محمد صالح عبدالله يس
كان رئيسا لقلم المحكمة وعاش فيها وراقا وغادر الدنيا وقد ترك توقيعاته منقوشة على دكة المجد وترك لقلمه أن يروي
قبل أن يعرف العميد رائحة الغرطاس والقلم وقبل أن تستقر أصابعه عليها وتصبح الكتابة قدراً يلازمه في مسيرة حياته كانت الدروب هي أول دفاتره والقوافل أول كتبه واخبار الناس أول الحكايات التي قرأها ودونها وحفظها
بدأ حياته في التجارة متنقلا بين جبل الحلة والنهود والابيض ووصل ركاب قوافلهم أصقاع دارفور كانت الجمال والدواب وسيلة السفر وكانت المسافات تُقاس بالأيام والليالي لا بالأميال. يمضي مع القوافل تحت شمس النهار ويبيت حيث يدركهم المساء يقرأون اتجاهات الارض بمطالع الافلاك والانجم التي بعلاماتها يهتدون في زمن كانت فيه الطرق طويلة وليس معهم الجهاز لنظام تحديد المواقع (GPS) لكن القلوب قريبة وكانت القافلة تحمل فوق ظهور جمالها البضائع وتحمل معها أخبار القرى والفرقان وحكايات الناس.
ولعل تلك السنوات كانت مدرسته الأولى من حيث لم يدر ففي الطريق تعلم قراءة الوجوه قبل قراءة الأوراق وعرف طبائع الناس واختبر معنى الأمانة والعهد والكلمة. وهي معرفة سيحتاج إليها كثيراً عندما ينتقل بعد سنوات قليلة من دروب التجارة إلى دروب العدالة.
ثم قادته الأقدار إلى الحصاحيصا حيث أقام عند عمه، وهناك بدأت صفحة أخرى من حياته.
لم تعد يده تمسك بزمام الدابة وحده وإنما أمسكت بالقلم.
في مدينة الحصاحيصا تعلم تحرير الخطابات والرسائل وسرعان ما ظهرت موهبته في الكتابة وحسن التدوين كان للقلم في يده شيء من الألفة القديمة، كأن الرجل لم يكتشف الكتابة يومها وإنما اكتشفت الكتابة صاحبها.
وفي تلك الايام لم تكن المسافات تقطع حبال المودة بين الناس كانت المجتمعات تتواصل واصحاب المعارف يتزاورون ويتبادلون في مجالسهم أخبار البلاد من قرية إلى أخرى. وفي واحدة من تلك الزيارات جاء الشرتاي مهدي سبيل أبوكدوك لزيارة عم العميد فيي مدينة الحصاحيصا فالتقى بالشاب الذي سيغيّر ذلك اللقاء مجرى حياته رآه ممسكا بقلم البوص ويكتب علي اللوح فجذب انتباههه جمال الخط
فتامل طريقة كتابته ودقته فأُعجب به، ورأى أن مكان هذا الشاب لم يعد بين القوافل والأسواق وحدها وأن يداً بهذه القدرة على الكتابة والتدوين جديرة بأن تحفظ وقائع الناس وحقوقهم.
فعرض عليه عمه برافقه الي دارفور ليعمل كاتبا في محكمة أم قوزين التابعة إدارياً لأمكدادة والتي كان الشرتاي مهدي يتراسها وبفعل تحدث الشرتاي مع عم العميد فوافق علي الفور وابلغ العميد ليستعد للرحيل مع الشرتاي وماهي الا يومين وقد غادر العميد الحصحيصا مع الشرتاي استغرقت الرحلة الي امكدادة اسبوعين وفي غرة فيراير وافق العميدمن العام 1929 طوى وراءه صفحة من حياته وفتح صفحة ستظل مفتوحة لعقود طويلة شدّ رحاله مع الشرتاي مهدي سبيل مرة الاخري وهذه المرة كانت الرحلة بالجمال إلى أم قوزين وهناك جلس للمرة الأولى خلف قلم المحكمة، ليصبح أول موظف رسمي فيها، ثم رئيساً لقلمها.
