في بيانه الأخير عن قتل المعدّنين السودانيين قرب الحدود المصرية أمضى أمجد فريد معظم سطوره في الهجوم على من وصفهم بـ«دعاة الاستقطاب». لكنه كتب في وسط البيان جملة ستبقى أطول عمراً من كل ما حولها:
«حتى إن ثبتت مخالفة قوانين الحدود فإنها لا تبرر استخدام القوة المميتة بصورة غير مشروعة ضد المدنيين».
هذه الجملة صحيحة قانونياً وأخلاقياً وأتبنّاها بلا تحفظ. لكنها في الوقت نفسه التزام رسمي صادر عن مستشار حكومة البرهان. وأخطر ما في الالتزامات الرسمية أنها تصير معياراً تُقاس به الأفعال اللاحقة. فلنقرأ ما يترتب عليها.
أولاً: الجملة تُسقط «حجة المكان» نهائياً
منذ حادثة يونيو الماضي كان الدفاع الجاهز أن ما جرى وقع «داخل الأراضي المصرية». قالها البرهان ورئيس الأركان ياسر العطا يومها وتكررت هذه المرة على لسان مصادر في القاهرة: الضربة استهدفت «منقّبين غير شرعيين» داخل حدود مصر بعد إنذارات متكررة ومنشورات أُلقيت من الجو.
جملة أمجد فريد تنهي هذا الجدل من أساسه. فإذا كان القتل غير مشروع حتى مع ثبوت مخالفة الحدود فلا معنى للسؤال عن الجانب الذي سقطت فيه القنابل من خط العرض 22. والقانون الدولي يقول ما قاله أمجد بل أكثر:
• المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية (1990) تقصر الاستخدام المتعمد للقوة القاتلة في عمليات إنفاذ القانون على ما «لا يمكن تفاديه تماماً لحماية الحياة». ومخالفة قوانين التعدين ليست خطراً على الحياة.
• العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 6) والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان (المادة 4) يحظران الحرمان التعسفي من الحياة ومصر طرف في الاتفاقيتين.
• الإنذار المسبق لا يرخّص القتل. وظيفته تمكين الناس من تجنب خطر مشروع لا إنشاء خطر يبيح استهدافهم. ومن بقي في الموقع لإصابة أو لفقد وسيلة نقل أو لسوء فهم للحدود لا يفقد حقه في الحياة.
• مصر نفسها أثبتت أن البديل ممكن. في يونيو أعلن الجيش المصري توقيف 223 شخصاً في حملة مماثلة. فإذا كان القبض ممكناً كان القصف خياراً لا ضرورة.
النتيجة: سواء وقعت الغارة شمال الخط أو جنوبه يبقى قتل عمال عُزّل من الجو فعلاً يستوجب المساءلة. وهذا بالضبط ما أقرّه مستشار البرهان.
ثانياً: الحكومة الآن أمام خيارين لا ثالث لهما
ما ثبت حتى اليوم أن مدنيين سودانيين قُتلوا بغارات جوية بأعداد تتراوح بين 72 قتيلاً وفق محامي الطوارئ وأكثر من 200 وفق شهادات ناجين. أما هوية المنفّذ فهي ما يُفترض أن تحسمه لجنة التحقيق. وعند انتهاء عملها ستجد الحكومة نفسها أمام أحد احتمالين:
الاحتمال الأول: أن يثبت التحقيق أن الطيران المصري هو المنفّذ. عندها لن تنفع حجة المكان لأن جملة فريد أسقطتها سلفاً. وتصبح الحكومة ملزمة بمعيارها المعلن بما تقضي به قواعد مسؤولية الدول التي أقرّتها لجنة القانون الدولي عام 2001: المطالبة بوقف الفعل وضمان عدم تكراره والاعتراف وجبر الضرر بالتعويض. وإن لم تفعل فقد قررت أن جملة مستشارها كانت للاستهلاك الإعلامي وأن دم المواطن بند قابل للتفاوض في موازنة التحالف.
الاحتمال الثاني: ألا يثبت التحقيق أن المنفّذ مصر. عندها على الحكومة أن تجيب عن سؤال أخطر: من قصف إذن؟ فطائرات مجهولة تدخل الأجواء السودانية وتقتل عشرات المواطنين ثم تختفي دون أن تعرف الدولة هويتها ليست تبرئة لأحد. إنها اعتراف بأن سماء البلاد مفتوحة لكل من يريد وهذا أخطر انتهاك للسيادة يمكن تخيّله.
في الحالتين لا يمكن أن ينتهي الأمر ببيان عن «الروابط الأخوية» و«التواصل بين القيادتين».
ثالثاً: السودان طالب بالمعيار نفسه من قبل
ليس جديداً على الدولة السودانية أن تطالب بمساءلة دولة أجنبية قصفت أرضها:
• في 1958 حين دخلت قوات مصرية حلايب لجأت حكومة عبد الله خليل فوراً إلى مجلس الأمن. وتلك الشكوى ما زالت أساس الموقف السوداني القانوني حتى اليوم.
• في 1984 اشتكى السودان إلى مجلس الأمن من غارة على أم درمان نسبها إلى ليبيا.
• بعد 1998 طالب السودان لسنوات بتحقيق أممي وتعويض عن قصف الولايات المتحدة لمصنع الشفاء.
• في 2012 اتهم السودان إسرائيل صراحة بقصف مجمع اليرموك واحتفظ بحق الرد.
