إن التباين بين تصريحات أمجد فريد، مستشار البرهان، وأسامة عبد الله، القيادي البارز في الحركة الإسلامية، بشأن المبادرة الأمريكية لوقف إطلاق النار في السودان، ومدى استعداد حكومة بورتكيزان للتفاوض، يبدو واضحاً للعيان. فقد رحّب الأول بالمبادرة، لكنه اشترط انسحاب قوات «تأسيس» من المدن، بينما أبدى الثاني استعداده للتفاوض دون إبداء أي شروط مسبقة، بحسب التصريحات المتداولة.
وفي الوقت نفسه، واصلت حكومة بورتكيزان قصفها للمدنيين في أسواق نيالا وغيرها. وهذه المفارقة بين التصريحات والممارسات تذكّرنا بالمثل الشعبي الشهير: «التركي ولا المتورك».
كان انقلاب الجبهة القومية الإسلامية زلزالاً ضرب مختلف مناحي الحياة في السودان، وأطلق حقبة من القمع والقتل والإعدامات وبيوت الأشباح، واحتكار موارد الدولة وتوجيهها لخدمة التنظيم وعضويته. كما شهدت البلاد حروباً في الغرب والجنوب حصدت أرواح مئات الآلاف من المواطنين، قبل أن تنتهي إلى حرب أهلية شاملة شرّدت الشعب واهدرت كرامته ،وقادت قبل ذلك الى انفصال الجنوب، وأثقلت كاهل الناس بالجوع والمعاناة. ومن ثم، فإن أي حديث عن التفاوض لا يمكن فصله عن هذا الإرث، ولا عن اختبار صدقيته بالممارسة لا بالخطاب.
لكن، كما أن لكل زلزال هزاته الارتدادية، فإن احتكار الفرص والموارد ومفاصل الدولة لأكثر من ثلاثة عقود ونصف أفضى إلى نشوء مجموعات مصالح داخل الحركة الإسلامية، تتباين حساباتها ورؤاها وقراراتها، حتى باتت الحركة أشبه بكائن أسطوري متعدد الرؤوس والأذرع، لا تتطابق بالضرورة إرادات مكوناته، وإن جمعتها مصالح مشتركة. وهذا التعدد يفسر لماذا قد تتجاور الدعوة إلى التفاوض مع استمرار الحرب، ولماذا يصبح السؤال عن صاحب القرار الفعلي أكثر إلحاحاً من الاكتفاء بقراءة التصريحات.
وفي ظل هذا الواقع، تسعى قوى إقليمية عديدة إلى دعم البرهان، انطلاقاً من فرضية أن الجيش يمتلك استقلالية مزعومة عن الحركة الإسلامية. وقد مضى البرهان بعيداً في استثمار هذا الدعم، إلى حد تقديم تنازلات تمسّ، في تقديري، ثوابت وطنية تتعلق بالسيادة، مقابل الحصول على الدعم العسكري. وهنا أيضاً يظهر التباين بين الصورة التي يُراد تقديمها عن سلطة مستقلة، وبين الممارسات التي تكشف شبكة المصالح والضغوط التي تحدد خياراتها.
ولعل تعيين أمجد فريد، إلى جانب عمه وآخرين ممن لا تربطهم صلات معروفة بالحركة الإسلامية، بصرف النظر عن مدى كفاءتهم، يمكن قراءته في سياق سعي البرهان إلى توسيع قاعدته السياسية والاستثمار في الدعم الإقليمي، وتقديم صورة عن سلطة لا تنحصر في الحركة الإسلامية وحدها. غير أن توسيع الواجهة السياسية لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل تغيّر ذلك فعلاً من طبيعة القرار، أم أنه يضيف وجوهاً جديدة إلى سلطة تظل ممارساتها محكومة بمراكز نفوذ أقدم؟
وفي كل الأحوال، أعتقد أن هذا التباين يعكس طبيعة التوازنات داخل معسكر السلطة. وطالما ظلت الحركة الإسلامية ومجموعات المصالح المرتبطة بها تفتقر إلى وحدة الموقف، فسيظل من الصعب التعويل على التصريحات الإيجابية وحدها بوصفها دليلاً على صدق النوايا تجاه وقف الحرب. فالعبرة ليست بما يُقال فحسب، بل بما يُتخذ من قرارات وما يجري على الأرض؛ إذ إن استمرار القصف، رغم الحديث عن التفاوض، يضع التصريحات أمام اختبارها الحقيقي.
ولعل تصريحات أسامة عبد الله الأخيرة، إن صحّت نسبتها إليه ودلالتها، تستهدف توجيه رسالة إلى الإدارة الأمريكية مفادها: «نحن هنا»، أو بلغة أخرى: Let us see who is the boss.
ففي تقديري، تكشف هذه التصريحات عن محاولة لإظهار أن هناك مراكز نفوذ داخلية لا يمكن تجاوزها عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب والتفاوض، وأن الموقف الرسمي المعلن لا يعكس بالضرورة وحده حقيقة موازين القوى داخل معسكر السلطة. وبذلك لا تعود المسألة مجرد اختلاف في اللهجة أو الشروط، بل تصبح دليلاً إضافياً على الفجوة بين ما تعلنه السلطة وما تستطيع، أو تريد، تنفيذه فعلياً.
وهنا يعود السؤال الذي يطرحه عنوان المقال: من يملك القرار الفعلي؟ البرهان، أم الحركة الإسلامية، أم مجموعات المصالح التي تشكّلت في ظلها وأصبحت تمتلك نفوذاً يتجاوز أحياناً المؤسسات الرسمية؟
طلعت محمد الطيب
