أواب عزام البوشي
كتب ضياء الدين بلال مقالاً عن مأساة المعدّنين السودانيين، بدا في ظاهره إدانةً لاستهداف المدنيين، لكنه سرعان ما انتقل إلى الحديث عن تجاوز الحدود وانتهاك سيادة الدول، في محاولة لخلط الأوراق وتحميل الضحايا جزءاً من المسؤولية عن جريمة استهدافهم.
يا ضياء الدين، القضية ليست في حق الدول في حماية حدودها، فهذا حق لا يجادل فيه أحد، وإنما في أين وقع القصف؟ ومن استهدف هؤلاء المعدّنين؟ وهل كانت المنطقة التي تعرضت للقصف داخل الأراضي المصرية أم داخل الأراضي السودانية؟ فهذه أسئلة جوهرية لا يجوز القفز فوقها، ولا استبدال الإجابة عنها بحديث عام عن سيادة الدول.
إذا كان القصف قد وقع داخل الأراضي السودانية، كما تشير المعلومات ، فإن الحديث عن اختراق السودانيين لحدود دولة أخرى يصبح تضليلاً للرأي العام، لا توصيفاً موضوعياً للواقعة. والسيادة التي تتحدث عنها لا تخص دول الجوار وحدها؛ فالسودان أيضاً دولة ذات سيادة، وأراضيه ليست مباحة للطائرات الأجنبية كي تقصف من تشاء دون تحقيق أو مساءلة.
المؤسف أن بعض الصحفيين الذين اعتادوا الدفاع عن سلطة البرهان والإسلاميين يحاولون، حتى عندما يتعلق الأمر بدماء السودانيين، البحث عن مخارج سياسية تخفف الضغط عن السلطة وتحوّل النقاش من مسؤولية المعتدي إلى سلوك الضحايا وظروف وجودهم في مناطق التعدين.
وهنا نسأل: أين هذا الحرص على السيادة الوطنية عندما تُنتهك الأراضي السودانية؟ وأين الغضب على دماء المواطنين عندما يصبح المطلوب اتخاذ موقف واضح لا يحتمل التأويل؟ ولماذا يُقدَّم حق الدول الأخرى في حماية حدودها باعتباره حقيقة مطلقة، بينما يُترك حق السودانيين في الحياة والأمن والكرامة معلقاً على احتمالات وتبريرات؟
إن فقر هؤلاء المعدّنين، واضطرارهم إلى البحث عن الذهب في ظل حرب دمّرت مصادر رزقهم، لا يجعلهم فوق القانون، لكنه بالتأكيد لا يجعل أرواحهم مباحة. وحتى لو ثبت أن بعضهم تجاوز حدود دولة أخرى، فإن ذلك لا يمنح أحداً رخصة مفتوحة لقتلهم، بل يوجب التعامل معهم وفق القانون.
أما محاولة إدانة القتل لفظياً، ثم إغراق القضية في تبريرات تتعلق بالحدود والسيادة، فلا تكفي لإقناع السودانيين بأن دماء أبنائهم هي الأولوية الحقيقية في هذا الخطاب.
يا ضياء الدين، الصحافة ليست أن تذكر الجريمة ثم تهيئ للرأي العام الظروف التي قد تجعلها مقبولة، وليست أن توزع المسؤولية على الضحايا قبل أن تتضح الحقائق. الصحافة موقف من الحقيقة، لا مناورة لغوية لحماية أصحاب النفوذ أو تجنيبهم الأسئلة الصعبة.
والسودانيون الذين أنهكتهم الحرب لا يحتاجون إلى من يشرح لهم كيف يحترمون سيادة الدول، بقدر ما يحتاجون إلى من يدافع عن حقهم في الحياة، ويطالب بحماية أراضيهم، ويضغط من أجل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن قتل أبنائهم.
نحن لا نبرر انتهاك حدود أي دولة، ولا نمنح أحداً حصانة لمجرد انتمائه السياسي. لكننا نرفض أن تتحول سيادة الدول إلى ذريعة لتبرير إراقة الدم السوداني، أو أن تصبح معاناة الفقراء فرصة للمزايدات السياسية.
دماء السودانيين ليست رخيصة، والسيادة السودانية ليست أقل قيمة من سيادة الآخرين، والعدالة لا تتجزأ.
قبل أن تحاضرنا عن احترام حدود الدول، أجب بوضوح: إذا كان القصف قد استهدف مناطق داخل السودان، فمن أعطى الطيران المصري الحق في قصفها؟ ومن سيحاسب على أرواح السودانيين التي أُزهقت؟
