“الدولة كوهمٍ مُؤَسِّس”—ينقلنا مباشرة إلى الذروة التنقيبية في فكر بيير بورديو، وتحديداً في محاضراته الشهيرة في كوليج دو فرانس التي جُمعت لاحقاً في كتابه المرجعي “عن الدولة”
- ماذا يعني “الوهم المُؤَسِّس”؟
في المقاربة البورديوية، كلمة “وهم” لا تعني أن الدولة غير موجودة أو أنها مجرد كذبة لا أساس لها في الواقع، بل تعني: “إيمان مشترك وجماعي بنظامٍ رمزي يجعله يبدو كحقيقة مطلقة وطبيعية لا جدال فيها”.
الوهم المزدوج:
الدولة هي “خلق لوهم” يُقنعنا بأنها مؤسسة “حيادية فوق الجميع”، تُوجد من أجل الخير العام ولتنظيم المجتمع. ولكن بمجرد أن نؤمن جميعاً بهذا الوهم ونمارسه يومياً، يتحول هذا الوهم إلى قوة مادية ومؤسسات حقيقية (شرطة، محاكم، مدارس، ضرائب، شهادات رسمية) تحكم حياتنا.
المعنى المؤَسِّس:
هذا الوهم هو الذي يُؤسس للمجتمع نظامه؛ فلولا إيمان الناس بشرعية “ختم الدولة” و”شهادتها” و”قانونها”، لانهارت الرابطة الاجتماعية وشلت المؤسسات. - من “احتکار العنف المادي” إلى “احتکار العنف الرمزي”
هنا يُحدث بورديو قفزته الشهيرة متجاوزاً عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر:
عند ماكس فيبر: الدولة هي المالك الحصري لـ “احتکار العنف المادي المشروع” (الجيش والشرطة والسجون).
عند بيير بورديو: السلاح المادي وحده لا يكفي لبقاء الدولة. إن القوة الحقيقية والدائمة للدولة تكمن في “احتکار العنف الرمزي المشروع”؛ أي قدرتها على فرض طريقة واحدة للرؤية والتصنيف يتفق عليها الجميع دون نقاش.
كيف تحتكر الدولة العنف الرمزي؟
تحدد الدولة ما هو “شرعي” وما هو “غير شرعي” في كل شيء:
تصنيف البشر: هي التي تحدد من هو (المواطن/الغريب)، (المجنون/العاقل)، (المجرم/البريء).
شرعنة المعرفة: هي التي تمنح “الشهادة الرسمية” التي تجعل فلاناً مهندساً أو طبيباً واعترف به المجتمع، بينما تحرم غيره من هذا الاعتراف.
توحيد الموازين: هي التي توحد اللغة الرسمية، التقويم، المناهج الدراسية، وحتى طريقة كتابة الأسماء في الهويات. - “الختم الرسمي والأوراق الثبوتية”
“تأمل في قطعة ورقية عادية كُتب عليها عقد ملكية أو شهادة جامعية. هذه الورقة في ذاتها مجرد ألياف خشبية لا قيمة لها.
لكن بمجرد أن يوضع عليها ‘ختم الدولة’، تتحول فوراً إلى حقيقة مقدسّة تفتح الأبواب أو تغلق السجون، ويتفق جميع الناس في المجتمع على احترامها!
من أين جاءت هذه القوة السحرية للختم؟
جاءت من ‘الإيمان الجماعي’ بأن الدولة هي المرجع الأعلى للحق والشرعية. الدولة لم تضرب أحداً بالسلاح ليحترم العقد، بل زرعت في أجسادنا وعقولنا عبر التنشئة المدرسية هابيتوس يجعله ينحني لـ ‘الختم الرسمي’ تلقائياً. هذا هو الوهم المؤسس.”
“الدولة عند بورديو ليست مجرد مبانٍ وحكومة ورجال شرطة، بل هي قبل كل شيء ‘حالة ذهنية’ ومجموعة من الأفكار والاستعدادات التي زُرعت في عقولنا منذ الطفولة.
إنها ‘وهم مُؤَسِّس’؛ لأنها تُقنعنا بأنها حَكَمٌ حيادي يخدم الجميع، وفي اللحظة التي نؤمن فيها جميعاً بهذا الوهم ونصدقه، تُصبح الدولة القوة الأعظم التي تعيد إنتاج التفاوت والهيمنة، ولكن بغطاء من الشرعية والمشروعية المطلقة.”
عبداللطيف سويكت
asuiket74@gmail.com
