جنجكيزان: كيف عبرت شبكات الإسلاميين من دولة الإنقاذ إلى قوة حميدتي، ولماذا تُحرج رواية «الحرب على الكيزان» دون أن تحسمها الأدلة المتاحة (2013–2026)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يناقش المقال ظاهرة «جنجكيزان»، أي التداخل المزعوم بين شبكات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والدفاع الشعبي والأجهزة الأمنية من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، ويحاول تفسير كيف أمكن لبعض الأشخاص ذوي الخلفيات الإسلامية والأمنية الانتقال إلى قوة حميدتي أو العمل معها، وما الذي يعنيه ذلك لرواية الدعم السريع التي تقدم الحرب منذ 15 أبريل 2023 بوصفها حرباً ضد «الكيزان». وينطلق المقال من مفارقة أساسية تتمثل في أن الدعم السريع يقدّم نفسه باعتباره قوة تقاتل الحركة الإسلامية وبقايا نظام الإنقاذ، بينما توجد مؤشرات على وجود أشخاص ذوي خلفيات إسلامية أو مؤتمر وطنية أو أمنية سابقة داخل بنيته السياسية والإدارية والإعلامية والميدانية. ولا تعني هذه المفارقة، في حد ذاتها، أن الدعم السريع قوة إسلامية أو أن الحرب مجرد صراع بين جناحين إسلاميين، وإنما تثير سؤالاً أكثر تعقيداً حول طبيعة الشبكات التي نشأت في ظل نظام الإنقاذ، واستمرارها بعد سقوط البشير، وقدرتها على الانتقال بين المؤسسات والقوى المتنافسة وفق المصالح والجهة والقبيلة والخبرة والعلاقات الشخصية. ومن ثم يحذر المقال من اختزال الحرب في ثنائية «علماني مقابل إسلامي»، ويرى أن الصراع يتضمن تداخل مشاريع هوياتية وأمنية وسياسية مختلفة، لكل منها تاريخ من العنف وشبكات مصالح متشابكة.
ويؤكد المقال منذ البداية أن الاستنتاجات المتعلقة بالأشخاص تحديداً يجب أن تُقرأ بحذر شديد، لأن طبيعة الأدلة المتاحة لا تسمح بتحويل كل ما يرد في الملفات الصحفية أو وسائل التواصل الاجتماعي إلى حقائق ثابتة. ويعتمد التحليل على ثلاثة مستويات من المصادر: الدراسات الأكاديمية التي توثق تاريخ الحركة الإسلامية والدولة والمليشيات ولا تثبت بالضرورة انتماء أفراد محددين؛ والصحافة السودانية والدولية التي تنقل الوقائع والتصريحات والأدوار السياسية؛ والملفات الرصدية التي تسمي أفراداً وتربطهم بالدعم السريع أو بالحركة الإسلامية. ويُعد النوع الأخير الأكثر حاجة إلى التحقق المستقل، لأن بعضه يعتمد على مصادر مجهولة أو منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي أو شهادات لم تُكشف هويتها. كما أن «الكيزان» ليس مصطلحاً تنظيمياً دقيقاً، بل تعبير سياسي وشعبي واسع يمكن أن يستخدم لوصف أعضاء سابقين في الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني أو أشخاص لا تربطهم علاقة تنظيمية مباشرة بالحركة. ولذلك يميز المقال بين الخلفية الإسلامية المثبتة، والخلفية الأمنية، والعمل السابق في مؤسسات النظام، والارتباط السياسي أو القبلي، وبين مجرد التعاون مع قيادة الدعم السريع. ويؤكد أن الشخص لا ينبغي إدراجه في قائمة الإسلاميين لمجرد أنه أصبح مستشاراً أو موظفاً لدى الدعم السريع، وأن كل ادعاء يحتاج إلى وثائق أو شهادات متقاطعة مستقلة.
ويعود المقال إلى جذور الحركة الإسلامية السودانية ليبيّن أن الإسلاميين لم يكونوا كتلة اجتماعية أو جغرافية متجانسة. فقد التحق أبناء دارفور والمناطق المهمشة بالحركة منذ السبعينيات والثمانينيات، ولا سيما عبر الجامعات، وأصبحوا جزءاً من الصراع الداخلي على النفوذ داخل التنظيم. وتكشف المنافسات القديمة أن العلاقة بين الإسلاميين القادمين من الأطراف والنخب النهرية لم تكن دائماً علاقة تبعية، بل تضمنت شعوراً بالتهميش ومحاولات لاستخدام الحركة الإسلامية كوسيلة للارتقاء الاجتماعي والسياسي ومواجهة مركزية الدولة. وأدت المفاصلة بين عمر البشير وحسن الترابي في ديسمبر 1999 إلى انقسام الحركة إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، مع وجود كتلة وازنة من أبناء غرب السودان في المؤتمر الشعبي. كما ساهمت المظالم المتعلقة بعدم المساواة بين المركز والأطراف في نشوء تيارات ربطت بين الإسلاموية والأسئلة الجهوية، وكان «الكتاب الأسود» إحدى التعبيرات المبكرة عن نقد هيمنة المركز، بينما خرجت من هذه البيئة لاحقاً حركة العدل والمساواة. ويورد المقال أمثلة على شخصيات إسلامية من دارفور انتقلت في مراحل لاحقة إلى المعارضة المسلحة، بما يوضح أن الخلفية الإسلامية لم تكن بالضرورة مانعاً من التمرد على نظام الإنقاذ نفسه.
وبالتوازي مع ذلك، تشكلت منذ عام 1989 بنية عسكرية وأمنية اعتمدت على قوات موازية للجيش، وفي مقدمتها قوات الدفاع الشعبي، التي استوعبت مقاتلين من قواعد قبلية واجتماعية في مناطق مثل دارفور وكردفان. وأسهم هذا النموذج في إنشاء بيئة تتقاطع فيها الشبكات الإسلامية والأمنية والقبلية، بحيث أصبح الانتماء إلى الدولة والحركة الإسلامية والمؤسسة الأمنية والقبيلة متداخلاً في بعض المناطق. ومع اندلاع تمرد دارفور عام 2003، اعتمد النظام على الجنجويد وقوات قبلية لمواجهة التمرد، وهو ما أدى إلى تكوين علاقة مباشرة بين الدولة المركزية والمليشيات المحلية تقوم على التمويل والامتيازات والحماية أكثر مما تقوم على مؤسسات عسكرية نظامية. وفي عام 2013 استوعب النظام قوة حميدتي في إطار الدعم السريع، وألحقها في بدايتها بجهاز الأمن والمخابرات الوطني. وبذلك نشأت القوة داخل منظومة الدولة الأمنية نفسها، وليس بوصفها قوة مستقلة تماماً عن النظام. ويشير المقال إلى أن هذه الخلفية المؤسسية تفسر وجود تداخل لاحق بين كوادر الأجهزة الأمنية القديمة والدعم السريع، كما تفسر قدرة القوة على الاستفادة من خبرات أمنية وإدارية كانت موجودة داخل النظام السابق.
بعد سقوط عمر البشير في أبريل 2019 انتقل التنافس بين مكونات النظام القديم إلى مرحلة جديدة. أصبح حميدتي نائباً لرئيس المجلس السيادي، وحُظر المؤتمر الوطني، بينما بدأ صراع نفوذ بين الدعم السريع وبعض الأجنحة القديمة داخل الأجهزة الأمنية. ويعرض المقال روايات تفيد بأن حميدتي سعى إلى تقوية جهازه الأمني والاستخباري الخاص، وأن شخصيات أمنية كانت قد عملت داخل النظام السابق انتقلت إلى العمل معه أو حصلت على حماية أو مناصب في منظومته الجديدة. ويظهر في هذا السياق مثال مسؤولين سابقين في الأمن السياسي أو جهاز المخابرات، وكذلك شخصيات كانت لها علاقات سابقة بحميدتي في دارفور. ويشير هذا المسار إلى أن الانتقال لم يكن بالضرورة نتيجة تحول أيديولوجي من الإسلاموية إلى معاداة الإسلاميين، بل قد يكون نتيجة صراع داخل بنية النظام القديم على الموارد والنفوذ والحماية والمستقبل السياسي. كما يعرض المقال حالة «درع السودان» وأبو عاقلة كيكل باعتبارها مثالاً إضافياً على هشاشة الحدود بين الشبكات المسلحة والسياسية، حيث ارتبط بعض الأفراد في مرحلة بقوات أو تيارات موالية للنظام القديم ثم ظهروا لاحقاً في مواقع مختلفة، بما يؤكد أن الولاء في هذه البيئة يمكن أن يتغير وفقاً للمصلحة والظروف العسكرية والسياسية والجغرافية.
