الجريدة هذا الصباح…
هذا يعني أن العلمين لم تكتب نصاً يعبر عن تغيير موقف مصر بل جاءت لتثبيته، ولكن ماذا عن الرغبة الأمريكية القادمة؟!
أطياف
صباح محمد الحسن
طيف أول:
جئنا بيقين قلبٍ استردَّ وجهه من العتمة المتروكة في الفصل الأخير.
شكرًا للقارئ الذي أصبح يعتبر أن هذه الحروف ملكٌ له، وبات يحاسبنا على الغياب بشدة وأنه لا يسمح به…
شكرًا لشرف الانتماء لكم.
أطياف
صباح محمد الحسن
القمة العرجاء
وبالأمس، تجاهل بيان قمة العلمين التي انطلقت بالقاهرة بدعوة من عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية، والتي ضمت الرئيس أسياس أفورقي رئيس دولة إريتريا، والرئيس حسن الشيخ محمود رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية، بجانب قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان تجاهلت القمة تمامًا الدعوة لوقف الحرب في السودان وضرورة استعادة الحكم المدني الديمقراطي، وغضت الطرف عن عزلة البرهان ، وحصرت قضية الحرب كلها في ضرورة التصدي للدعم السريع حتى لا يكون قوة موازية للجيش، وأسقطت كل ما يترتب على استمرار معاناة الشعب ورغبته في السلام.
وجاء بيانها فيما يتعلق بالسودان: (دعم وحدة جمهورية السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية، وتشجيع استئناف العملية السياسية بملكية وقيادة سودانية، ودعم المؤسسات الوطنية، إضافة إلى الرفض الكامل لأي دعم للمرتزقة).
فلم تذكر القمة البُعد الإنساني للحرب؛ لأن ذكره يعني الاعتراف بأن الحرب كارثة، والاعتراف بأن الجيش مسؤول، وربما يفتح الباب لضغط دولي وانتقال مدني
والبيان يؤكد أنها تصر على موقفها الداعم للبرهان وما زالت تتعامل معه باعتباره “الرئيس الشرعي”، وتتجاهل تمامًا المطالب الدولية بوقف الحرب أو الانتقال المدني.
وهذا يعني أن القمة لم تكتب نصاً لتغيير موقف مصر… بل جاءت لتثبيته.
وإقامة القمة تمت بعد قطع العلاقات الإثيوبية مع إريتريا وطرد دبلوماسي مصري وردّ البلدين بالمثل، وهذه التحركات هي التي أحدثت “هزة إقليمية” واضحة قد تعيد عملية تغيّر ميزان التحالفات في القرن الإفريقي. فتراجع الثقة بين أديس أبابا وأسمرا بعد انتهاء حرب التيغراي خلق حالة من القلق وسط دول المنطقة التي تخشى من تمدد نفوذ إثيوبيا الإقليمي، وهو ما يجعل مصر تحاول إعادة التموضع الإقليمي في ظل خلافها مع إثيوبيا حول سد النهضة. وقمة العلمين تعكس دلالة سياسية قوية بأن هذه الدول تشعر بأن الإقليم يدخل مرحلة “إعادة تشكيل”.
وتأخذ مصر وإريتريا والسودان والصومال مخاوفها وتتقاسم قلقها تحت مظلة القمة بتشكيل محور جديد خارج نفوذ أديس أبابا. ولكن الناظر للقمة من نافذة المتابعة يجد أنها لا تعبّر عن محور قوي، بل تعبّر عن محاولة مصر تغيير أدواتها في التعاطي مع القضايا الإقليمية حتى لا تكون خارج الدائرة طالما أن المجتمع الدولي بدأ يتجاوز الإقليم في نظرته لحلحلة القضايا.
وهذا له انعكاسات مباشرة على الحرب في السودان؛ أي أن خيارات مصر القديمة ستصبح غير فعّالة، خاصة بعد عزلة البرهان دوليًا وإغلاق أمريكا بابها في وجهه ومنعه من دخول أراضيها وفتحها الباب للقوى المدنية التي أحدثت اختراقًا سياسيًا واضحًا بعد وصولها للبيت الأبيض. فهذه الخطوات الأخيرة لها تأثيرها الكبير على ما ستخطه أمريكا وما ترسمه من خطوط لوقف الحرب أو لطرح هدنة في أي وقت، وهذا سيتم بمباركة مصر أو برفضها.
