محمد عبد المنعم صالح
قضيتُ عمراً طويلاً وأنا أرتجف من فكرة الفراق.
كنتُ أحمل همّ القلوب من حولي كأنني وحدي المسؤول عن ثباتها، أتحسس خطواتي خوفاً من عتاب، وأحترق صمتاً كي لا ينكسر خاطرٌ لأحد..
استنزفتُ من روحي وضيّعتُ من صبري الكثير وأنا أقاتل لبقاء علاقاتٍ كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة .. ظناً مني أن الحب يُقاس بعناد التمسك، حتى لو كان الثمن أن أنطفئ أنا..
لكن الأيام ربتني بالوجع، وعلّمتني درساً حفر في الروح عميقاً:
من يريدك لن يُلجئك للقتال من أجل مكانه..
ومن رخصت عنده لهفتك..
فإن التمسك به ليس وفاءً بل إهانةً للقلب..
الكرامة في شرع المشاعر أثمن من أي قربٍ يُشترى بالرجاء..
من أحسستَ ببرودة كفّه، فلا تُدفئه بأنفاسك المتعبة، بل ناوله إزن البعد، وافسح له المدى ليمضي..
من أصبح يتلمّس لك العثرات ليصنع منها جسراً للرحيل، أعِنه على نيّته بصمتٍ نبيل..
لا تعاتب غائباً، ولا تستجدِ قلباً أعطاك ظهره ، بل قف بشموخ وقل: في أمان الله ..
أوصاك ربك بالترفع الجميل حين قال: “وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا”..
والهجر الجميل هو أن ترحل بكامل هدوئك، بلا جراح، ولا صخب، تاركاً نقاءك شاهداً عليك..
الشدائد وحدها تكشف لك من كان يحبك بصدق ومن كان يملأ بك وقتاً..
الكتف الذي غاب عنك وأنت تبكي خلسة، لا يستحق أن يتكئ عليك حين تشرق شمسك..
النبي ﷺ قال: “المؤمنُ مِرآةُ المؤمنِ”؛ فمن كسر مرآتك وأنت في أشد عثرتك، لا يستحق أن يرى ملامحه فيها حين يجبرك الله.
اجعل يقينك بالله هو ملاذك الآمن؛ فالأبواب التي أُغلقت كانت سياجاً يمنع عنك شرّاً لم تكن تراه، والله لا يبتليك بالفقد إلا ليفسح لك مكاناً لعطاءٍ يليق بصبرك: “وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا”..
اطمئن..
فالفراغ الذي تركه الراحلون في صدرك لن يبقى خاوياً، بل سيمتصه الله بنور الرضا وجميل العوض، ووعده الحق باقٍ في سمائه: “وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى”.
استبشر خيراً بصباحاتٍ قادمة، وتذكر قوله ﷺ في الحديث القدسي عن رب العالمين: “أنا عند ظن عبدي بي”؛ فظنَّ بربك فرحاً يداوي مرارة ما ذقت، وفجراً يشرق في حنايا روحك بعد طول ليل..
اللهم يا جابر الخواطر، أخرج من أرواحنا حزن الفقد، وانزع من قلوبنا تعلّقاً بمن خذلنا، وعوّضنا بصحبةٍ تأنس بها أرواحنا وتدلّنا عليك.
اللهم اغننا بك وحدك، واجعلنا أعزّةً بلطفك، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين..
اللهم صلي علي سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ، ناصر الحق بالحق والهادي الي صراطك المستقيم ، وعلي آله حق قدره ومقداره العظيم ..