ويخصص المقال جزءاً واسعاً لرسم خريطة للأسماء التي وردت في الملف الصحفي المتعلق بـ«جنجكيزان». ويؤكد أن هذه الخريطة ليست قائمة نهائية أو مثبتة بصورة مستقلة، وإنما مجموعة من الأسماء والأدوار التي أبلغ عنها المصدر. وتشمل الخريطة شخصيات سياسية وإدارية سبق أن شغلت مناصب في الدولة أو الحركة الإسلامية، وشخصيات من دارفور ذات خلفيات قبلية أو حكومية، وقادة ميدانيين يُنسب لبعضهم العمل السابق في الدفاع الشعبي أو الأجهزة الأمنية، إضافة إلى ناطقين وإعلاميين وشخصيات أمنية واستخبارية. ومن الأسماء التي يناقشها المقال حسبو محمد عبد الرحمن، ومحمد إبراهيم عزت، وعثمان السيد عمر عباس، والعجب كبر، وموسى خدام، وعلي الطاهر شريف، ومحمود سوسل، وعبد الله مسار، إلى جانب أبو عاقلة كيكل وعبد الرحمن البيشي وعلي دخرو وعبيد سليمان أبو شوتال وأبشر جبريل بلايل وعبد الرحمن الخير الفهيم، وعدد من الناطقين والإعلاميين مثل الفاتح القراشي والباشا طبيق ومحمود ود أحمد وإبراهيم بقال والربيع عبد المنعم وحذيفة أبو نوبة وعمران عبد الله ومحمد المختار النور وفارس النور، إضافة إلى شخصيات أمنية مثل عبد الغفار الشريف وعوض الكريم القراشي ومحمد المعتصم بدوي ومحمد طاهر عدروب وخباب هادي عيسى.
لكن المقال يشدد على أن ورود هذه الأسماء في مصدر رصدي لا يساوي إثباتاً قضائياً أو أكاديمياً لانتمائها التنظيمي أو لأدوارها داخل الدعم السريع. فبعض الأدوار، مثل المشاركة في التخطيط العسكري أو إدارة مواقع الاحتجاز أو تقديم الدعم اللوجستي، تستند إلى شهادات لم يجد لها المقال تحققاً مستقلاً. كما أن بعض الأشخاص قد يكونون غادروا مواقعهم أو غيّروا ولاءاتهم بعد نشر المعلومات. ولهذا ينبغي التعامل مع القائمة بوصفها قاعدة فرضيات بحثية قابلة للتحقق أو الدحض، وليس بوصفها قائمة نهائية بـ«إسلاميي الدعم السريع».
ويولي المقال أهمية خاصة لتمييز الخلفية الإسلامية عن مجرد العمل مع الدعم السريع، ويستشهد في هذا السياق بيوسف إبراهيم عزت. فقد كان عزت ناشطاً في حركات دارفور المعارضة لنظام البشير قبل ارتباطه بالدعم السريع، وينتمي إلى خلفية سياسية مختلفة عن الحركة الإسلامية، ويُنسب إليه دور في صياغة خطاب «ثورة المهمشين». لذلك فإن إنهاء حميدتي تكليفه مستشاراً سياسياً بعد خلاف يتعلق بموقفه من مشاركة الإسلاميين لا يثبت أنه كان إسلامياً. ويكشف هذا المثال أن العلاقات داخل الدعم السريع أكثر تنوعاً من اختزالها في شبكة إسلامية، وأن القيادة نفسها يمكن أن تتخلص من مستشارين أو شخصيات سياسية إذا تجاوزوا الحدود التي تضعها في التعامل مع الحركة الإسلامية. كما يوضح أن وجود شخص يتعامل مع الإسلاميين أو يدعو إلى الحوار معهم لا يجعله إسلامياً بالضرورة.
ويفسر المقال انتقال بعض الإسلاميين أو أصحاب الخلفيات الأمنية إلى الدعم السريع بمجموعة متداخلة من الدوافع. أولها العامل الجهوي والقبلي، إذ يمكن أن تتقدم الروابط المحلية أو القبلية لدى بعض الأشخاص على الانتماء الأيديولوجي. وثانيها تاريخ الصراع بين الإسلاميين القادمين من الأطراف والنخب المركزية النهرية، وهو ما جعل بعض أبناء دارفور أو كردفان أكثر استعداداً للانحياز إلى قوة تتحدى المركز حتى إذا كان لها تاريخ داخل منظومة الإنقاذ. وثالثها صراعات الأجنحة داخل الأجهزة الأمنية، حيث وفّر صعود حميدتي فرصة لبعض الشخصيات التي فقدت مواقعها أو تعرضت للتهميش في عهد قوش أو غيره. ورابعها المصالح المهنية والمعيشية، إذ أدى سقوط النظام إلى فقدان كثير من الكوادر وظائفها ومواقعها، بينما أصبح الدعم السريع قوة غنية وقادرة على توفير المال والنفوذ والحماية. وخامسها حاجة الدعم السريع ذاته إلى أشخاص يمتلكون الخبرة في الإدارة والأمن والإعلام والعلاقات القبلية.
ومن ثم يرى المقال أن انتقال بعض الأشخاص لا ينبغي تفسيره باعتباره تحولاً عقائدياً من الإسلاموية إلى معسكر مناهض للإسلاميين، بل باعتباره في حالات كثيرة انتقالاً داخل سوق سياسي وأمني تتغير فيه قيمة التحالفات. وقد تتقاطع الهوية الإسلامية مع المصلحة الجهوية والقبلية والمهنية والأمنية، وقد تتراجع الأيديولوجيا أمام الحاجة إلى الحماية والنفوذ والموارد. كما أن الدعم السريع استفاد من خطاب «محاربة الكيزان» في بناء شرعية سياسية، خصوصاً أمام قوى مدنية وإقليمية ودولية تنظر إلى الإسلام السياسي باعتباره تهديداً. وفي الوقت نفسه، فإن بعض القوى المدنية القريبة من الدعم السريع تبنت تصوراً يرى أن الجيش مخترق من الإسلاميين وأن الدعم السريع يمكن أن يمثل قوة أقل أيديولوجية. وهنا تكمن المفارقة: يمكن لقوة أن تستفيد من خطاب مناهض للإسلاميين بينما تضم في الوقت نفسه أفراداً ذوي خلفيات إسلامية، لأن العلاقة الفعلية تقوم على الانتقاء الشخصي والمصلحة والولاء للقيادة أكثر مما تقوم على نقاء أيديولوجي.
ويحدد المقال عدة آليات لاستيعاب الشبكات القديمة داخل القوة الجديدة. تتمثل الأولى في التعاقد الشخصي مع أصحاب الخبرة الأمنية والإدارية، بما يسمح بنقل المعرفة المؤسسية من النظام السابق إلى القوة الجديدة. وتتمثل الثانية في تحويل رأس المال الاجتماعي والقبلي والإداري إلى سلطة محلية، من خلال استخدام شخصيات سبق أن شغلت مناصب حكومية أو قبلية في إدارة المناطق التي سيطر عليها الدعم السريع. والثالثة هي إنشاء كيانات أو شبكات لاستقطاب الشباب، بما يحول النفوذ الشخصي إلى بنية اجتماعية أوسع. والرابعة هي الاستفادة من الخبرات الإعلامية والأمنية والاستخبارية السابقة في بناء الدعاية وجمع المعلومات وإدارة العلاقات السياسية. ويشير المقال إلى أن بعض الادعاءات حول استخدام هذه الشبكات لاختراق النقابات والأحزاب أو استثمار الأرشيف الأمني القديم لا تزال بحاجة إلى إثبات مستقل، ولا يجوز التعامل معها كحقائق مكتملة.
