفوظات والمرويات المدونة ان ميلاده كان في العام 1906 وهو بداية قرن كانت فيه الحياة تمضي على مهل فقد ولد وجراح كرري ودماء شهدائها لم تجف بعد وبقايا شظايا مكسيم كتشنر لم تزول اثارها عن قبة الامام المهدي يومها كانت الأخبار تقطع الفيافي على ظهور الدواب والرسائل تطوى بعناية وتحملها الأيدي الأمينة وكانت الكلمة دينا كان العميد من جيل لم يعرف الهاتف ولا الحاسوب ولا كمرات التصوير المحمولة ولم تكن سجلات الناس في كل مكان مكتملة فكانت الذاكرة البشرية نفسها وثيقة والحكي والمشافهه سجلها وديوان ذكرياتها وقلم مروياتها يومئذ كان الكاتب الأمين مؤسسة والدفتر مستودعا لأسرار الناس وتاريخهم وحيواتهم وتقلباتهم
شهدت قرية ام شنقة شهقة ميلاده الاولي في احدي الدوامر اسمها (دوراي ) والده البكري محمد النور الجزولي كان يعمل في وظيفة ماذون يؤسس لبيوت الحلال فقد كان ملما بالفقهه وعلوم الشرع درس الاخضر ومتون العزية والالفية والعشماوي علي يد الشيخ محمد البدوي نقد المولود بمدينة الابيض والمدفون بام درمان بحي العباسية ومازال مسجده قائم حتي الان بالقرب من ضريحه (1841-1911) وهو من كبار علماء الازهر عمل اماما لمسجد الفاشر في ايام التركية ثم عاد من امشنقة الي امدرمان مبايعا للمهدي وكان الشيخ البكري عالما وحافظا ومجودا لكتاب الله يجيد القراءة بروايتي حفص والامام الدوري والشيخ البكري رغم صغر سنه اختاره أهله أميراً للقبيلة لما عرفوا فيه من حكمة ورجاحة عقل. وفي مرحلة مضطربة أعقبت دخول الإنجليز إلى السودان فقاد قبيلة البزعة بحنكة ودراية فكان أكبر من عمره وأهلاً للأمانة التي حمله ورحل الي الابيض التي كانت مركزا حضريا في ذلك الزمان
العميد محمد النور والدته الزهراء بابكر كان ترتيبه الثاني بين اخوته
كان العميد، بطوله الفارع وسمته الوقور وطلعته البهية رجلا تسبقه هيبته إلى المجالس عرف بوقار الصخر وهيبة الملوك فهو الصخر الذي انفجرت منه العيون وهو الصخر الذي هبط من خشية الله له هيبة الملوك وليس ملكا واثق الخطوة يمشي كانما تطوي المسافات بين قدميه وهيبته ليست هيبة المنصب والسلطان وإنما هيبة الرجال الذين صنعتهم التجارب وهذبتهم المعرفة ومنحتهم السنون ذلك الحضور الذي لا يحتاج إلى إعلان كان إذا أقبل عرفه الناس من بعيد وإذا جلس إلى مجلسه استقرت له العيون قبل أن تستقر الكلمات. في ملامحه شيء من صرامة الكاتب القديم، وفي ابتسامته ما يبدد تلك الصرامة سريعاً؛ فقد جمع على نحو نادر بين المهابة وخفة الروح وبين الوقار والألفة وبين صلابة الموقف ونقاء السريرة.
لم يكن طويل القامة وحدها كان طويلاً في صبره ممتدا في عطائه، عالياً في مكانته بين الناس.
عاش بين اهل امكدادة ولم يتعالَ عليهم وعرف من أسرارهم ما يعرفه كاتب المحاكم لكنه حملها بأمانة الرجال الذين يعلمون أن معرفة أسرار الناس ليست امتيازا وإنما مسؤولية اخلاقية
لم يبنِ قصرا كان بيته مثل بيوت غمار الناس والعامة ولم يجمع حول اسمه ضجيجا ولم يطلب من التاريخ أن يفسح له مكانا بين رفوفه كان يفعل شيئاً أبسط وأبقى يؤدي واجبه ويحفظ الأمانة ويكتب
عندما فكرت في الكتابة عنه العميد تواصلت مع أبنائه وأحفاده فوجدتني أمام ذاكرة عائلية مدهشة ادهشني الاخ بن عمر محمد النور في رسالة صوتية بتفاصيل غزيرة وحكايات دقيقة ومواقف ظلت محفوظة كأنها وقعت بالأمس اما الاخ ابوبكر محمد النور واخيه ابراهيم تحدثوا الي كانهم فرغوا من جلسة انس مع العميد الذي قام من مقعده ليستوي علي محرابه ليؤدي ورده من صلاة الفاتح وجوهرة الكمال وعندما استمعت الي رسالة صوتية ارسلها لي الاخ بكري تيقنت ان بكري هو كاتم اسرار العميد وأدركتُ حينها أن بعض الرجال لا تنتهي سيرتهم برحيلهم، بل يتركون في أبنائهم وأحفادهم أرشيفا حيا يحفظ خطاهم ويصون أثرهم من النسيان اما الاخت طيبة ابنة العميد وحين حدّثتني عن العميد أدركتُ أن للبنات ذاكرة لا تشبه سواها تحفظ من الأب نبرة صوته وخطواته وتفاصيله الصغيرة. كانت تستعيده بحميميةٍ آسرة، حتى ظننت أن العميد لم يرحل وإنما غاب لبعض الوقت وترك سيرته أمانة في قلب طيبةوطيبة هي غصن نبت بين غصنين غصن العميد وغصن الشيخ ابوبكر عليهم تتنزل رحمة ربي وتغشاهم في برزخهم
قصدت بهذه المقدمة ان نبحر معا في مسيرة العميد ونلقي الضوء علي حياته وما هذه المقدمة إلا يد امتدت برفق إلى صندوق قديم ظلّت ذاكرة العميد تغفو فيه أعواما بين أوراق اصفرت حواشيها وصور احتفظت بملامحه وحكاياتٍ بقيت في صدور أبنائه وبناته وأحفاده فليسمح لنا العميد وهوفي برزخه ان نفتح الصندوق على مهل وننفض عن أوراقه غبار السنين ونعود معه إلى البدايات إلى لوح القرآن وخطوات الصبا وقلم المحكمة الذي طالما خط حكايات الآخرين حتى جاء اليوم الذي نكتب فيه حكايته
فلنفتح الصندوق ولندع العميد يعود إلينا من بين الذكريات