ويا لها من مفارقة جميلة في سيرة الرجل فالذي كان بالأمس يقطع الفيافي وراء القوافل أصبح اليوم جالسا إلى دكة المحكمة، تمر أمامه القوافل نفسها ولكن في صورة أخرى رعاة ومزارعون، شيوخ وشباب خصوم ومتصالحون أصحاب حقوق ومظالم وأناس يحمل كل واحد منهم حكاية تنتظر أن تجد طريقها إلى الورق لم تكن محكمة أم قوزين يومئذ مجرد بناء تفتح أبوابه صباحاً وتغلق مساء كانت واحدة من المؤسسات التي يقوم ويرتكز عليها المجتمع المحلي ومكانا تلتقي عنده الأرض بالعرف والسلطة بالمجتمع، والخصومة بالمصالحة
كانت تنظر في النزاعات المحلية وتحاكم في قضايا النهب والسرقات وتفصل في الاحتكاكات التي تقع بين مراحيل الرعاة والمزارعين حين تضيق الأرض أحيانا بما رحبت وتتشابك مسارات الماشية مع الحقول ومصادر المياه. كما كانت تنظر في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية، فتدخل إلى أكثر تفاصيل الحياة حساسية الزواج والطلاق والميراث والحقوق وما ينشأ بين الناس من خصومات.
وكان للمحكمة خفراؤها الذين يحفظون النظام داخلها وخارج أسوارها وقد زودتهم الحكومة ببعض البنادق والأسلحة ليتمكنوا من أداء واجبهم في تلك المساحات الواسعة التي كانت فيها هيبة القانون تحتاج أحياناً إلى رجال يحملونها إلى أبعد من أسوار المحكمة وكان العميد في قلب ذلك كله يسمع ويكتب ويدوّن.
كانت محكمة ام قوزين متميزة بموقعها الجغرافي فهي تقع بين اقليمين متداخلين ليست بينهما حدود طبيعية تفصلهما فهي منطقة رعوية تتزاحم عليها الرعاة لخصوبة مراعيها وهي كذلك بها حفاير ورهود ضخمة عند ملتقي اوديتها علاوة علي قربها من مدينة امكدادة الغنية بالمياه التي يطلق عليها الرعاة اسم ( امكدادة البحير ) لكثرة مياهها وقد جلبت هذه المحاسن الطبيعية المتاعب لام قوزين حيث اصبحت منطقة جاذبة للهمباتا واللصوص وقطاع الطرق والمجرمين بالاضافة للصراعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين وقد ادت هذه العوامل الي خلق بيئة تصادمية بين مكوناتها المجتمعية فقرر الانجليز انشاء محكمة اهلية في المنطقة لفض المنازعات وتوفير مناخ عدلي يحدث توازنا امنيا يحفظ للمنطقة استقرارها وقد نجحت المحكمة نجاحا منقطع النظير وقد كان للعميد فضلا عظيما في فرض هيبة المحكمة فظهرت كمؤسسة لها هيبتها وهيبة القوانين والاعراف التي اندثرت واستطاعت المحكمة ان تلاحق الرعاة المتهربين من دفع ضريبة القطعان فرفدت الخزينة العامة بمداخيل كبيرة كانت خارج دائرة موازنة الدولة
ثم انتقلت المحكمة من أم قوزين إلى مدينة أمكدادة، فانتقل معها العميد وكأن المحكمة حملت معها كاتبها أو كأن الرجل كان يحمل المحكمة في حقيبته بما حفظه من أوراقها ووقائعها وذاكرتها.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد أمكدادة مجرد محطة في حياته أصبحت حياته هناك طال مقامه وهناك عرفه الناس وهناك عبرت أمام قلمه أجيال بعد أجيال حتى أصبح جزءاً من ذاكرة المكان وصار اسمه مرتبطا بالمحكمة كما يرتبط الباب بالبيت
وإذا كانت التجارة قد علمته الطرق فإن المحكمة علّمته الناس وإذا كانت القوافل قد أخذته بين جبال دارفور وسهولها فإن القلم أخذه إلى مسافات أبعد إلى أسرار المجتمع وخصوماته ومصالحاته وتحولاته الكبرى.