وتظهر الظاهرة في الخطاب السياسي والعسكري والتنظيمي والتحالفات الدولية. فمن ناحية، يواصل الدعم السريع تقديم الحركة الإسلامية باعتبارها عدوه الأساسي، ويصفها بأنها قوة تسعى إلى استعادة النظام القديم. ومن ناحية أخرى، تظهر داخل صفوفه شخصيات ذات خلفيات إسلامية أو مؤتمر وطنية بحسب الأدلة المرصودة. وفي عام 2026 اتخذ الصراع على الحركة الإسلامية بعداً دولياً أكبر مع الترحيب من الدعم السريع وبعض حلفائه بتصنيف الولايات المتحدة للحركة الإسلامية في السودان منظمة إرهابية، ثم استمرار الجهود الرامية إلى استهداف الأصول والشركات والشخصيات المرتبطة بها خارج السودان. كما ظهر توافق بين قوى مدنية مختلفة على ضرورة استبعاد الحركة الإسلامية من العملية السياسية، رغم اختلاف هذه القوى في مواقفها من الجيش والدعم السريع. ويكشف ذلك أن الإسلاميين أصبحوا موضوعاً مركزياً في إعادة تشكيل التحالفات السياسية، وليس مجرد طرف عسكري داخل الحرب.
ويحلل المقال كذلك تحالفات الدعم السريع مع قوى وحركات أخرى، ولا سيما ميثاق «تأسيس» الذي جمع قوى سياسية ومسلحة ومدنية متعددة. وقد ضم التحالف قوى ذات تاريخ طويل من الصراع مع نظام الإنقاذ، إلى جانب قوى ترى في الجيش الحالي امتداداً للنظام السابق. ويُفسر اصطفاف عبد العزيز الحلو مع الدعم السريع جزئياً باعتقاده أن صعود قيادة الجيش يمثل عودة لشبكات الإسلاميين التي دعمت نظام البشير. لكن هذه التحالفات نفسها تحمل تناقضات، لأن الحلفاء المدنيين والمسلحين للدعم السريع يواجهون سؤالاً حول كيفية التوفيق بين خطابهم المناهض للإسلاميين وبين وجود أشخاص ذوي خلفيات إسلامية داخل القوة التي يعتمدون عليها. وفي المقابل يتهم معسكر الجيش خصومه بحمل مشروع هوياتي وإقصائي والاستفادة من حاضنة اجتماعية ارتبط جزء منها بتاريخ الجنجويد والانتهاكات في دارفور.
ويرى المقال أن استيعاب هذه الكوادر يمنح الدعم السريع مكاسب واضحة، أبرزها الحصول على خبرات إدارية وأمنية وإعلامية، وتوسيع شبكة العلاقات المحلية، وتعزيز القدرة على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته، وبناء أجهزة موازية للدولة. كما يمكن أن يؤدي إلى تفكيك خصومه الإسلاميين من الداخل عبر جذب بعض كوادرهم إلى جانبه. لكنه في الوقت نفسه يخلق نقطة ضعف أساسية في روايته السياسية والأخلاقية، لأن خصومه يستطيعون استخدام وجود هؤلاء الأشخاص للقول إن الحرب ليست حرباً بين الدعم السريع والإسلاميين، بل صراع بين قوى وشبكات خرجت بدرجات مختلفة من بنية النظام القديم. وتزداد المشكلة بالنسبة للقوى المدنية المتحالفة معه، لأنها تحتاج إلى تحديد معيار واضح يميز بين الإسلاميين الذين ينبغي استبعادهم وبين الإسلاميين السابقين الذين يعملون داخل مؤسسات أو تحالفات الدعم السريع.
ويواجه معسكر الجيش المشكلة المقابلة. فكما توجد ادعاءات حول وجود إسلاميين في الدعم السريع، توجد أدلة وتحليلات تشير إلى نفوذ الإسلاميين داخل الجيش ومؤسساته وشبكاته المالية والدبلوماسية، وإلى وجود كتائب ذات طابع إسلامي مثل «البراء بن مالك». وقد سعى الإسلاميون إلى استثمار الحرب للحفاظ على حضورهم السياسي وربما العودة إلى السلطة عبر انتصار الجيش. وبذلك يصبح الاتهام المتبادل بالاختراق الإسلامي جزءاً من الحرب السياسية، حيث يقدّم كل طرف خصمه باعتباره الواجهة الحقيقية للإسلاميين، بينما ينفي أو يقلل من أهمية وجود عناصر ذات صلة به داخل معسكره. والنتيجة أن الحركة الإسلامية تتحول إلى ورقة سياسية وأمنية يستخدمها الطرفان، بدلاً من أن تكون مجرد تنظيم خارجي عن الحرب.
ويبحث المقال في الآثار المترتبة على ذلك بالنسبة للحرب والتسوية. داخلياً، يمكن لوجود الإسلاميين داخل الدعم السريع أن يضعف مصداقية رواية «الحرب على الكيزان»، لكنه لا يثبت في المقابل أن الدعم السريع يمثل تنظيماً إسلامياً. وعلى مستوى التحالفات العسكرية، يتيح استمرار الإسلاميين داخل الجيش تعزيز موقعهم، خصوصاً إذا اعتمدت القيادة العسكرية على الكتائب والقوى المرتبطة بهم في القتال. وعلى مستوى التسوية السياسية، فإن استبعاد الإسلاميين من العملية الانتقالية قد يكون ضرورياً لمنع عودة النظام القديم، لكنه يصبح أكثر تعقيداً إذا لم توجد معايير فردية واضحة، لأن بعض الأشخاص ذوي الخلفيات الإسلامية موجودون داخل أكثر من معسكر. وبالتالي فإن الاستبعاد الجماعي بناءً على الهوية أو الماضي التنظيمي قد ينتج ظلماً جديداً أو يفتح باباً واسعاً للتلاعب السياسي.
ويربط المقال هذا الإشكال بالجانب الإنساني والقانوني للحرب. فقد استُخدم اتهام المدنيين أو المقاتلين بالانتماء إلى الحركة الإسلامية في بعض الحالات لتبرير عمليات عسكرية وانتهاكات، بما في ذلك ما ارتبط بأحداث الجزيرة، كما استخدم حميدتي اتهام الجيش والحركة الإسلامية للتنصل من مسؤولية بعض الوقائع. وفي المقابل استخدم الجيش والإسلاميون وجود عناصر الدعم السريع أو حلفائه في مناطق مدنية لتبرير عملياتهم. ولذلك يرى المقال أن تحديد المسؤولية عن الانتهاكات يجب أن يقوم على التحقيق الجنائي المستقل في كل واقعة، لا على الانتماء المفترض إلى أي جماعة سياسية أو أيديولوجية.
وتستند القراءة النظرية للمقال إلى أربعة مفاهيم رئيسية. الأول هو «تحصين الحكم» باستخدام قوات موازية للجيش، وهو ما يفسر لماذا أنشأ النظام قوات مثل الدعم السريع لضمان عدم احتكار الجيش للقوة. والثاني هو استقلالية المليشيات، التي تجعل القوة التي ينشئها النظام لحمايته قادرة مع الوقت على بناء مواردها وشبكاتها ومصالحها الخاصة ثم التحول إلى منافس للدولة نفسها. والثالث هو «السوق السياسي»، الذي يفسر انتقال الولاءات على أساس المال والنفوذ والحماية والمصالح بدلاً من الاعتقاد الأيديولوجي وحده. والرابع هو التحول التاريخي للحركة الإسلامية السودانية من حركة ذات مشروع عقائدي إلى شبكة مصالح ومؤسسات وطبقات اجتماعية متعددة، بما يجعل انتقال بعض أفرادها إلى قوى أخرى أقل تناقضاً مما يبدو في القراءة الأيديولوجية البسيطة. ويضاف إلى ذلك أن تنوع القاعدة الاجتماعية للإسلاميين، ولا سيما وجود الإسلاميين من المناطق المهمشة، يجعل تفسير الظاهرة من خلال الانتماء الجهوي والطبقي والسياسي أكثر دقة من افتراض وجود كتلة إسلامية موحدة.
وينتهي المقال إلى أن الأدلة المتاحة تدعم وجود تداخل تاريخي ومؤسسي بين بعض شبكات الإسلاميين والأجهزة الأمنية وقوات الدعم السريع، وأن هذا التداخل بدأ قبل حرب 2023 بسنوات، بل يعود إلى الطريقة التي أنشئت بها القوة نفسها داخل منظومة الأمن في عهد الإنقاذ. كما تدعم الأدلة وجود أفراد ذوي خلفيات إسلامية أو مؤتمر وطنية أو دفاع شعبي أو أمنية داخل الدعم السريع، في مواقع سياسية وإدارية وإعلامية وميدانية وأمنية مختلفة. إلا أن الأدلة لا تكفي لإثبات أن الدعم السريع كتنظيم هو حركة إسلامية أو أنه يعمل بوصفه ذراعاً للحركة الإسلامية، ولا تكفي أيضاً لإثبات أن كل الأسماء المتداولة في قوائم «جنجكيزان» أعضاء فعليون في الحركة الإسلامية. والأكثر ترجيحاً وفق الصورة التي يرسمها المقال أن دوافع هؤلاء الأشخاص متعددة، وأن الجهوية والقبلية والمصلحة الشخصية وصراع الأجنحة والحاجة إلى المال والحماية والنفوذ كثيراً ما تتداخل مع الخلفية الأيديولوجية.
