تأمُلات
كمال الهِدَي
خجلتُ لرئيس اتحاد الكرة السوداني، الدكتور معتصم جعفر، حين طالعت خبر مغادرته إلى جمهورية الرأس الأخضر، برفقة المدير الفني لمنتخبنا، كواسي أبياه، لحضور مؤتمر يُعنى بمستقبل وتطوير كرة القدم في أفريقيا.
لحظتها سألت نفسي السؤال الذي كان من المفترض أن يطرحه الدكتور على نفسه: ما علاقتي بمستقبل وتطوير كرة القدم، وأنا أترأس اتحاداً لم يسعَ، منذ توليه مهمته، إلا إلى تدمير كرة القدم السودانية؟
هذا بالطبع بافتراض أن رئيس مجموعة الفشل يشعر بالوجع الذي يعانيه المهتمون بشأن الكرة في بلدنا، ويعترف لنفسه، على الأقل، بأنهم والمستقبل والتطوير خطان متوازيان لا يلتقيان مطلقاً.
لو كنت مكانك يا دكتور، لما تجاسرتُ على الذهاب إلى هناك. فهذه الجمهورية الصغيرة، التي شاركت بقوة في آخر نسخة لكأس العالم، نالت استقلالها عام ١٩٧٥، وتأسس فيها اتحاد كرة القدم عام ١٩٨٢، وانضمت إلى الاتحاد الأفريقي عام ١٩٨٦، بينما تترأس أنت اتحاداً ساهم في تأسيس الكاف نفسه.
وبالطبع، لن أحتاج إلى الإشارة إلى الفارق الكبير بين حال كرة القدم عندهم وعندنا. فقد تابع الجميع مباريات منتخبهم الذي أقصته الأرجنتين من نسخة كأس العالم ٢٠٠٦، وشاهدوا حجم التطور الذي حققه نفرٌ يعرفون كيف يخططون، ويضعون الاستراتيجيات، ويتخذون من المؤسسية نهجاً لتحقيق التطور.
فكيف تمتلك، يا أخي، جرأة التواجد وسط قادة الاتحادات الأفريقية الأخرى، وفي بلد أصغر من بلدك بكثير، وبدأ ممارسة كرة القدم بصورة نظامية بعدنا بسنوات طويلة، وأنت الذي تلاحقك لعنات جماهير الكرة في البلد حتى لحظة صعودك طائرك “الميمون”، بسبب فضيحة موزمبيق، وفضيحة منتخب السيدات، وغيرهما من الفضائح الناتجة عن عشوائيتكم وتخبطكم وفسادكم وتقصيركم وإذعانكم لإرادة المالك الحصري لاتحادكم؟
كيف طاوعتك نفسك بأن تشارك في محفل ليس لديك فيه إنجاز مشرف يمكن أن تحدث عنه بقية المشاركين، وتعتبره خطوة يمكن البناء عليها؟
هل ستقول لهم إن الصحف ومواقع التواصل في بلدي تضج وتثور غضباً منذ أيام، لأننا فشلنا في استئجار طائرة خاصة أو ترتيب حجوزات مريحة للاعبي منتخبنا إلى مابوتو، ولذلك وصلوا على دفعات، كانت آخرها في يوم مباراتنا أمام منتخب موزمبيق، فخسرنا بأربعة أهداف مقابل هدف؟
وهل ستقول لهم إن فضائح منتخب السيدات، التي سبقت فضيحتنا في موزمبيق، كانت بسبب أننا شكلنا منتخبهن على عجل، وضممنا إليه فتيات لم يسبق لهن أن مارسن كرة القدم، حتى لا نضيّع فرصة الحصول على أموال الفيفا؟
يحتار المرء، والله، في قدرتكم العجيبة على امتصاص الصدمات، وتقبّل الهزائم، والجرأة على مواجهة نظراء لكم يعملون ليل نهار من أجل رفعة شأن بلدانهم، بينما أنتم تلهثون دائماً وراء فرص مثل هذه المشاركات من أجل النزهة، والإقامة في الفنادق الفخمة، والحصول على نثريات السفر، وغيرها من الامتيازات.
لو كنت تشعر بحجم الوجع الذي تسببتم فيه للمهتمين بشأن الكرة في البلد يا معتصم جعفر، لأعتذرت عن المشاركة قبل أن تكمل قراءة الدعوة، لكن ماذا نقول في أصحاب الجلود “التخينة”؟
أما المدرب أبياه، فمن حقه أن يشارك. فالقارة كلها تعرف إنجازاته السابقة، ولن يُلام كثيراً على تدهور مستوى منتخبه الحالي، باعتبار أنه لا يملك القرار الإداري، وليس مسؤولاً عن سفر اللاعبين أو توفير المعينات وسبل راحتهم خلال المعسكرات.
ومشاركته، كمدرب محترف سبق له أن عمل لدى مؤسسات محترمة، ويمكنه أن يلتحق بمثلها في المستقبل، ستفيده كثيراً. ومثله يحق له أن يحضر مؤتمراً يُعنى بالمستقبل والتطوير.
أما أنت يا دكتور، فأقترح عليك أن تكتفي بحضور الجلسة الافتتاحية، ثم تعود أدراجك، وكفانا فضائح ومشاركات شكلية.
