بقلم :حسن ابوزينب عمر
يصعب عليك قول الحق متى ماكنت مستفيدا من الباطل
مثل روسي
مشاهد جثامين المعدنيين المتناثرة على صفحة الأرض كأسراب الجراد الصحراوى بعد حملة رش بالطائرات أو كصراصير منزل تمت ابادتها بفعل مبيد (البف باف) هي مصير بشرباحثون عن رزق ولكنهم قضوا نحبهم بفعل صواريخ سلاح الطيران المصري في غارات مروعة مقززة مشهدها وهي ملقاة ممزقة ومبعثرة على الأرض الخلاء تقطع نياط القلب وتعيد الذاكرة الى فجيعة نجازاكي وهيروشيما .. الأكثر اثارة للمرارات في جريمة الابادة الجماعية للمعدنيين ان الضحايا العزل الذين لا حول لهم ولا قوة ليس لهم وجيع وان جريمة القتل المجاعي لم تثر كسابقتها سوى عواصف باهتة من الرفض والاستنكار سرعان ما ذهبت أدراج الرياح فيما بقيت التبريرات المصرية فطيرة مفرطة في السذاجة لا تجد ساقا تتكيء عليها فقد ارتكبها قاتل أخذته العزة بالاثم .
(2)
الغارة الأولى تمت قبل حوالي شهرين ودم ضحاياها لم تجف بعد حتى لحقت بها الثانية الأكثر دمارا مع سبق اصرار وترصد لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان جريمة الهجوم العشوائي بسلاح الطيران استهدفت بشرا كانوا يبحثون عن رزق وليس جيشا غازيا يهدد السيادة الوطنية ولكن طالما ظلت ردود الفعل السودانية التي لا تتجاوز حوش المزايدات والمكايدات مجرد صرخات ليس لها صدى فسوف يظل الحبل على الجرار.. منطق مصرالذي يضحك من سذاجته ربات الحداد البواكيا كما تقول هو الدفاع عن حدودها المخترقة من قبل هذه المجموعات ولكن السؤال هنا هل يبرر هذا الحق حتى لو كان أبلجا ارتكاب مجزرة بهذا الحجم تزهق فيها أرواح بشر في غمضة عين وانتباهتها فحتى لو كانت حيوانات لأثارت موجة عاتية من الاستهجان من قبل جماعات الرفق بالحيوان ..لماذا اذن لجأت مصر الشقيقة اخت بلادي للعقوبة القصوى
Capital punishment
ازاء مجرد اختراق حدود تعتبر ممارسات طبيعية بطول دول القارة وعرضها ؟ ولماذا لم تتدرج في تطبيق العقوبات اللازمة في مثل هذه الحالات بالسجن والغرامات ثم الابعاد ؟ هل هناك علامات بارزة توضح بداية حدود مصر؟ اسئلة كثيرة ودماء نازفة واجابات شحيحة .
(3)
أقول هذا رغم ان الحابل اختلط بالنابل وان البقر تشابه أمام كل ذو بصر وبصيرة فلم نعد نعرف أين تنتهي حدود السودان وأين تبدأ حدود مصر فكما يعرف الجميع ان المثلث كان قضية نزاع بين البلدين منذ نهاية الخمسينات وان هناك شكوى سودانية مدرجة في أضابير مجلس الأمن وانها كانت تجدد سنويا ورغم ذلك كانت العلاقات هادئة حتى جاء الزلزال الذي قلب عاليها سافلها في مطار أديس أبابا في 26 يونيو 1995 بعد أن ورطت الانقاذ السودان وشعبه في جريمة اغتيال تكراء لا تشبه أخلاقنا وبعدها دخلت مصر المثلث بالقوة الجبرية وقامت باحتلاله وبتوجيهات مباشرة من مبارك فيما دخل السودان قائمة الارهاب من أوسع أبوابها عبر جريمة نسج خيوطها على عثمان محمد طه نائب البشير .
(4)
ردود الفعل ازاء المجزرة البشرية تتفاوت ولكن الذي يجمع بينها انها كالمنبت لا أرضا شقت ولا ظهرا أبقت وكل يبكي على ليلاه فالحكومة الغارقة حتى الركب في حرب وجودية (تكون فيها أو لا تكون) تتعلق حتى بقشة لتحرير الأرض من دنس الميليشيا الاجرامية وتحتاج لأي دعم حتى من مصر وليست جاهزة لفتح جبهة ثانية حتى لوتم سفك دماء مواطنيها في رابعة النهار ..مصر تعرف ذلك جيدا وتعرف تماما اللعب في المتناقضات والصيد في المياه العكرة . ولعل هذا يبرر كيف مر البرهان على الأحداث الدامية مرور الكرام وتفاعل باطلاق توجيهات باردة الى الضحايا و(على الطاير) بعدم التوغل في حدود الآخرين أما حميدتي الذي لم تترك قواته موبقة من سلب ونهب وقتل الأطفال واغتصاب النساء الا ارتكبتها دون أن يهتز لها جفن بعد أن فك لها الرسن هو نفس حميدتي الذي يستنكر الآن قتل المعدنيين فالمساليت الذين أهدر أرواحهم بدم بارد ومثل بجثثهم والشوايقة الذين توعد باستباحة نسائهم هم سودانيون وليسوا هنودا قادمون من أحراش الأمازون ولكنه ترك كل هذه المذابح التي تشيب لها رؤوس الأجنة في أرحام النساء وراء دبره وجاء للاستثمار في أزمة المعدنيين لتصفية حسابات مع مصر التي يتهمها بموالاة حكومة البرهان باعتبار الطائرات المنطلقة من الدولة المجاورة وليست القادمة من الدولة الخليجية هدفا مشروعا .
مدخل للخروج
الخلاصة والقول الفصل هنا ان أربعة أيام مضت حتى الآن على جريمة الابادة الجماعية للمعدنيين الذين لو كاموا يعلمون الغيب والمصير الأسود الذي كان ينتظرهم في الحدود وهي أراض سودانية محتلة بحمرة العين وترفض مصر حتى التفاوض حولها كما تنص لوائح محكمة العدل الدولية لفكروا أكثر من مرة للبحث عن مصادر أخرى للرزق تحفظ أرواحهم قبل كرامتهم ..ولأنه لم نسمع حتى الآن جهة مسؤولة ذهبت لانقاذ مايمكن انقاذه أو لستر الأجداث بالدفن حتى لا تتحول الأجساد المتحللة تحت الشمس الحارقة طعاما لأبني آوى وصقور الصحراء الجائعة وقديما قال المتنبي ومن يهن يسهل الهوان عليه مابجرح بميت ايلام .