وبذلك فإن ظاهرة «جنجكيزان» تحرج رواية «الحرب على الكيزان» لكنها لا تحسمها. فهي تجعل من الصعب قبول الرواية باعتبارها وصفاً كاملاً ونقياً للصراع، لكنها لا تثبت الرواية المقابلة التي تختزل الحرب في صراع بين الإسلاميين أنفسهم. كما أن وجود إسلاميين داخل الدعم السريع لا يلغي حقيقة وجود نفوذ إسلامي قوي داخل معسكر الجيش، ولا يلغي الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع، ولا يبرئ الجيش أو الحركة الإسلامية من مسؤولياتهما. وبالمثل فإن وجود الإسلاميين داخل الجيش لا يجعل كل مؤسسات الجيش إسلامية ولا يبرر الانتهاكات التي ترتكبها القوات أو الجماعات المتحالفة معه.
ويخلص المقال إلى أن القضية الأساسية ليست إثبات أي معسكر أكثر «كيزانية»، وإنما كشف البنية التي جعلت الانتقال بين المؤسسات المسلحة والسياسية ممكناً أصلاً. فاستمرار شبكات المصالح والأجهزة الموازية والولاءات الشخصية والقبلية أدى إلى تحويل الانتماء السياسي والأمني إلى مورد يمكن الانتقال به من قوة إلى أخرى. ولذلك فإن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تعتمد على الوسم الجماعي، بل على المسؤولية الفردية المثبتة عن الجرائم والانتهاكات. وينبغي قبل إدراج أي شخص في قوائم العقوبات أو الاستبعاد السياسي التحقق من انتمائه ودوره من خلال الوثائق الرسمية والشهادات المتقاطعة والمصادر المستقلة.
كما يقترح المقال بناء قاعدة بيانات مفتوحة ومنهجية للأشخاص والأدوار والشبكات، بحيث تُسجل الأدلة وتُصنف درجات اليقين، وتُقارن الوثائق الرسمية بالمصادر الصحفية والشهادات الميدانية. ويمكن من خلال هذا النهج التمييز بين العضوية التنظيمية، والعمل الحكومي السابق، والخدمة الأمنية، والتعاون المؤقت، والانتماء القبلي، والعلاقة الشخصية، والمسؤولية المباشرة عن الانتهاكات. وهذا من شأنه تحويل الجدل من تبادل الاتهامات إلى بحث قابل للاختبار والتحقق.
والدرس الأوسع الذي يستخلصه المقال هو أن المشكلة السودانية لا تُحل بتطهير مؤسسة من مؤسسة أو بتبديل شبكة مسلحة بشبكة مسلحة أخرى، لأن البنية التي سمحت بانتقال الكوادر بين الإسلاميين والأجهزة الأمنية والدعم السريع يمكن أن تعيد إنتاج نفسها تحت أسماء جديدة. والحل المستدام يتطلب جيشاً وطنياً مهنياً موحداً يخضع للسلطة المدنية، وجهازاً أمنياً واستخبارياً خاضعاً للرقابة والقانون، وإنهاء اقتصاديات المليشيات والقوات الموازية، وإقامة عدالة انتقالية تقوم على المسؤولية الفردية، ومنع عودة التنظيمات التي استخدمت الدولة والعنف للاستيلاء على السلطة، مع عدم تحويل الانتماء السياسي أو الديني وحده إلى جريمة. وفي هذا الإطار تصبح الحقيقة والتحقق أهم من الوسم، ويصبح بناء المؤسسات أهم من إعادة توزيع الولاءات، لأن غياب المؤسسات الوطنية هو الذي سمح أصلاً بتحول الإسلاميين والمليشيات والأجهزة الأمنية والقوى السياسية إلى شبكات متداخلة تستطيع الانتقال من معسكر إلى آخر بحسب ميزان القوة والمصلحة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: مفارقة الخصم الذي يسكن البيت
تقوم رواية قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 على أنها تخوض معركة ضد «الكيزان»، أي كوادر الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المنحل. كرر قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) هذه الرواية مراراً. ففي كلمة نشرتها قواته في الأسابيع الأولى للحرب قال إن الجيش يعمل تحت قيادة أحمد هارون وعلي أحمد كرتي وأسامة عبد الله وغيرهم من الإسلاميين (Middle East Eye, 2023). ووصف البرهان في الأيام الأولى بأنه «إسلامي متطرف» (عربي 21، 2023). وفي 16 يونيو 2024 زعم أن الجيش انسحب من مفاوضات المنامة في فبراير بضغط من الحركة الإسلامية رغم التوصل إلى اتفاق، ووعد بتخليص السودان من «بقايا النظام القديم» داخل الجيش والمخابرات (Sudan Tribune, 2024b). وفي 30 مارس 2025، بعد خروج قواته من الخرطوم، وصف الحركة الإسلامية بـ«الحركة الشيطانية»، ونفى أي تفاوض أو اتفاق معها سراً أو علناً (Sudan Tribune, 2025).
في المقابل تتراكم مؤشرات على أن هذه القوة نفسها تضم، أو ضمّت، كوادر خرجت من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وقوات الدفاع الشعبي وجهاز الأمن والمخابرات الوطني. وقد سمّى بعض الكتّاب هذه الظاهرة «الجنجكيزان»، وهو لفظ منحوت من «الجنجويد» و«الكيزان» (Sudan In The News, 2024). وتنبع أهمية المسألة من أنها تمس السؤال الأعمق عن طبيعة الحرب: هل هي صراع بين مشروع إسلامي ومشروع مدني كما تقول رواية الدعم السريع، أم صراع بين فرعين من حاضنة أمنية واحدة صنعها نظام الإنقاذ، كما يقول خصومه؟ وقد لخّص تحليل صادر عن مؤسسة «أوبزرفر ريسيرش» هذا الجدل بقوله إن الصراع يتجاوز ثنائية العلماني والديني إلى تنافس أيديولوجيات هوياتية تحمل كل منها سجلاً من العنف (Observer Research Foundation, 2025). وتتبع هذه الدراسة منهجاً سردياً في ترتيب فصولها. تبدأ بالمنهج وحدود الأدلة لأن طبيعة المصادر تحكم كل ما بعدها، ثم تنتقل إلى الجذور التاريخية، فالنشأة والتطور، فالأسماء والمواقع، فالدوافع والمحددات، فالآليات، فالتجليات، فالفرص والتحديات، فالتداعيات، فالأطر النظرية، وتنتهي بخاتمة نقدية. وهو ترتيب يتدرج من الأصل إلى الظاهرة إلى أثرها إلى تفسيرها، كما تقتضي أفضل ممارسات بناء البحث العلمي السردي.
الفصل الأول: بين الشهادة والتحقق: لماذا يجب قراءة ملفات «الكيزان» بحذر منهجي
يعتمد هذا المقال على ثلاثة أنواع من المصادر. النوع الأول أدبيات أكاديمية وتحليلية عن الحركة الإسلامية السودانية وانشقاقاتها ومليشياتها (Berridge, 2021؛ Gallab, 2008؛ Flint, 2008)، وهي توثق السياق لا الأفراد. والنوع الثاني صحافة سودانية ودولية متخصصة تنقل وقائع وتصريحات مؤرخة، مثل «Sudan Tribune» و«Middle East Eye». والنوع الثالث، وهو أخطر الأنواع منهجياً، الملفات الرصدية المسمّاة للأفراد، وأهمها ملف «Sudan In The News» الذي نُشر في 2 أغسطس 2024 وقال معدّوه إنهم جمعوا معلوماته من مصادر علنية ومن أشخاص مطلعين على الدعم السريع والحركة الإسلامية، وإنهم رصدوا ما لا يقل عن ثلاثين اسماً مع عجزهم عن التحقق من أسماء أخرى متداولة (Sudan In The News, 2024).
