كنت قد كتبت نعيًا في غياب د. حيدر إبراهيم عن دنيانا، وختمته بالقول إن الراحل لم يكتفِ بالكتابة عن السودان، بل كتب نفسه داخل تاريخه، وبذلك أصبح جزءًا من وطن ما زال يبحث عن ذاكرته.
ولعل سيرته الذاتية التي وثقها في كتابه تكشف لنا جانبًا مهمًا من عمق الرجل؛ فقد كان حيدر، قبل أن يكون كاتبًا عن السودان، مثقفًا حاول أن يستوعب الحداثة وأدواتها، وأن يفهم السودان من داخل أسئلتها الكبرى، لا من خلال القوالب الجاهزة التي كثيرًا ما حاولت تفسير مجتمعنا.
وربما كان التحاق حيدر بجامعة فرانكفورت محطة بالغة الأهمية في نضوجه الفكري. فقد أتاح له ذلك الاقتراب من تيارات فكرية أوروبية كانت تتجاوز الماركسية الأرثوذكسية، وتعيد طرح أسئلة الإنسان والحرية والثقافة والسلطة والمجتمع.
كان ذلك في وقت كانت فيه الماركسية قد هيمنت على أذهان قطاعات واسعة من المثقفين في العالم الثالث. لكن الماركسية لم تتنزل في فراغ ثقافي أو اجتماعي. لقد دخلت مجتمعات مختلفة، وأخذت في كل مجتمع شكلًا يتأثر بتاريخه وبنيته الاجتماعية والثقافية.
ففي كثير من مجتمعات العالم الثالث، انتشرت الماركسية في صورتها اللينينية، داخل مجتمعات أبوية وصائية، حيث كانت الجماعة والتنظيم والانضباط السياسي تحتل موقعًا مركزيًا، وحيث كانت الفردانية، بمعناها الحديث، محدودة.
ولهذا يصبح من اللافت أن نجد في البيئة الشخصية لحيدر نفسه نموذجًا مختلفًا في جده لأمه، الشيخ أحمد بابكر، الذي تصفه سيرته بوصفه رجلًا أصيلًا متفردًا، لا يشبه كثيرًا ما كان سائدًا حوله. وربما كان هذا النوع من الشخصيات الاستثنائية مهمًا في تكوين حساسية حيدر تجاه الفرد، والاستقلال، والاختلاف.
ثم انتقلت الماركسية إلى مجتمعات أوروبية أكثر فردانية وتعقيدًا، فظهرت لها قراءات أخرى تجاوزت التصور الاقتصادي الضيق، واهتمت بالثقافة والوعي والأيديولوجيا وآليات إنتاج الهيمنة. وهنا تبرز أسماء مثل لويس ألتوسير ومدارس فكرية أخرى أعادت قراءة ماركس من زوايا جديدة.
أما في أمريكا الشمالية، فقد أخذ النقد الماركسي والاجتماعي مسارات مختلفة، وكان لمدرسة فرانكفورت ومفكريها، مثل هربرت ماركوز وإريك فروم، تأثير بالغ في أجيال من المثقفين والطلاب.
وأذكر أن أستاذًا لي في العلوم الاجتماعية بجامعة أثاباسكا الكندية قال إن كتاب هربرت ماركوز «المجتمع ذو البعد الواحد» كان بالنسبة إلى جيله في ستينيات القرن الماضي كتابًا لا بد من قراءته؛ must-read book. لم يكن الكتاب مجرد نص ماركسي آخر، بل كان نقدًا عميقًا للمجتمع الصناعي الحديث، وللطريقة التي يمكن بها للنظام أن يخلق احتياجاته الخاصة، ثم يجعل الإنسان يعتقد أنها احتياجاته الطبيعية.
وهنا ربما تكمن أهمية حيدر إبراهيم بالنسبة لنا اليوم.
فقراءة حيدر لا ينبغي أن تتوقف عند كونه مؤرخًا أو عالم اجتماع أو كاتبًا سياسيًا سودانيًا. الأهم أنه كان واحدًا من المثقفين الذين حاولوا أن يضعوا السودان في مواجهة الأسئلة الكبرى للحداثة: الفرد والمجتمع، الحرية والسلطة، الدين والدولة، التقليد والتحديث، الديمقراطية والاستبداد، والثقافة بوصفها قوة فاعلة في تشكيل التاريخ.
ولهذا فإن نعي د. حيدر إبراهيم لا ينبغي أن يتوقف عند حزننا الكبير على رحيله.
ربما علينا أن نجعل من غيابه نافذة للمعرفة.
نافذة نطل منها على تجربته الفكرية، وعلى الكتب التي قرأها، وعلى الأسئلة التي شغلته، وعلى السودان الذي حاول أن يفهمه لا باعتباره ماضيًا مغلقًا، وإنما وطنًا ما زال يبحث عن ذاكرته وعن طريقه إلى المستقبل.
لقد رحل حيدر إبراهيم، لكن الكتب لا ترحل بالطريقة نفسها التي يرحل بها أصحابها. وما تركه لنا ليس مجرد مؤلفات محفوظة على رفوف المكتبات، وإنما أدوات للتفكير يمكن أن يستخدمها جيل جديد في طرح أسئلته الخاصة.
وهذا، في تقديري، هو أفضل ما يمكن أن نفعله في مواجهة الغياب: ألا نحول الراحل إلى تمثال، بل أن نعيد قراءة أفكاره ونختلف معها ونناقشها ونختبرها، وأن نجعل منها مادة للحوار والمعرفة.
فالسودان الذي كتب حيدر نفسه في تاريخه ما زال يبحث عن ذاكرته.
ولعل أفضل وفاء له أن نساعد الأجيال الجديدة على العثور على هذه الذاكرة، لا لكي تعيش في الماضي، وإنما لكي تستطيع أن تنظر إلى المستقبل بعيون أكثر معرفة وحرية.
له الرحمة والمغفرة.
طلعت محمد الطيب