وفتح الباب للقوى المدنية -وعلى رأسها عبد الله حمدوك- فيه رسالة واضحة من الحكومة الأمريكية، ليس للداخل السوداني فحسب، بل للدول الإقليمية وعلى رأسها مصر والسودان اللتان حاولتا أن تضعا يدهما على عينيهما لتجاهل الوجود المدني ولقطع سعيها لرسم طريق مغاير لا يناسب مصالحها، لكن أمريكا بلقاءاتها الأخيرة بالقوى المدنية أرادت أن تقول إنها لا تستجيب لرغبات الإقليم.
وتراجع قدرة مصر على التأثير عبر الجيش السوداني مع تهميشها للدور المدني من قبل يجعلها الآن مضطرة لإعادة حساباتها فيما يتعلق بالورقة الخاسرة “البرهان”، فدعم الحرب أصبح الآن خيارًا مكلفًا. فلقاءات بولس مع وزير الخارجية المصري تشير إلى التغيير الذي تسعى أمريكا إليه في النهج المصري، وتمنح القاهرة فرصة أخيرة لرفع يدها عن ميدان الحرب في السودان الذي حققت فيه المعادلة نتائج صفرية.
والدول المشاركة في القمة (الصومال، إريتريا) ليست محورًا قويًا، بل محاولة مصرية لإعادة التموضع الذي يأتي في لحظة صعبة؛ لذلك قد لا تتعدى الوصف بأنها اجتماع لدول تشعر بحالة ضعف تجتمع لتبحث عن مخرج. فنفوذ إثيوبيا وظهورها كقوة تتحكم في منابع النيل، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي بين القرن الإفريقي والبحر الأحمر وعلاقاتها الممتدة مع الدول الكبرى، يجعلها في ملامح الأفق القريب تبدو أكثر من دولة.
فمصر الآن في قمتها تجمع دولًا هزيلة سيما في الوقت الحالي؛ فالصومال دولة هشة، وإريتريا دولة معزولة، والسودان في حرب وأيضًا في عزلة دولية، فهذه القمة عرجاء لا تستطيع أن تنافس في السباق المحموم للمحاور والتحالفات الدولية. فإثيوبيا تمتلك موقعًا جيوسياسيًا لا يمكن تجاوزه، سيما وأن المحور الإماراتي الإثيوبي مع الاحتفاظ بعلاقات دول الخليج يجد دعمًا سياسيًا دوليًا.
والقمة قد تكون لها أجندتها التي تضع خارطة طريق للخروج من المأزق، لكن لها انعكاسًا مباشرًا على حرب السودان، سيما بوجود رغبة أمريكية لإحداث تحوّل في السياسة المصرية ورؤيتها في حرب السودان فامريكا ستطرح هدنة سيتم تنفيذها بموافقة مصر أو برفضها.. لافرق
وإقليما فإن الأرض لها تأثير مباشر على استعادة النفوذ، فإن انتصار آبي أحمد على التيغراي يعطي إثيوبيا ثقة سياسية وقدرة على فرض شروطها ومنحها ساحة نفوذ إقليمي أكبر، إن كان في الصومال أو في ملف سد النهضة، وحتى إن ذلك سيمكنها من القدرة على الضغط على السودان. وقد تُجاهَل الاهتمامات بمثل هذه القمم التي قد ترى أنها لا تناسب مصالحها، وقد تسعى بجدية أكبر للحصول على منفذ بحري عبر أرض الصومال.
إذن، القمة في قبلتها الجديدة ستعاني من خلل الاستقامة الذي لا يمكنها من إعادة نفوذ مفقود لجميع الدول المشاركة مقارنة بنفوذ إثيوبي مدعوم؛ لذلك لا تتجاوز كونها اجتماعات عاجلة لدرء مخاوف ومخاطر التشكيل الجديد في القارة.
طيف أخير:
#لا_للحرب
المبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي لمنع الإبادة الجماعية والفظائع، داما دينغ، يخص “أطياف” بحديث عن زيارته للسودان.
وكنا قد تساءلنا الأسبوع الماضي: ماذا وراء زيارة مسؤول رفيع عن الإبادة للسودان في هذا التوقيت؟
فأجاب بنفسه عن السؤال قائلًا: “أزور السودان لهذه الأسباب…”.
غدًا على “الأطياف”.