وثمة أربعة تحفظات تحكم قراءة هذا الملف. أولها أنه صادر عن موقع معادٍ للدعم السريع بوضوح، ويعتمد في كثير من إسناده على منشورات منصات التواصل وعلى شهادات لم تُسمَّ. وثانيها أن المنشور الأكاديمي المحكَّم لا يتضمن، في حدود ما بلغه البحث، دراسة مستقلة تتناول هذه الفئة بعينها. وثالثها أن مصطلح «الكيزان» سياسي وذمّي في الاستعمال الشعبي، وقد نُسب أصله إلى وصف حسن الترابي للإسلام بأنه بحر والنظام «كوز» تغرف به الناس منه (Sudan In The News, 2024)، وهو يُطلق في الخطاب العام على خصوم سياسيين بلا ضابط تنظيمي. ورابعها أن الأطراف الثلاثة، الجيش والدعم السريع والحركة الإسلامية، توظف هذا التوصيف أداة تعبئة لا أداة وصف. لذلك تُنسب الأسماء والمواقع في هذا المقال إلى مصادرها صراحة، وتُعامل بوصفها ادعاءات مرصودة تحتاج تحققاً مستقلاً لا حقائق محسومة، ويُذكر حيث ورد نفي الدعم السريع لبعضها. أما الوقائع الموثقة في الصحافة المتخصصة فتُعرض بوصفها كذلك. ويُستبعد من القائمة من لا يثبت انتماؤه الإسلامي ولو كان مقرباً من قيادة الدعم السريع أو مرتبطاً بخطابها، لأن الخلط بين المستشارين الذين جاؤوا من خلفيات أخرى والكوادر الإسلامية المنتقلة يفسد التحليل من أساسه.
الفصل الثاني: من مفاصلة 1999 إلى إسلاميي الهامش: الجذور التي صنعت التداخل
لا يمكن فهم هذا التداخل دون تفكيك فكرة أن الحركة الإسلامية كتلة نهرية متجانسة. فقد التحق بها الدارفوريون بأعداد كبيرة منذ السبعينيات والثمانينيات، خصوصاً في جامعة الخرطوم، ثم دخلوا في تنافس مع المركز النهري داخلها مبكراً. وتتتبع المقالات التحليلية في «African Arguments» ملامح هذا التنافس، ومنها أن انتخابات 1996 شهدت قراراً باستبدال الأمين العام الدارفوري الشفيع محمد أحمد بغازي صلاح الدين العتباني، وأن هذا القرار أثار تمرداً بين أعضاء الحركة من دارفور (African Arguments, 2008d). ثم جاءت المفاصلة في 12 ديسمبر 1999، وهو التاريخ الذي وصفه أحد المحللين بأنه «قتل الأب السياسي» حين أقصى البشير ورفاقه حسن الترابي (African Arguments, 2008c). فتشكّل المؤتمر الشعبي الذي تقف خلفه كتلة وازنة من «الغرابة» أي أبناء غرب السودان (African Arguments, 2008b). وكان حزب المؤتمر الوطني قد أُنشئ في 1998 ليكون الحزب الحاكم، بينما أُنشئ المؤتمر الشعبي في 1999 بعد إبعاد الترابي (Sudan In The News, 2024). وفي عام 2000 صدر «الكتاب الأسود» الذي مثّل تقارباً رمزياً بين الإسلاميين الدارفوريين والراديكاليين العلمانيين، وهي الخلفية الفكرية التي نشأت منها حركة العدل والمساواة (African Arguments, 2008b). وللدلالة على تداخل المسارات يُذكر أن زعيم الحركة خليل إبراهيم كان أميراً للمجاهدين في الاستوائية الشرقية أيام الجهاد في الجنوب قبل أن يقود تمرداً على النظام (African Arguments, 2008a)، وأن داود بولاد، القيادي الطلابي الإسلامي في الفاشر، انشق وتحالف مع الحركة الشعبية في تمرد دارفور عام 1991 (African Arguments, 2008b).
يؤكد تحليل (Berridge, 2021) أن الإسلاميين القادمين من المناطق المهمشة لم يكونوا مجرد توابع للنخبة النهرية، بل استخدموا الحركة لعبور الفجوة الاجتماعية بين المركز والأطراف، وأحياناً بما يتحدى النخب التي هيمنت عليها. ومن هذه الزاوية يصبح وجود كوادر ذات خلفية إسلامية بين الوجاهات والمؤسسات السياسية والأمنية في الغرب نتيجة بنيوية لتاريخ تجنيد الحركة لأبناء الأطراف، لا استثناءً طارئاً (Gallab, 2008). وعلى الجانب العسكري أُنشئت قوات الدفاع الشعبي في 1989 فاستوعبت مليشيات قبلية من القاعدة الاجتماعية ذاتها التي سيقوم عليها الدعم السريع لاحقاً، من المسيرية والرزيقات والحوازمة (Sudan In The News, 2024). وهكذا تهيأت بيئة تتقاطع فيها الشبكات الإسلامية والأمنية والقبلية قبل أن يظهر اسم الدعم السريع بزمن طويل.
الفصل الثالث: من الجنجويد إلى جهاز الأمن: كيف وُلدت قوة بحاضنة إسلامية-أمنية (2003–2013)
بعد أن تحرك متمردو دارفور عام 2003، نظّم الجيش السوداني مليشيات الجنجويد قوة لمكافحة التمرد (Britannica, 2025). ويرى (Flint, 2008) أن هذه الدينامية ربطت المركز بالأطراف عبر وكلاء مسلحين تُدار علاقتهم بالدولة بالمال والامتياز لا بالهياكل المؤسسية. ثم استعان الرئيس عمر البشير في 2013 بفصيل من الجنجويد بقيادة حميدتي، فصار الدعم السريع، وأُلحق ابتداءً بجهاز الأمن والمخابرات الوطني (Britannica, 2025). وتندرج هذه الخطوة في منطق «تحصين الانقلاب» الذي وصفه (Quinlivan, 1999)، أي موازنة الجيش النظامي بقوات موازية موالية للحاكم مباشرة. ويفسّر هذا الأصل المؤسسي أن الدعم السريع كان منذ نشأته ملتصقاً بأجهزة النظام وشبكاته الأمنية، لا ميليشيا قبلية مستقلة نشأت خارج الدولة. كما أن أحد ملفات الرصد يشير إلى أن أفراد الدعم السريع كانوا يحملون في بدايته بطاقات الجهاز (Sudan In The News, 2024).
الفصل الرابع: بعد سقوط البشير: صراع الأجنحة الأمنية الذي فتح الباب (2019–2023)
بعد إطاحة البشير في أبريل 2019 صار حميدتي نائباً لرئيس المجلس السيادي، وحُظر حزب المؤتمر الوطني في نوفمبر 2019 (Middle East Eye, 2023). ويذكر (Sudan In The News, 2024)، استناداً إلى تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، أن العداء كان متبادلاً بين حميدتي ورئيس الجهاز الأسبق صلاح قوش، وأن حميدتي سعى إلى تقوية قواته على حساب الجهاز بضم ذراعه العملياتي إليها. وتفيد التقارير ذاتها بأن عبد الغفار الشريف، المدير السابق لإدارة الأمن السياسي بالجهاز، كان قد حُكم عليه بالسجن سبع سنوات في عهد قوش، وأُفرج عنه بأمر من حميدتي بعد سقوط البشير، وكُلّف بتأسيس جهاز استخبارات للدعم السريع بالتوازي مع الجهاز الأصلي، وهو أمر ذُكر منذ يوليو 2019. ويُنسب إلى عوض الكريم القراشي، نائب مدير الجهاز سابقاً، أنه أُحيل إلى التقاعد بقرار من الفريق أول عبد الفتاح البرهان في نوفمبر 2019، وأنه صار لاحقاً مستشاراً للدعم السريع بسبب علاقته الوثيقة بحميدتي من أيام العمل المشترك في دارفور (Sudan In The News, 2024). ومن ثم فإن انتقال كوادر أمنية ذات خلفية إسلامية إلى الدعم السريع بدأ قبل الحرب بسنوات، وفي سياق صراع داخلي بين أجنحة النظام القديم، وليس بدافع أيديولوجي صرف.