وهكذا تبدو سيرة العميد وكأنها رحلة طويلة بين دفترين دفتر أول كتبته قدماه على تراب الطريق وهو يسير خلف القوافل بين جبل الحلة وجبل مرة وسهول كردفان ودفتر ثان كتبه قلمه على أوراق المحكمة منذ عام 1929.
وبين الدفترين عاش الرجل عمرا كاملا
بدأه تاجراً يحمل بضاعته على ظهور الجمال ثم أصبح وراقا يحمل على كتفيه ذاكرة مجتمع بأكمله.
ولم يكن يدري وهو يخط أولى كلماته في سجل محكمة أم قوزين أن الحبر الذي كان يجف على صفحات تلك الدفاتر سيبقى بعد رحيل أصحاب القضايا وبعد أن تهدأ الخصومات ويعود للمتخاصمين رحمن ذاتهم وبعد أن تتغير الحكومات والمحاكم والأزمنة.
فالناس يرحلون والمحاكم تتبدل والسنوات تطوي بعضها بعضا أما ما يكتبه الأمناء فيظل خالدا تالدا عبر الزمان والايام يتلوه في صحف الدهور جيلا عن جيل وكان العميد واحداً من أولئك الأمناء.
جاء إلى المحكمة كاتبا وعاش فيها وراقا وغادر الدنيا وقد ترك توقيعاته منقوشة على دكّة المجد وترك لقلمه أن يروي
وفي تلك المحكمة لم يكن العميد مجرد كاتب يجلس إلى دواته يسجل ما يقوله القضاة والمتخاصمون ثم يطوي الأوراق عند انفضاض الجلسات فقد أتاح له موقعه أن يكون شاهدا على بعضٍ من أشهر الوقائع والقضايا التي عرفتها المنطقة وأن يدوّن فصولا من تاريخ اجتماعي وأمني ظل زمنا طويلا يتناقل الناس أخباره في المجالس بينما حفظت سجلات المحكمة وجها آخر منه أكثر دقة وهدوءا
وكان من بين الذين وقفوا أمام المحكمة رجال ذاعت أسماؤهم في دارفور وعرفوا بمطاردة قطعان الإبل والأبقار والقوافل وسلبها ونهبها وكان الناس يطلقون عليهم اسم الهمباتة أو ( الفُتّاك)
بلغة العرب الاقدمين ولم يكن ظهور الهمباتة حول أمكدادة أمرا منفصلا عن جغرافية المكان فقد كانت المدينة وما حولها معبرا مهما للرعاة وأصحاب الإبل تمر عبر نواحيها القطعان والقوافل في رحلاتها الطويلة فتغدو هدفا لمن يترصدونها ويتعقبون مساراتها.
وكانت الطبيعة نفسها شريكا في الحكاية.
فجبال أمكدادة وغاباتها وشعابها المتداخلة صنعت فضاء واسعا للمطاردة والاختفاء فالهمباتة يعرفون ومسالكها ودروبها الخفية ويلجأون إلى مواضع يصعب على غير العارفين بالأرض الوصول إليها فإذا أغاروا على قافلة أو استولوا على إبل أو ماشية ابتلعتهم تلك الجغرافيا الوعرة زمنا قبل أن تبدأ رحلة المطاردة والبحث والقبض.
ومن أشهر تلك المواضع غابة الدنقدانقة وغابة شوقارة ومنطقة الحَجْلة وهي ايضا منطقة غابية تقع غرب مدينة أمكدادة عرفت بكثافة غطائها الطبيعي لها مخابئ حصينة ومسالك يصعب اكتشافها وهناك ارتبط اسم أحد أشهر من عرفوا في ذلك العالم عالم الهمبته يدعي آدم عبد العزيز كان اسما تحيط به الحكايات ونسجت به الاساطير والخرافات فادم هو احد الاباء المؤسسين للهمبتة في دارفور كان لا يسرق بل ينتزع عنوة واقتدارا ويقوم بتوزع مانهبه للضعفاء والمحتاجين كما يفعل فتاك العرب الاقدمين امثال عروة وتابط شر وغيرهم من الفتاك وقد نسجت حوله حكايات اصبحت جزءً من الخيال الشعبي في قصص وروايات الهمباته وقد تحدث عنه البروفيسور احمد الطيب زين العابدين في روايته المشهورة دروب قرماش
وقد قادته الأيام مثل غيره واستدرجته من فضاء المطاردة والاختباء إلى ساحة المحكمة
ولم يكن فارس الحجلة وحده ممن مروا أمام قلم العميد فقد مثل أمام المحكمة أيضاً عدد من الأسماء التي عُرفت في عالم الهمبتة والفُتّاك ومن بينهم أولاد خوجيل، وتور بارا، وود بولاد، وهِرّي والطيب ود ضحوية وعلقة ‘وكان هري من فُتّاك شمال دارفور، من منطقة كتم.
