بقلم: أبوهريرة عبدالرحمن إبراهيم
باحث ومدافع عن حقوق الإنسان
خلّد الشاعر السوداني صلاح أحمد إبراهيم ضحايا عنبر جودة في قصيدته «عشرون دستة»، محوّلاً المأساة إلى احتجاج أدبي على مجتمع قد تتراجع فيه قيمة الإنسان أمام المصالح والامتيازات. وفي أبياته الموجعة يقول:
«لو أنهم حزمة جرجير يُعدّ كي يُباع
لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة».
لم يكن الشاعر يرثي الضحايا فحسب، بل كان يفضح مفارقةً أخلاقية قاسية: أن يبدو موت الفقير أقل استحقاقاً للاهتمام من خسارة سلعة أو ضياع مصلحة. ومن هذه المفارقة يستمد الشعر قوته بوصفه شهادةً على زمنه، ومساءلةً لضمير مجتمع تتفاوت فيه القدرة على حماية الحياة وإسماع صوت الضحايا.
وبعد عقود، يتجدد السؤال ونحن نتابع التقارير المتداولة بشأن الغارات الجوية على مواقع التعدين الأهلي في شمال السودان، وما أُثير بشأن سقوط قتلى وجرحى ووقوع اعتقالات. وقد تجاوزت بعض الحصائل الأولية المتداولة 500 شخص بين قتيل وجريح ومعتقل، من دون أن يتسنّى التحقق منها بصورة مستقلة أو اعتمادها حصيلةً نهائية.
إن غياب التحقق لا يبرر الصمت، بل يستوجب التحقيق. فالقضية ليست عدد الضحايا وحده، وإنما أيضاً مدى الاهتمام بمصيرهم، واستعداد المؤسسات المعنية لكشف الحقيقة وضمان الإنصاف.
لماذا تحظى بعض المآسي باهتمام واسع، بينما يغيب ضحايا مآسٍ أخرى عن دائرة الاهتمام؟ وهل تتساوى حياة السودانيين فعلاً، أم تتفاوت قيمتها في الوعي العام بقدر ما يتفاوت أصحابها في النفوذ والمكانة؟
الوضع الطبقي لا يسقط الحق في الحياة
العاملون في التعدين الأهلي ليسوا أرقاماً في حصيلة متداولة؛ إنهم بشر يسعون إلى إعالة أسرهم في بلد أنهكته الحرب وضيّقت فيه سبل العيش. ولا يجوز أن تتحول هشاشتهم الاقتصادية إلى ذريعة لإهمال سلامتهم أو الانتقاص من حقوقهم.
فالحق في الحياة والكرامة لا يتوقف على الثروة أو الانتماء أو المكانة الاجتماعية. كما أن ممارسة نشاط اقتصادي لا تسقط، في حد ذاتها، الحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني.
ولا يعني ذلك افتراض أن جميع العاملين في التعدين الأهلي مدنيون في كل الظروف، أو الجزم بعدم مشروعية الغارات قبل التحقيق. بل يتطلب التقييم القانوني تحديد طبيعة الأهداف المستهدفة، وصفة الأشخاص الموجودين فيها، والظروف المحيطة بالهجمات، ومدى الالتزام بقواعد حماية المدنيين.
فمشروعية الهجوم تُحدَّد بالأدلة والقانون، لا بفقر الضحايا أو مكانتهم الاجتماعية.
من عنبر جودة إلى حرب 15 أبريل: ذاكرة تحاكم الحاضر
لا تعني استعادة عنبر جودة مساواةً بين حادثته التاريخية والوقائع المتداولة في شمال السودان؛ فلكل منهما سياقه وظروفه. لكنها تتيح مساءلة الحاضر عن سؤال لم يفقد راهنيته: هل أصبحت حماية الإنسان مبدأً لا يقبل التمييز؟
منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، تعثّر الانتقال المدني الديمقراطي، ثم اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ومنذ ذلك الحين، اتسعت دائرة القتل والنزوح واللجوء والجوع، وتعرضت الممتلكات وسبل العيش لدمار واسع.
وتختلف تقديرات الخسائر البشرية والنزوح باختلاف مصادر الرصد ومنهجياتها، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق النزاع. لذلك، تقتضي الدقة إسناد الأرقام إلى مصادرها وتواريخها، والتمييز بين الحصائل الموثقة والتقديرات الأولية.