وفي ديسمبر 2022 تشكّلت قوة «درع السودان»، وقد ربطها الملف الرصدي بقيادات إسلامية متقاعدة، منهم أبو عاقلة كيكل الذي قال المصدر إنه خدم في الدفاع الشعبي بين 1997 و2011 وقاد سيطرة الدعم السريع على ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023 (Sudan In The News, 2024). ثم أفادت تقارير لاحقة بأن قوات درع السودان تحالفت مع البرهان لاستعادة الجزيرة وسنار، بوصفها حركة مسلحة ذات صلات بالنظام السابق (AllAfrica, 2025). ويوضح هذا الانتقال من معسكر إلى آخر أن الولاءات داخل هذه الشبكات تحكمها المصلحة والجغرافيا لا التنظيم وحده.
الفصل الخامس: خريطة الأسماء والمواقع: ما أُبلغ عنه وما نُفي وما لم يثبت
يعرض ملف «Sudan In The News» ما لا يقل عن ثلاثين اسماً، ويصنفها بحسب الأدوار، وكل ما يلي منسوب إلى ذلك المصدر ما لم يُذكر غيره. ففي فئة المستشارين والسياسيين الذين شغلوا مناصب في النظام السابق يرد اسم حسبو محمد عبد الرحمن، وهو من جنوب دارفور وبرز في الحركة الإسلامية منذ دراسته في مصر، ثم رأس مفوضية العون الإنساني وشغل منصب نائب رئيس الجمهورية بين 2013 و2018 وظل نائباً للأمين العام للحركة الإسلامية حتى فصلتها في أبريل 2024 بسبب انضمامه إلى الدعم السريع، بينما ينفي الدعم السريع أنه مستشار له. ويرد كذلك محمد إبراهيم عزت الذي يصفه المصدر بأنه قيادي إسلامي ومسؤول حكومي في شمال دارفور وينتمي إلى بطن المهرية من الرزيقات الذي ينتمي إليه الدقلويون، وعثمان السيد عمر عباس الذي شغل مواقع في القصر الجمهوري وأدار وحدتيه الهندسية والإدارية وأُشير إلى أنه نسّق حملة البشير الانتخابية لعام 2020، والعجب كبر الذي كان والياً بالإنابة لشرق دارفور في 2014 وهو الآن رئيس لجنة تسوية النزاعات القبلية في الولاية التي يسيطر عليها الدعم السريع، وموسى خدام، قيادي في قطاع الشباب بالمؤتمر الوطني ومعتمد سابق في وسط دارفور، وعلي الطاهر شريف الذي كان معتمداً لمحلية الضعين ونائباً لوالي شرق دارفور قبل شهر من سقوط النظام، ومحمود سوسل الذي كُلّف في نوفمبر 2023 من عبد الرحيم دقلو بترؤس لجنة لإدارة ولاية وسط دارفور بعد سقوطها بيد الدعم السريع، وعبد الله مسار، وزير الإعلام ووالي نهر النيل سابقاً بحسب الملف، الذي يُنسب إليه التوقيع على وثيقة «قريش 1» عام 1987 التي وُصفت بأنها بيان تنظيم «التجمع العربي في غرب السودان».
وفي فئة القادة الميدانيين يرد أبو عاقلة كيكل، وعبد الرحمن البيشي الذي قُتل في 20 يوليو 2024 بحسب المصدر وكان قائد عملياته في سنار والنيل الأزرق، وعلي دخرو الذي قال الملف إنه خدم في كتيبة العمليات الخاصة بالدفاع الشعبي وأشرف على مواقع احتجاز في شرق الخرطوم، وعبيد سليمان أبو شوتال، وأبشر جبريل بلايل، وعبد الرحمن الخير الفهيم من المسيرية الذي ينسب إليه أنه كان عضواً في الحركة الإسلامية الطلابية ومتعاوناً مع الجهاز. وفي فئة الناطقين والإعلاميين يرد الفاتح القراشي الناطق الرسمي الذي يذكر الملف أنه كان نائب رئيس اتحاد المؤتمر الوطني الطلابي في جامعة غرب كردفان وعمل مديراً لمكتب والي شرق دارفور أنس عمر قبل انضمامه للدعم السريع عام 2019، والباشا طبيق الذي قال الملف إنه شارك في مسيرات إسلامية في 30 يونيو 2021، ومحمود ود أحمد الذي كان رئيساً للاتحاد الوطني للشباب السوداني التابع للحزب المنحل، وإبراهيم بقال، والربيع عبد المنعم، وحذيفة أبو نوبة، وعمران عبد الله، ومحمد المختار النور وفارس النور اللذان شاركا في وفد جدة التفاوضي. وفي فئة الأمن والاستخبارات ترد أسماء عبد الغفار الشريف وعوض الكريم القراشي ومحمد المعتصم بدوي ومحمد طاهر عدروب وخباب هادي عيسى.
ويستلزم الحذر منهجياً ألا يُدرج في هذه القائمة من لا تثبت له الصلة التنظيمية بالحركة الإسلامية، وإن عمل مستشاراً لقيادة الدعم السريع. ومثال ذلك يوسف إبراهيم عزت، الذي أنهى حميدتي تكليفه مستشاراً سياسياً في 10 يوليو 2024 بعد تعليقات له على استبعاد الحركة الإسلامية من مؤتمر القاهرة، ورجّحت التحليلات أن ذلك هو سبب القرار (Sudan Tribune, 2024a). فقد كان ناشطاً قبل التحاقه بالدعم السريع في الحركات المسلحة المعارضة لحكومة البشير في دارفور منذ 2003، وهو من أقلية الشباب الدارفوريين العرب الذين انضموا إلى حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور قبل انشقاق جناح مني أركو مناوي، ويُنسب إليه تأثير في تشكيل الفكر السياسي لحميدتي والترويج لمفهوم «ثورة المهمشين» في مواجهة السلطة المركزية، وقد قال إن دوره يستند إلى رابطة شخصية تسبق الصلة العائلية تجمعه بحميدتي منذ الطفولة (Sudan Tribune, 2024a). ويدل مسار هذا الرجل على أن دعوة مستشار في الدعم السريع إلى إدماج الإسلاميين في الحوار السياسي لا تعني أنه منهم، وعلى أن لقيادة الدعم السريع حدّاً أحمر إزاء الحديث عن إشراك الحركة الإسلامية. وهذا الموقف يتسق مع ما ورد عن تنقل عدد من الشخصيات بين المعسكرات.
ومن الضروري التنبيه إلى أن بعض الأسماء قد تكون تغيّرت مواقعها بعد نشر الملف، وأن الدعم السريع نفى صلة بعضها به، وأن ما ينشر عن أدوار بعضهم، كإدارة مواقع الاحتجاز أو المشاركة في التخطيط اللوجستي لعملية 15 أبريل 2023، يستند إلى شهادات صحفية لم أجد لها تحققاً مستقلاً. ومن ثم يجب اعتماد هذه القائمة فرضية بحثية تحتاج إلى فحص الوثائق الحزبية والإدارية وشهادات الميدان، لا حصراً مؤكداً.
الفصل السادس: لماذا يعبر الكوز إلى معسكر خصمه؟ دوافع الانتماء وحدوده
تتقاطع عدة محركات في تفسير هذا العبور. أولها الهوية الجهوية والقبلية التي تتقدم عند بعضهم على الانتماء التنظيمي، وقد عبّر عن هذه الصدمة مقال في «القدس العربي» حين استغرب أن يعلن حسبو عبد الرحمن، نائب الأمين العام للحركة، انحيازه للدعم السريع وتحوله مستشاراً لحميدتي، وذكّر بأن العِرق عند بعضهم أهم من رابطة الدين (القدس العربي، 2024). وثانيها إرث المفاصلة وتشكّل كتلة غرب سودانية داخل الإسلاميين تحمل مظالم تجاه المركز النهري (African Arguments, 2008b؛ Berridge, 2021). وثالثها صراع الأجنحة داخل جهاز الأمن، إذ مثّل حميدتي فرصة لمن همّشهم قوش وخصومه. ورابعها الاعتبارات المهنية والمعيشية، فالكادر الإداري والإعلامي والأمني الذي فقد وظيفته بعد 2019 وجد في قوة صاعدة ومموَّلة مصدر دخل ونفوذ.
