زهير عثمان
ليس أخطر ما في الحرب السودانية أنها جعلت السلاح حاضراً في الشوارع، وإنما أنها بدأت تجعل العنف حاضراً في اللغة أيضاً , وحين تصل اللغة إلى الدعوة الصريحة لقتل صحفية بسبب رأيها وموقفها السياسي، فإن المسألة لم تعد مجرد خلاف في الرأي، ولا حملة إساءة عابرة على منصات التواصل، وإنما انتقال خطير من الاختلاف إلى التحريض، ومن التحريض إلى التهديد، ومن التهديد إلى احتمال الجريمة
لهذا فإن التضامن مع الزميلة الصحفية رشا عوض ليس موقفاً شخصياً تجاهها، ولا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل ما تكتبه أو تقوله أنا شخصياً قد أختلف معها في بعض المواقف والتقديرات، كما يختلف معها آخرون، وهذا أمر طبيعي في المجال العام , و لكن الاختلاف معها، أو مع أي صحفي أو كاتب أو ناشط، لا يمنح أحداً حق الدعوة إلى قتله , هذه هي النقطة التي يجب ألا نسمح بتمييعها
رشا عوض صحفية، وليست هدفاً مباحاً لأن لها رأياً لا يعجب البعض , وقد جاء بيان نقابة الصحفيين السودانيين في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تابعت النقابة ما وصفته بمنشور تحريضي صريح يدعو إلى قتل رشا عوض، ويتضمن عبارات كراهية وتحقيراً وتهديداً مباشراً على خلفية آرائها ومواقفها. وطالبت النقابة السلطات المختصة بفتح تحقيق فوري وجدي، وتحديد هوية المحرضين ومحاسبتهم، كما دعت القوى السياسية والمهنية والشخصيات العامة إلى إدانة هذه الحملات ونبذ العنف والتحريض
وهو موقف لا ينبغي أن يبقى مسؤولية النقابة وحدها , فالقضية هنا أكبر من رشا عوض نفسها – القضية هي: هل ما زال السودانيون يملكون الحق في الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى حكم بالموت؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نقولها بوضوح، وأن نقف مع هذا الحق حتى عندما يكون صاحب الرأي شخصاً لا نتفق معه , أما إذا أصبح كل تيار سياسياً أو عسكرياً أو أيديولوجياً قادراً على تصنيف خصومه باعتبارهم خونة أو عملاء أو أعداء، ثم يفتح الباب للتحريض عليهم، فإننا لا نكون قد خرجنا من الحرب، حتى لو توقفت البنادق , و سنكون فقط قد نقلنا الحرب من الشوارع إلى الرؤوس والشاشات والهواتف
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية , لقد دفعت الصحافة السودانية ثمناً باهظاً خلال السنوات الأخيرة. صحفيون تعرضوا للاعتقال، وآخرون للتهديد، وخرج كثيرون من البلاد، وتعرضت مؤسسات إعلامية للتوقف أو التدمير، بينما أصبح الصحفي في كثير من الأحيان مطالباً بأن يثبت أولاً أنه ليس مع هذا الطرف أو ذاك قبل أن يُسمح له بأن يمارس مهنته , وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع يعيش حرباً
فالصحفي ليس مقاتلاً في جبهة، ولا ينبغي أن يكون مطلوباً منه حمل بطاقة انتماء عسكري حتى يُسمح له بالكلام. وظيفته الأساسية هي أن يسأل، وينتقد، ويحلل، ويخطئ أحياناً ويصيب أحياناً أخرى، وأن يدفع ثمن خطئه بالنقد والتصحيح والرد، لا بالرصاص
ومن حق أي شخص أن يكتب رداً على رشا عوض، وأن يفنّد حججها، وأن يختلف معها، بل وأن ينتقدها بأقسى العبارات السياسية والمهنية ما دام ملتزماً بحدود القانون والأخلاق , لكن الدعوة إلى قتلها ليست رأياً آخر , إنها محاولة لإلغاء الرأي نفسه
والأخطر من ذلك أن التحريض في مجتمع مسلح لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد كلام يذهب مع الريح , نحن نعيش في بيئة أصبح فيها السلاح منتشراً، وأصبح خطاب الكراهية أكثر قدرة على إنتاج العنف. لذلك فإن الكلمات التي كانت تُقال في الماضي في لحظة غضب قد تتحول اليوم إلى فعل دموي , ومن هنا تأتي مسؤولية الدولة والسلطات المختصة، ليس فقط في حماية رشا عوض، وإنما في التعامل الجاد مع كل تحريض على قتل الصحفيين والمواطنين , كما تقع مسؤولية كبيرة على القوى السياسية والمجتمعية والنخب التي يجب أن تتوقف عن ممارسة الانتقائية الأخلاقية- لا يجوز أن ندين التحريض عندما يستهدف حليفنا، ثم نصمت عندما يستهدف خصمنا , ولا يجوز أن يصبح مبدأ حرية التعبير صالحاً لأنصارنا فقط , الحرية التي نحميها لمن نحب ليست حرية؛ إنها امتياز
أما الحرية الحقيقية فهي أن نحمي حق المختلف معنا في الكلام، حتى عندما يزعجنا كلامه , لذلك فإن الدفاع عن رشا عوض اليوم ليس دفاعاً عن شخص واحد، وإنما دفاع عن مساحة صغيرة جداً بقيت لنا جميعاً كي نختلف دون أن نقتل بعضنا , وغداً قد يكون المستهدف صحفياً آخر، أو كاتباً، أو أستاذاً جامعياً، أو ناشطاً، أو حتى مواطناً عادياً كتب جملة لم تعجب أحداً , لهذا يجب أن يكون موقفنا واضحاً منذ الآن _ نختلف مع رشا عوض كما نشاء، لكننا نرفض قتلها _ نناقش أفكارها كما نشاء، لكننا نرفض التحريض عليها
نرد على مقالاتها، لكننا نرفض تحويلها إلى هدف , فالصحافة لا تُهزم بالرصاص، والأفكار لا تُقتل بالتهديد , وإذا كنا نريد فعلاً أن نخرج من هذه الحرب إلى دولة مدنية وديمقراطية، فعلينا أن نتعلم منذ الآن أن خصمنا السياسي ليس عدونا الذي يجب إسكاته، وأن الصحفي المختلف معنا ليس هدفاً مشروعاً للكراهية , إن أول الطريق إلى السلام ليس فقط إسكات البنادق , بل إسكات اللغة التي تبرر إطلاقها
والتضامن مع رشا عوض في هذه اللحظة هو، في جوهره، تضامن مع حق السودانيين جميعاً في أن يختلفوا دون أن يصبح الاختلاف حكماً بالإعدام.