الفارق الوحيد بين تلك الحالات وحالتنا ليس حجم الاعتداء فقتلى العقيدات أكثر من قتلى الشفاء واليرموك مجتمعين. الفارق هو موقع المتّهم من تحالفات السلطة. والدولة التي ترفع صوتها حين يكون المعتدي خصماً وتخفضه حين يكون حليفاً لا تحمي سيادتها بل تحمي تحالفاتها.
بل إن الحكومة نفسها حين اتهمتها تشاد في أغسطس الماضي بقصف قافلة داخل أراضيها ردّت بأنها «فوجئت بالاتهام دون تحقيق مستقل». حسناً: هذا المعيار نفسه الذي نطالب به. تحقيق مستقل في كل ضربة عابرة للحدود أياً كان منفّذها وأياً كان ضحيتها.
رابعاً: التواصل الدبلوماسي يُقاس بنتائجه
يقول أمجدفريد إن التواصل الدبلوماسي «ليس تفريطاً في السيادة بل ممارسة لها». هذا صحيح نظرياً لكن الممارسة تُقاس بنتائجها لا بنواياها. وقد أخبرنا البيان أن الجانب المصري قدّم «روايته الرسمية التي تختلف في جوانب عدة عن الأخبار المتداولة». فأين هذه الرواية؟
البيان المصري المنشور لم يتناول الحادثة أصلاً. تحدث عن «المرحلة الثالثة» من حملة على التنقيب غير المشروع وحذّر من «الشائعات». فإن كانت لدى الحكومة رواية مصرية أدق فنشرها هو أقصر طريق لإطفاء الاستقطاب الذي يشكو منه فريد. ومن يطالب الناس بعدم تصديق المعلومات غير الموثقة عليه ألا يحجب عنهم المعلومة الموثقة.
ثم إن الوعود بالتحقيق ليست جديدة. في يونيو وُعدنا بتحقيق في الحادثة الأولى ولم نرَ نتيجة واحدة حتى اليوم. واللجنة الحالية بلا تفويض منشور ولا موعد معلن. فلا يُلام من يشكّ فيها قبل أن تبدأ بل يُلام من لم يقدّم ما يبدد الشك.
خامساً: الحليف لا يُستثنى من المعيار
يرى فريد أن الحملة على الحادثة تستهدف «الموقف المصري الداعم للسودان في مواجهة الجنجويد». ولا أحد عاقلاً ينكر أهمية العلاقة مع مصر ولا خطورة المليشيا وداعميها. لكن السؤال هو: ما ثمن هذا الدعم؟
جاءت الغارة بعد ستة أيام فقط من قمة العلمين التي تعهدت فيها القاهرة بدعم «وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه». فإن كان الدعم حقيقياً فهو لا يتعارض مع الشفافية في حادثة قُتل فيها عشرات السودانيين بل يقتضيها. أما الدعم الذي يُطلب منا أن نسكت عن دمائنا ثمناً له فليس دعماً بل مقايضة. والحاجة في العلاقات الدولية ليست مجانية وأخطر أثمانها ما يُدفع من حق المواطن في الحماية.
سادساً: الحقيقة لا تتوقف على نية من يطالب بها
يصف البيان كل من طالب بالمحاسبة بأنه مدافع عن الإمارات ومبرر لجرائم المليشيا. قد ينطبق هذا على بعضهم لكنه لا ينطبق على حزب الأمة الذي أقرّ بحق مصر في حماية حدودها وطالب بتحقيق مشترك. ولا ينطبق على لجان المقاومة في الفاشر المدينة التي دفعت أفدح ثمن لجرائم الدعم السريع. ولا على سلطان دارفور الذي قال: «لا هيبة لدولة تعجز عن حماية أرواح مواطنيها».
وحتى لو كان كل المنتقدين أصحاب غرض فإن السؤال يبقى قائماً: من قتل المعدّنين؟ فالحجة لا تسقط بسقوط صاحبها والدم لا يصبح أرخص لأن من يطالب به خصم سياسي.
ما نطالب به: معيار الحكومة لا معيارنا
لا نطلب من حكومة البرهان أكثر مما ألزمت به نفسها على لسان مستشارها:
- نشر الرواية المصرية الرسمية التي قيل إنها قُدّمت.
- نشر تفويض لجنة التحقيق وتشكيلها وموعد تقريرها.
- نشر نتائج تحقيق يونيو الموعود.
- قائمة رسمية بأسماء الضحايا والجرحى والمفقودين وكشف مصير المحتجزين.
- طلب رسمي مكتوب من القاهرة بسجل الطلعات والإحداثيات والتحذيرات.
- آلية معلنة لتعويض الأسر.
- توثيق الحادثة رسمياً لدى مجلس الأمن كما فعل السودان عام 1958 حفظاً للحق.
الخلاصة
كتب أمجد فريد جملة صحيحة ونحن نأخذها على محمل الجد أكثر مما يبدو أنه فعل. فإن التزمت الحكومة بها كان بيانه بداية لاستعادة شيء من هيبة الدولة. وإن لم تلتزم بقي وعده في مهب الريح وبقيت دماء المعدّنين شاهدة على أن السيادة لا تُنتهك بالطائرات وحدها بل أيضاً بالصمت عن الحليف.
السؤال الأهم ليس من قصف المعدّنين بل: ما الذي جعل قصفهم بلا كلفة؟