وخامسها حاجة الدعم السريع نفسه إلى هذه الكفاءات. فشعار «محاربة الكيزان» يحقق، بحسب (Sudan In The News, 2024)، ثلاثة أهداف: تبرير العنف ضد المدنيين بدعوى استهداف الإسلاميين كما في الحديث عن ضحايا مجزرة في الجزيرة في يونيو 2024، وكسب شرعية سياسية محلية من قوى مدنية، وكسب شرعية دولية وإقليمية من أطراف ترى في الإسلاميين خطراً. وتضيف (Elhag, 2024) أن قيادات مدنية قريبة من الدعم السريع تعتبر الجيش مخترقاً من «الكيزان» وتفضّل الدعم السريع جيشاً غير أيديولوجي. أما المحددات فمنها حدود السيطرة الأيديولوجية للقيادة، وتفضيل حميدتي للولاء الشخصي والعشائري، ودور الرعاة الإقليميين الذين يربطون دعمهم بمحاربة الإسلام السياسي (Sudan In The News, 2024). ويشير كل ذلك إلى أن العبور بين المعسكرين تفسره بنية المصالح أكثر مما يفسره التحول العقائدي.
الفصل السابع: كيف تُدمج الشبكات القديمة في قوة جديدة؟ آليات الاستيعاب وأدواته
تبرز أربع آليات للاستيعاب والتوظيف. الأولى التعاقد الشخصي المباشر مع كوادر ذات خبرة، كما في استقدام عبد الغفار الشريف بعد الإفراج عنه. الثانية تحويل رأس المال الاجتماعي والإداري القبلي إلى سلطة محلية، إذ يقال إن محافظين ومعتمدين سابقين في دارفور تحولوا إلى مستشارين ولجان إدارة، مثل تكليف محمود سوسل بإدارة وسط دارفور في نوفمبر 2023 وتولي العجب كبر لجنة النزاعات القبلية في شرق دارفور (Sudan In The News, 2024). الثالثة تشكيل أجسام موازية لتجنيد الشباب، كما في اتهام الحركة الإسلامية في أغسطس 2023 لمحمود ود أحمد بتأسيس كيان «شباب من أجل البناء والتنمية» لاستقطاب الشباب نحو الدعم السريع. الرابعة العمل الإعلامي والتعبوي والاستخباري، إذ يُنسب إلى شبكات الأمن السابقة نقل معرفة أرشيفية وتنظيمية استُخدمت لاختراق نقابات وأحزاب، وهذا الادعاء الأخير لا أجد له تأكيداً بمصدر مستقل. ويُضاف إلى ذلك أن الدعم السريع كثيراً ما يبرر ضمه هذه الكوادر بخطاب أن الجيش وحده هو من ارتهن للإسلاميين، وأنه هو من يخلص الدولة منهم.
الفصل الثامن: حرب الرايات والتحالفات: تجليات الظاهرة في الخطاب والميدان والسياسة
تظهر الظاهرة في الخطاب والتنظيم والميدان والسياسة معاً. ففي الخطاب تتعايش حملة معلنة على الحركة الإسلامية مع حضور ناطقين وإعلاميين ذوي خلفيات إسلامية أو مؤتمر وطنية. وفي الميدان تذكر المصادر قادة جاءوا من الدفاع الشعبي. وفي السياسة اتخذت المسألة بعداً دولياً حين رحّب الدعم السريع وقوى مدنية متحالفة معه في 9 مارس 2026 بتصنيف الولايات المتحدة الحركة الإسلامية في السودان منظمة إرهابية، وبررت ذلك باستخدامها العنف المفرط ضد المدنيين وعرقلتها السلام (Sudan Tribune, 2026a). وفي 24 أبريل 2026 تعهدت لجنة إزالة التمكين، بعد إعادة هيكلتها للعمل من الخارج، بملاحقة شركات ومنظمات ودبلوماسيين مرتبطين بالحركة عبر المؤسسات الدولية، وذكرت أنها حددت 127 دبلوماسياً مرتبطاً بها (Sudan Tribune, 2026b). وفي يونيو 2026 أفاد مقال رأي في مجلة «يوراسيا ريفيو» بأن قوى مدنية من معسكرات متعارضة اجتمعت في أديس أبابا برعاية ما يسمى «الخماسية» وتوافقت على استبعاد الحركة الإسلامية من العملية السياسية، وأن «تأسيس» المتحالفة مع الدعم السريع أعلنت رفضها مشاركة الحركة (Davies, 2026).
وفي جانب التحالفات الاجتماعية والسياسية تأتي علاقة الدعم السريع بشركائه في ميثاق «تأسيس» الموقّع في نيروبي في فبراير 2025، وهو تحالف ضم أكثر من عشرين تنظيماً سياسياً وحركة مسلحة وتجمعاً مهنياً، منها الحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وجناح من حزب الأمة بقيادة فضل الله برمة وتحالف الجبهة الثورية (صالح، 2025؛ الجزيرة نت، 2025). وترى قراءة نُشرت في مايو 2026 أن الحلو اختار الاصطفاف مع الدعم السريع لأنه رأى في صعود البرهان، بعد انقلاب أكتوبر 2021، عودة للكيزان الذين أسندوا نظام البشير (Horn Review, 2026). ويقابل ذلك أن جهات في معسكر الجيش تتهم الدعم السريع وحلفاءه بحمل أجندة هوياتية إقصائية، وأن حاضنته من المجموعات ذات الأصول المتقاربة مع الجنجويد التي ارتكبت انتهاكات مروّعة في دارفور.
الفصل التاسع: ما الذي يكسبه الدعم السريع وما الذي يخسره؟ الفرص والتحديات
بالنسبة للدعم السريع تمنح الكوادر ذات الخبرة قدرة على الإدارة والإعلام والاستخبار وبناء الصلات مع الشبكات القبلية والإدارية، وهي مقومات لقوة تسعى إلى بناء سلطة موازية في نيالا. ويتيح هذا الاستيعاب أيضاً إضعاف خصومها داخل معسكر الحركة الإسلامية ببث الشقاق بينهم. لكنه يفتح في المقابل ثغرة في الرواية الأخلاقية للحرب، إذ يدعم حجة خصومه بأن الصراع بين أجنحة من النظام ذاته. وتقول الحركة الإسلامية والجيش، على لسان هارون عقب فراره من السجن، إن الدعم السريع «مشروع أسري» لحكم السودان (Middle East Eye, 2023). ولدى القوى المدنية المتحالفة معه معضلة مماثلة، فهي مطالبة بإثبات أن شعار إسقاط الكيزان لا يستثني من يتعاون معه من الإسلاميين السابقين وفق معايير متسقة. ومن التحديات أيضاً صعوبة الفرز بين من تغيرت قناعاته ومن يمارس الانتهازية، وغياب أي معيار شفاف للمحاسبة والعدالة الانتقالية. وفي الجهة المقابلة، يواجه الجيش تحدي الإسلاميين في صفوفه، إذ يشير تحليل (ORF) إلى أن أحمد هارون، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، ألمح إلى طموح حزبه إلى العودة عبر انتصار الجيش، وأن الإسلاميين يخترقون شبكات الجيش المالية وجهازه الدبلوماسي (Observer Research Foundation, 2025)، وأن واشنطن فرضت عقوبات على كرتي لعرقلته الهدنة ثم على وزير المالية جبريل إبراهيم (Appinsider, 2026).
الفصل العاشر: عندما تهتز الرواية: التداعيات على الحرب والتسوية والمحاسبة
على المستوى الداخلي يضعف هذا الحضور المصداقية المعلنة للدعم السريع ويغذي رواية خصومه عن حرب بين فصيلين من الحاضنة الأمنية للنظام القديم. وعلى مستوى الاصطفاف بين الجيش والدعم السريع، تشير تقارير إلى تعزيز الإسلاميين موقعهم في معسكر الجيش عبر كتائب مثل «البراء بن مالك»، إذ قدّرت إحدى القراءات عددها بنحو عشرين ألف مقاتل، وقالت إن قيادييها يعتزمون العمل مع مؤسسات الدولة لضمان بقاء الإسلاميين في السلطة بعد الحرب، وإن البرهان أطلق تحذيراً من وجود عناصر الإخوان داخل الجيش (AllAfrica, 2025). فيتبادل المعسكران الاتهام بالاختراق ويتحول الإسلاميون إلى ورقة مساومة في الحرب الإقليمية.