لكن اختلاف الأرقام لا يغيّر حقيقة أن الحرب وضعت حياة ملايين السودانيين وحقوقهم الأساسية أمام مخاطر جسيمة. واستحضار ضحايا عنبر جودة لا يستهدف استعادة الماضي لذاته، بل التحذير من أن يصبح موت المهمشين أمراً مألوفاً، وأن تتحول مآسيهم إلى أخبار عابرة.
الحقيقة والمساءلة: لا إدانة مسبقة ولا صمت مبرر
تتطلب التقارير المتعلقة بالغارات على مواقع التعدين الأهلي إجابات محددة: ما طبيعة المواقع المستهدفة؟ وكم عدد القتلى والجرحى؟ وهل وقعت اعتقالات، ومن نفذها، وما مصير المحتجزين؟
تستوجب هذه الأسئلة تحقيقاً مستقلاً وشفافاً يفحص الشهادات والأدلة الميدانية والطبية والمواد المرئية، ويحدد تسلسل الأحداث والجهات المعنية، مع حماية الشهود والمصادر من الانتقام. كما ينبغي الكشف عن مصير المحتجزين وتمكين أسر الضحايا من الوصول إلى المعلومات المتعلقة بذويهم.
وإذا أثبت التحقيق وقوع انتهاكات، وجبت محاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وضمان حق الضحايا وأسرهم في الانتصاف وجبر الضرر.
إن الموقف الحقوقي المسؤول لا يجزم بصحة روايات لم تُتحقق، ولا يتخذ من عدم اكتمال الأدلة ذريعةً لتجاهلها. بل يطالب بالحقيقة، ويلتزم بالدقة في توثيق الوقائع وتحديد المسؤوليات.
أما ترك التقارير الخطيرة بلا تحقيق، فيقوّض الثقة بالقانون ويغذي الإفلات من العقاب.
مسؤولية الدولة وحماية المواطنين
يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة بموجب المادة السادسة، ويُلزم الدول بحمايته والتحقيق في حالات الحرمان التعسفي منه. وفي سياق النزاع المسلح، يجب تقييم الهجمات وفق قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين.
وقد ترقى الأفعال إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية متى توافرت الأركان القانونية الخاصة بكل جريمة؛ فلا يكفي وقوع القتل أو شن هجوم، بمفرده، لإثبات أيٍّ من هذين التوصيفين.
وتتحمل الدولة السودانية مسؤولية حماية السكان الخاضعين لولايتها، والتحقيق في التقارير المتعلقة بسقوط ضحايا مدنيين، وضمان احترام القانون ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المثبتة.
وتقع على عاتق قيادة الدولة، وفي مقدمتها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مسؤولية سياسية ومؤسسية عن توضيح التدابير المتخذة لحماية المواطنين، وضمان خضوع المؤسسات المعنية للقانون، والتحرك عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية المناسبة لكشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين.
فصون السيادة الوطنية لا ينفصل عن صون حياة المواطنين؛ إذ لا تكتمل حماية الدولة ما لم تكن حياة الإنسان وحقوقه في صميم مسؤولياتها.
لا ينبغي أن نحتاج إلى قصيدة جديدة
بقيت «عشرون دستة» حيّةً لأنها تجاوزت حادثة عنبر جودة إلى سؤال أوسع عن قيمة الإنسان في مجتمع تتفاوت فيه القوة والامتيازات. لقد جعل صلاح أحمد إبراهيم من الشعر ذاكرةً ترفض أن يُختزل الفقراء في أرقام، أو أن يُطوى موتهم في النسيان.
وما يحتاج إليه الضحايا الدهابة اليوم ليس مرثيةً جديدة، بل حقيقةً تكشف ما جرى، وعدالةً تحدد المسؤوليات، وإنصافاً يحفظ حقوق الضحايا وأسرهم.
إن معيار العدالة ليس قدرتها على حماية أصحاب النفوذ وحدهم، بل وصولها إلى من لا يملكون منبراً لإسماع أصواتهم أو قوةً تحول دون نسيانهم. فحياة السودانيين متساوية في الكرامة، ويجب أن تتساوى حقوقهم في الحماية والتحقيق والإنصاف.
من عنبر جودة إلى شمال السودان، ليست القضية مَن يستحق البكاء أكثر، بل مَن يملك الحق في الحياة والحماية والعدالة. وهذا الحق لا تمنحه الثروة، ولا يصونه النفوذ.
فكم من الأرواح يجب أن تُزهق قبل أن ندرك أن حياة الفقير ليست أقل قيمة، وأن العدالة التي لا تصل إلى المهمشين تظل عدالةً منقوصة؟
