محمد صالح عبد الله يس
كان احد نيازك الارض وانبل حراس محابس النيل العليا لم يكن الدكتور المهندس إبراهيم آدم أحمد بليلة مجرد خبير في شؤون الري والمياه ولا اسماً عابراً في سجلات الذين خدموا السودان بعلمهم ومعرفتهم بل كان واحداً من أولئك الرجال الذين وقفوا على ضفاف النيل حراسا لمياهه وأحد الثقاة على مجاريه ومحابسه العليا يقرأون في تدفقه أسرار الحياة ورحم الله الشاعر ود الرضي الذي دون تلك اللوحة الجميلة لرحلة النيل الابيض العكسية ( من الاسكلا وحل قام من البلد ولي وقت مرت الرحلة بحطات النيل ومحابسة من المجرور والديوم والكوة والجبلين والتونج وملوط وتركاكا والرجاف في هذه المحطات دون دكتور بليلة مذكراته وكتب عن نبوءاته وقراءاته لمناسيب النيل الابيض علوا وهبوطا فالنيل في بلادنا ليست مجرد قطرات بل حياة إنسان فهو القمح والذرة والوعد والتمني وأمل وطن
واليوم إذ يترجل هذا الرجل النبيل عن صهوة الحياة يفقد السودان واحدا من عقول أبنائه الذين نذروا علمهم وخبراتهم لخدمة أرضه وإنسانه ويرحل رجل كان يعرف كيف تروى الأرض وكيف تُصان موارد الحياة ومصادرها لكنه مضى قبل أن ترتوي قلوب محبيه من حضوره وقبل أن تكتمل احاديثهم معه كنت قد التقيته بالخرطوم في زواج احدي كريمات الاستاذ امام الدين ضوالبيت فكان موفور الادب طلق المحيا يتحدث بتوءدة وروية ويستمع الي الاخرين بقلبه وعيونه
يا لفداحة الموت حين يختار من بيننا أنبل الرجال ويا لقسوته حين يطرق أبواب البيوت التي كانت عامرة بالطمأنينة فيتركها موحشة إلا من الذكريات
رحل إبراهيم وترك خلفه زوجة كانت ترى فيه سند العمر ورفيق الطريق فإذا بها اليوم تواجه وحشة الأيام وثقل الغياب وترك أبناءه الذين كانوا يستظلون بحنانه ويأوون إلى دفء أبوته ليجدوا أنفسهم أمام حياة فقدت واحداً من أجمل وجوهها وأمام أسئلة الفقد التي لا تجيب عنها الكلمات ولا تسكت وجعها دموع العيون
أيُّ حزن هذا الذي يهبط على قلب زوجة كانت تنتظر عودته فإذا بالانتظار يتحول إلى عمر طويل من الحنين وأي انكسار ذاك الذي يصيب الأبناء حين يكتشفون أن الباب الذي كان يفتح لقدوم أبيهم لن يفتح له مرة أخرى وأن صوته الذي كان يملأ أركان البيت قد أصبح ذكرى وأن مقعده سيظل شاهداً صامتا على غياب لا عودة بعده
كان إبراهيم من معشرٍ طابت أخلاقهم، وحسنت سيرتهم، واستقامت نفوسهم على المروءة والتواضع ونبل المعاملة. من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون إلى ضجيجٍ ليُعرف فضلهم، ولا إلى ألقاب لتدرك قيمتهم فالخلق الكريم كان عنوانه والوفاء سجيته والعلم رسالته وخدمة الناس بعضا من معاني حياته.
ولعل أشد ما يوجع في رحيل أمثاله أن الموت لا يأخذ إنسانا واحدا فحسب بل يأخذ معه عالما كاملا من الذكريات ومجالس كانت تانس بحضوره وقلوبا كانت تطمئن إلى وجوده سيذكره زملائه في كرس اليونسكو للمياه وشركة نبراس الفلندية والعاملين بمحطة البحوث الهيدروليكية وخبراء وامناء المجلس الاعلي للبيئة
كان الدكتور بليلة مثل الغيث اينما نزل نفع ظل مهموما بتحديات المستقبل التي تواجه مساقط المياة ومنابعها ومرة شاهدته في تلفزيون السودان يتحدث عن الشيخوخة التي دبت في روافد نهر النيل وكيفية استعادة شباب تلك الروافد يومها ايقنت ان امثال هذا العالم يجب علي الدولة ان تحافظ عليه وهو يمثل ثروة نفيسة لاينبغي اهمالها او التفريط فيها
شدَّ الرحال إلى مصر مستشفيا يحمل في قلبه أملا بالعودة معافى غير أن الداء كان أعند من مهارة الأطباء وأقسى من رحمة العقاقير فحار الأطباء في علته وخانتهم العقاقير وأعيتهم الحيلة وهناك في كنانة الله بعيدا عن تراب الوطن ودفء الأحبة أسلم الروح إلى بارئها بعد أن عجزت الأرض بكل ما فيها من علمٍ ودواء عن استبقائه يا لفجيعة الرحيل حين يسافر الإنسان بحثا عن الحياة فيعود إلى أهله خبرا موجعا وتعود أحلامه حقائبَ من الحزن ويصبح الذي خرج يرجو الشفاء جرحاً لا تملك الأيام له دواء
لقد عرف إبراهيم كيف يحرس مجاري النيل من الضياع ولكن من يحرس اليوم قلوب أحبته من طوفان الحزن ومن يقيم السدود في وجه دموع زوجته وأبنائه وقد انفتحت عليهم محابس الفقد كلها دفعة واحدة؟
نم قرير العين، أيها الرجل الطيب، فقد أديت ما استطعت من رسالة العلم والعمل، وتركت في هذه الدنيا ما هو أبقى من المناصب والألقاب سيرة حسنة وذكرا طيبا ومحبة في قلوب من عرفوك
وإن كان النيل سيواصل رحلته الأزلية نحو الشمال، يحمل ماءه إلى الحقول والسهول فإن ذكراك ستظل تجري في وجدان أهلك ومحبيك كما تجري المياه في شرايين الأرض العطشى.
إلى زوجتك المكلومة وإلى أبنائك الذين أثقل الفقد قلوبهم وإلى آل بليلة جميعا وإلى أصهارهم من اسرة آلعميد البكري وإلى زملائه ورفاق دربه في ميادين العلم والري والمياه نتقدم بعزاء لا تملك الكلمات أن تفي بحقه ولا تستطيع العبارات أن تخفف من مرارته
مات عاشق سليل الفراديس رحل إبراهيم الذي أفنى عمره يحرس مجاري النيل ومحابسه العليا، ويسقي الأرض من علمه كما يسقيها النيل من مائه ثم مضى إلى رحاب الله تاركا وراءه زوجة وأبناء يتجرعون مرارة الغياب ووطنا فقد واحدا من أنبل رجاله كأنما جف في القلوب نبع كان يفيض بالمحبة والنبل والعطاءرحم الله الدكتور ابراهيم بليلة فقد رحل حارس من حراس النيل وانطفأ مصباح من مصابيح المعرفة وغاب رجل من ذلك الجيل الذي كان يرى في خدمة الوطن شرفاً، وفي العلم أمانة وفي حسن الخلق أعظم ما يتركه
سلام عليك يا إبراهيم يوم جئت إلى الدنيا ويوم غادرتها ويوم يقوم الناس لرب العالمين