وعلى مستوى تسوية ما بعد الحرب، فإن اتفاق قوى متخاصمة على استبعاد الإسلاميين كما في أديس أبابا (Davies, 2026) قد يسهل بناء إطار مدني، لكن إذا شمل الاستبعاد كوادر داخل الدعم السريع نفسه فستنشأ معضلة قانونية وسياسية، لأن معيار الاستبعاد سيصطدم بحقيقة أن بعض هذه الكوادر يشغل مواقع تفاوضية وإدارية. وعلى المستوى الإنساني تُستخدم دعوى استهداف الإسلاميين لتبرير انتهاكات بحق المدنيين، ومنها مجزرة الجزيرة في يونيو 2024 التي قُدّر ضحاياها بما لا يقل عن 150 مدنياً بحسب تقارير ذكرها (Sudan In The News, 2024)، وكذلك واقعة وادي النورة التي نسبها حميدتي إلى اشتباك شمل الجيش وعناصر من الحركة الإسلامية ونفى مسؤولية قواته عنها (Sudan Tribune, 2024b). ويصلح هذا مجالاً لتدقيق قضائي مستقل.
الفصل الحادي عشر: مفاتيح التفسير: السوق السياسي وتحصين الحكم وانفلات الميليشيات
يفسّر (Quinlivan, 1999) تحصين الحكم بالقوات الموازية، ويفسّر (Carey, 2013) ميل الميليشيات الموالية للحكومات إلى اكتساب استقلالية تهدد راعيها، وهو ما يصدق على انتقال الدعم السريع من حارس للنظام إلى منازع على الدولة. ويقدم (de Waal, 2015) مفهوم «السوق السياسي» الذي تُشترى فيه الولاءات وتُباع، وهو أنسب لفهم انتقال الكوادر بين المعسكرين من تفسير الانتماء العقائدي. أما (Gallab, 2008) فيقدم قراءة لتحول الإسلاموية السودانية، بعد سنوات من الحكم، إلى هيكل مصالح تتراجع فيه المبادئ أمام الشبكات، وهو ما يفسر سهولة انتقال بعض كوادرها. ويفسر (Berridge, 2021) تنوع القاعدة الاجتماعية للحركة الإسلامية وتعدد الدوافع داخلها، بما يعين على تجنب التفسير الأحادي. ومن الممارسات المنهجية الواعدة بناء قاعدة بيانات مفتوحة للأدوار العامة المرصودة بتحقق ثلاثي من الوثائق الرسمية والإعلام والشهادات، وتصنيف درجات اليقين، واعتماد معايير عدالة انتقالية فردية بدل الإدانة الجماعية بالانتماء، وإنشاء آلية مستقلة لفحص ادعاءات الانتماء قبل تضمينها في أي شروط للتسوية أو العقوبات.
الفصل الثاني عشر: خاتمة نقدية: بين الحاجة إلى الحقيقة وإغراء الوسم
تدل الأدلة المتاحة على أن الصلة بين الإسلاميين والدعم السريع أقدم من الحرب، إذ تعود إلى تأسيس الدعم السريع تحت مظلة جهاز الأمن عام 2013 وإلى تداخل الدفاع الشعبي والمليشيات القبلية. كما تفيد بأن حضور كوادر ذات خلفية إسلامية في القوة يتفاوت بين مستشارين وإداريين وإعلاميين وقادة ميدانيين، وتحكمه الجهوية والمصلحة وصراع الأجنحة أكثر من الأيديولوجيا. غير أن هذه الصورة تبقى مشروطة بضعف التحقق المستقل من الأسماء، وبأن أهم مصدر مسمّى للأفراد موقع معادٍ للدعم السريع، وبالطابع التعبوي للمصطلح الذي يستخدمه الجميع. وفي المقابل يعيب النقد الموجَّه للدعم السريع بدوره أن يتحول التركيز على «كيزانه» إلى تبرئة لخصمه الذي يضم هو الآخر إسلاميين نافذين، وإلى تغييب للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قواته بحق المدنيين في دارفور والخرطوم والجزيرة.
ولهذا توصي الدراسة بإجراء بحث ميداني وتوثيقي مستقل يوازن بين المعسكرين، وبعدم استخدام التوصيف الجماعي لأي طرف أساساً للمحاسبة، وباشتراط الوثيقة والشهادة المتقاطعة قبل إدراج أي شخص في قوائم الاستبعاد السياسي أو العقوبات. وبالنسبة للسودان تحديداً، فإن الدرس الأهم أن بناء جيش مهني موحد وجهاز أمني مدني خاضع للرقابة يسبق أي حديث عن «تطهير» الإسلاميين أو غيرهم، لأن غياب المؤسسة هو ما أتاح أصلاً تحول الولاءات إلى سلعة تُباع في السوق السياسي.
المراجع
- African Arguments. Is Sudan a “post-Islamist” state? Part I: the Sudanese Islamists’ wars: processes of disintegration from al-Turabi to Khalil. 2008 [cited 2026 Oct 7].
- African Arguments. Is Sudan a “post-Islamist” state? Part II: the Sudanese Islamists’ wars: processes of disintegration from Khalil to Turabi. 2008 [cited 2026 Oct 7].
- African Arguments. Is Sudan a “post-Islamist” state? Part III. 2008 [cited 2026 Oct 7].
- African Arguments. The future of the Sudanese Islamist movement. 2008 [cited 2026 Oct 7].
- AllAfrica. Sudan’s army, Islamists, and the Al-Baraa Bin Malik Brigade. 2025 Mar 26 [cited 2026 Oct 7].
- Appinsider. The US sanctions Sudan’s Muslim Brotherhood. 2026 [cited 2026 Oct 7].
- Berridge W. The “Civilizational Project” and the southern Sudanese Islamists: between assimilation and exclusion. J East Afr Stud. 2021;15(2):214-35.
- Britannica. Janjaweed. 2025 [cited 2026 Oct 7].
- Carey SC, Mitchell NJ, Lowe W. States, the security sector, and the monopoly of violence: a new database on pro-government militias. J Peace Res. 2013;50(2):249-58.
- Davies C. One thing Sudan’s disparate civilian forces agree on: the Islamists have got to go. Eurasia Review. 2026 Jun 15 [cited 2026 Oct 7].
- de Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and the business of power. Cambridge: Polity; 2015.
- Elhag A. RSF’s battle successes in Sudan: the consequences of legitimizing Hemedti. Washington Institute for Near East Policy; 2024 [cited 2026 Oct 7].
- Flint J, de Waal A. Darfur: a new history of a long war. Rev ed. London: Zed Books; 2008.
- Gallab AA. The first Islamist republic: development and disintegration of Islamism in the Sudan. Aldershot: Ashgate; 2008.
- Horn Review. Why Abdelaziz al-Hilu chose the RSF and what it reveals about Sudan’s future. 2026 May 21 [cited 2026 Oct 7].
- Middle East Eye. Sudan war: Bashir-era figures regain influence as battle for control rages. 2023 [cited 2026 Oct 7].
- Observer Research Foundation. Sudan at a crossroads: the potential resurgence of political Islam. 2025 Oct 1 [cited 2026 Oct 7].
- Quinlivan JT. Coup-proofing: its practice and consequences in the Middle East. Int Secur. 1999;24(2):131-65.
- Sudan In The News. Janjakezan: a profile of Islamists in the Rapid Support Forces (RSF). 2024 Aug 2 [cited 2026 Oct 7].
- Sudan Tribune. RSF’s Hemetti relieves his political adviser. 2024 Jul 10 [cited 2026 Oct 7].
- Sudan Tribune. Hemetti: Islamist movement derailed Manama peace deal. 2024 Jun 16 [cited 2026 Oct 7].
- Sudan Tribune. Sudan RSF leader says Khartoum withdrawal tactical. 2025 Mar 30 [cited 2026 Oct 7].
- Sudan Tribune. Sudanese political groups, RSF, welcome US terrorist designation of Islamic Movement. 2026 Mar 9 [cited 2026 Oct 7].
- Sudan Tribune. Sudan’s Empowerment Removal Committee to target Islamic Movement-linked assets abroad. 2026 Apr 24 [cited 2026 Oct 7].
- الجزيرة نت. ما وراء انقسامات التنظيمات التي تحالفت مع الدعم السريع؟ 2025 فبراير 19 [تاريخ الاطلاع: 7 أكتوبر 2026].
- صالح فيصل محمد. توقيع ميثاق «تأسيس»: هل ثمة تغير في «الدعم السريع»؟ الشرق الأوسط. 2025 [تاريخ الاطلاع: 7 أكتوبر 2026].
- عربي 21. البرهان يحل «الدعم السريع» ويدعو مقاتليها إلى الانضمام للقوات المسلحة. 2023 [تاريخ الاطلاع: 7 أكتوبر 2026].
- القدس العربي. السودان: أزمة «الحركة الإسلامية». 2024 [تاريخ الاطلاع: 7 أكتوبر 2026].