كانت لكل واحد من هؤلاء حكايته ولكل مطاردة طريقها ولكل قضية شهودها وتفاصيلها لكن الطرق المختلفة كانت تنتهي حين يقع أصحابها في قبضة العدالة إلى مكان واحد في قاعة المحكمة حيث يجلس العميد ممسكا بقلمه.
وهنا تكتسب دفاتر ومدونات العميد قيمتها التي تتجاوز الوظيفة فما كان يكتبه لم يكن مجرد محاضر لقضايا سرقة ونهب وإنما كان من حيث يدري أو لا يدري ان قلمه يسجل جانبا من التاريخ الاجتماعي لدارفور تاريخ القوافل وحركة الرعاة ومسارات الإبل والجبال والغابات والهمباتة والفُتّاك والمطاردات التي كانت تمتد عبر الفيافي ثم تنتهي أمام منصة القضاء.
لقد كان أولئك الرجال يصنعون أخبارهم في الغابات وكهوف الجبال لكن العميد كان يكتب نهايات تلك الأخبار بقلم المحكمة
وحين هدأت حوافر الخيل والإبل وغاب الفُتّاك واحداً بعد آخر وتبدلت الطرق وتغيرت الأزمنة بقيت تلك الوقائع شاهدة على زمن كانت فيه الجغرافيا تصنع الجريمة والقافلة تصنع الحكاية والمحكمة تحفظ الذاكرة وقلم العميد يدون ما كاد النسيان أن يطويه
ومن الأخبار التي تناقلها الرواة وسمعتها من عمنا الحاج ودبريدو غفير المحكمة والتي حكاها عن العميد البكري وبقيت شاهدا على ذكائه المتوقد وقوة ذاكرته
فقد كان العميد يدون وقائع جلسات المحكمة وأقوال المتهمين والشهود بقلم الكوبيا ومعروف ان قلم الكوبيا له عداء تاريخي مع الماء وذات يوم وبينما كان أحد العمال ينظف بلاط المحكمة بالماء تطايرت بعض الأوراق من موضعها فسقطت على الأرض وابتلت واختلطت كلماتها بقطرات الماء المتناثرة حتى طمست المياه جانبا كبيرا مما دونه وتعذرت قراءة أقوال المتهمين والشهود التي كانت تحملها كان يمكن لحادثة كهذه أن تربك جلسات المحكمة وتهز هيبة المحكمة وتفقد ثقتها في صدور المتظالمين وربما تستدعي إعادة سماع الأقوال من جديد لكن العميد البكري فعل ما ظل الرواة يذكرونه بدهشة وإعجاب فقام باحضار اوراقا جديدة وجلس يعيد كتابة ما طمسته المياه مستحضرا أقوال المتهمين والشهود وتفاصيل الوقائع من ذاكرته كأن الأوراق لم تبتل وكأن الحبر لم يمح
لم تكن ذاكرته تحفظ المعنى العام فحسب بل كانت تستبقي تفاصيل ما يمر أمامه من أقوال ووقائع فقد عاش طويلا بين المحاضر والشهادات حتى كأن الكلمات كانت تنتقل من أفواه أصحابها إلى الورق ثم تستقر في ذاكرته أيضا لقد محت المياه حبر الأوراق لكنها عجزت أن تمحو ما استقر في ذاكرة العميد وحقا حين خان الحبر صاحبه نهضت الذاكرة لتكون السجل البديل للمحكمة
ونواصل
