نزار عثمان السمندل
«كم كنت وحدك، يا ابن أمي، يا ابن أكثر من أبٍ، كم كنت وحدك».
تستعيد كلمات محمود درويش وجعها كاملا أمام حكاية الطيب الهادي (يا له من اسم).
فتى في السادسة عشرة من عمره، فقد أبويه، فوجد نفسه مسؤولاً عن خمسة أشقاء أصغر منه، أم كلثوم ورقية وعبد القادر وجلال ومصطفى.
كان عليه أن يبحث عن الرزق ويحمل أعباء أسرة فقدت من كان يفترض أن يحميها.
وفي عمر كان ينبغي أن تنشغل أيامه بالتعلم واكتشاف العالم، صار يفكر في لقمة العيش ومستقبل أشقائه الصغار.
وفق شهادات متداولة، وجد الفتى نفسه في أرض العقيدات، بين رجال خرجوا يطلبون رزقهم من باطن الأرض، فإذا بالموت يسبق الذهب إلى أيديهم. وفي اللحظات التي كان فيها جسده ينسحب من الحياة، ظل عقله مشغولا بما سيتركه وراءه، وبحقوق أناس لا يريد أن يلقاهم في ذاكرة الغياب مثقلا بدين لم يسدده.
تسجيل متداول، نُشر ضمن شهادات الناجين من المجزرة، ظهرت فيه وصية الطيب لإخوته. يطلب منهم العفو عنه، ويقول إنه عافٍ عنهم وراضٍ عليهم. ثم يستحضر حساباته الصغيرة: آدم صاحب الدكان له كيلتا سمسم، أعيدوهما إليه. وأحمد محمد له أربعة شوالات من العيش، أعيدوها إليه. ومبلغ آخر لم يكتمل ذكره في الرواية المتداولة، يريد الطيب أن يُخرج عنه صدقة.
يا لها من حياة تضيق حتى اللحظة الأخيرة !
ويا لهذا الفتى الذي ظل مشغولاً بحقوق الناس حتى وهو يلامس الموت!
لم يكن يفاوض الموت على ثروة، ولم يكن يقسم أملاكا بين الورثة. كان يحاول أن يبرئ ذمته من كيلتي سمسم وأربعة شوالات من العيش، وأن يترك صدقة للفقراء.
كان يطلب رضا أشقائه، فيما الحياة تنتزع منه الفرصة التي خرج يبحث عنها.
من قرية أبو وتد، التابعة لمحلية قلي في ولاية النيل الأبيض، خرج الطيب. وهناك ينتظر أشقاؤه مصيراً لم يكن ينبغي أن يُتركوا لمواجهته وحدهم. انتهت رحلته بعيداً عن قريته، وبقيت فيها حياة تغيرت بموته، وأحلام صغيرة كانت معلقة بعودته.
أي فقر هذا الذي يدفع فتى في السادسة عشرة إلى رحلة كهذه؟ وأي وطن يترك أبناءه صغارا أمام امتحان البقاء، حتى تغدو المجازفة بالحياة بابا من أبواب إعالة النفس والآخرين؟
كان ينبغي للطيب أن يكون في المدرسة. أن يحمل كتبه، ويخطئ في إجابة، ويختلف مع زملائه، ويعود إلى البيت متأخرا بسبب مباراة أو درس.
أن تشغله أحلام المراهقة، وأن تكون أمامه سنوات يكتشف فيها نفسه والعالم، لا دقائق أخيرة يحاول خلالها إبراء ذمته أمام من عرفهم.
أن يكون له مستقبل يختاره، لا حفرة يضطر إلى النزول إليها لأن الحياة خارجها لم تمنحه ما يكفي كي يعيش.
هنا تقف الدولة السودانية أمام مسؤوليتها، بكل ما في هذه المسؤولية من ثقل ومرارة. فالدولة التي تعجز عن منح أبنائها فرص التعليم والعمل الكريم والحماية، تتخلى عن جزء جوهري من واجبها تجاه مواطنيها.
وحين يُترك فتى في هذه السن لمواجهة اقتصاد الحاجة بيديه الصغيرتين، فإن السؤال يتخطى اختياره الشخصي إلى الخيارات التي أُغلقت أمامه، والحقوق التي لم يجد دولة تحرسها له.
الطيب ليس خسارة أسرة وحدها. إنه خسارة السودان في واحد من أثمن ما يملك. هؤلاء الفتيان والشبان هم رأسماله البشري، وثروته التي يمكن أن تتحول إلى علم وإنتاج وإعمار، وهم الذين ينبغي أن تُبنى السياسات العامة حول حقهم في الحياة والتعلم والنمو.
الذهب يمكن استخراجه من الأرض مرة أخرى، أما العمر الذي يُنتزع من صاحبه فلا منجم يعيده، ولا عائدات تعوضه، ولا بيان رسمي يستطيع أن يرده إلى أهله.
ما حدث في العقيدات وأودى بحياة الطيب ومعدّنين سودانيين آخرين، يقتضي كشف ملابسات القصف وتحديد الجهة المسؤولة عنه. فالمطالبة بالحقيقة والعدالة حق للضحايا وأسرهم، ولا يجوز أن يحل تداول الاتهامات محل التحقيق، أو أن يعفي الغموض السلطات السودانية من واجبها في حماية مواطنيها ومساندة ذوي الضحايا.
المطلوب ليس أن تستدعي الدولة أبناءها بعد موتهم لتعدّهم، بل أن تحضر في حياتهم كي لا يضطروا إلى هذه الرحلات المميتة. أن تكون المدرسة أقرب إلى الفتى من منجم الذهب، ويكون العمل الكريم أوسع من حفرة محفوفة بالموت. وأن يجد المواطن في وطنه ما يدفعه إلى البقاء، لا ما يضطره إلى المخاطرة بنفسه بحثاً عن لقمة العيش.
في كلمات درويش، يقف الابن وحيداً في مواجهة من كسروه وتقاسموه وأنكروه. وفي وصية الطيب، نرى وحدة أخرى، أشد بساطة وأقسى دلالة.
فتى يوشك أن يموت، يحاول أن يؤدي حقوق الآخرين قبل أن يغادر، فيما لم يجد حقه هو في حياة آمنة ومستقبل مفتوح.
أما السودان، في زمن البرهان الذي أضاع خصال الحكم، فيبقى أمام دين أكبر من كل تلك الديون. دين فتى كان ينبغي أن يعيش ويتعلم ويكبر، وأن يخطئ ويصيب ويختار حياته بنفسه. دين لا تسدده وصية، ولا تمحوه دمعة، ولا تفي به كلمات الرثاء.
كم كان الطيب وحده. وكم كان ينبغي ألا يكون.
