فارس من فرسان الكلمة والفكر
الرحمة والمغفرة لأحد فرسان الكلمة والفكر والتقدم في بلادي، فأمثال د. حيدر ممن آثروا السير في الطرق الوعرة للنضال والفكر والتنوير يستحقون أنصبة تذكارية تنصب في ساحات الوطن السودان ليس إيماناً بتعظيم أو تبجيل الأشخاص بقدر ما هو تخليد لمسيرة عظيمة ونوايا طيبة وأثر متعاظم، ويجب أن يشمل ذلك الكثيرين من رجال الوطن الأنقياء الذين زادوا عن الفكر والوطن، وعلى سبيل الذكر لا الحصر نذكر منهم أساتذتنا العظام (تاج السر مكي، د. صالح عركي صالح، مولانا فيصل محمد علي مسلم، محمد علي محسي، محمد إبراهيم عبده “كبج”، حسبو إبراهيم) وغيرهم كثر قد تخون الذاكرة لحصرهم، فهؤلاء جميعاً وآخرين لم يرتهنوا لثقافة المجتمع التي تقدم الخاص على العام وتفرض قيم ومعايير محددة لتقييم مدى نجاح أو فلاحة الشخص بمدى ما حققه من أملاك (منزل، أرض، مال)، فقيمة الإنسان الحقيقية ليست بما إمتلك بل بما قدم ويقدم في مسيرة حياته، وكما قيل في كلمات الأغنية الشهيرة “الفارس الجحجاح” (المال ما بيهمك هوي إن كتر وإن راح *** بطناً جابتك والله ما بتندم)، فهذه الكلمات وصفت بدقة أمثال عظمائنا هؤلاء.
سأقدم من خلال هذا المقال شهادة معاصرة مقتضبة في حق د. حيدر إبراهيم علي، ولكنها قيمة تعكس طبيعة هذه الشخصية العظيمة والقديرة، وأجد أن من واجبي توثيقها وفاءاً وتقديراً للراحل المقيم، فقد خدمتني الصدفة المحضة ومجهودات واجب السعي في سوح العمل العام للعمل مع الراحل وكانت تلك صدفة عظيمة حظيت خلالها على فرصة الإنضمام لفريق عمل مرصد مركز الدراسات السودانية والذي تأسس عقب إندلاع حرب الـ 15 من أبريل اللعينة، فقد جمعتني بالراحل وثلة من المستنيرين المناضلين ندوات وإجتماعات إسفيرية لمست من خلالها عظمة وتواضع وتفاني الراحل فقد تعامل معنا نحن الذين لا نوازيه لا عمراً ولا بمقدار العطاء والإسهام الفكري والثقافي والعام بتواضع العلماء الجم خلال الإجتماعات، ولم يكن يمارس على الإطلاق أي نخبوية متعالية كما كثير من النخبويين السودانيين متعاملاً معنا بندية وكأننا نضاهيه في مستوى العلم ونوازي إسهاماته العظيمة… وفي الندوات كان مرشداً ومشخصاً عميقاً لتعقيدات وتحديات الواقع السياسي والإجتماعي والتاريخي للسودان كوطن لم يبارح منعطفات التخلف وأزمات الحكم والسياسية والمجتمع وقد كنت شخصياً أقف مستفيداً وناهلاً من مداخلاته في تلك الندوات. لقد كان د. حيدر منارة من منارات السودان التي لم ولن تنظفئ وأمثال د. حيدر ورفاقة لا يموتون بل يغيبون في ظل حضور طاغي وهالة ضخمة لما تركوا من أثر عظيم.
الرحمة والمغفرة للعظيم د. حيدر وعميق العزاء لأسرته الصغيرة زوجته الفضلى “خالتنا” حياة وأبناءه أنديرا ومظفر وللصديقين العزيزين بكري جابر وجبير بولاد اللذان كانا وما زالا ضمن الركائز المتينة لمسيرة مركز الدراسات السودانية ومؤسسه الراحل المقيم عظيمنا د. حيدر إبراهيم علي، أخيراً الدعوات بالرحمة والمغفرة مجدداً لعظيمنا د. حيدر ونبذل الوعد بأننا على إثرهم لسائرون.
محمد عمر محمد الخير
الجمعة 03 أكتوبر 2026
