مشهد واحد : تهالك
تناهي لي صوت آذان المغرب معلناً نهاية يوم السبت 25 نوفمبر 2023 عندما تجاوز الميكروباص مستشفى الهرم في طريقه إلى بولاق الدكرور ممنياً النفس كنت ، بميكروباص ينقصه راكب واحد يقلني على وجه السرعة إلى ميدان رمسيس قبل أن أستقبل ميكروباص ثالثاً ينتهي بي عند فم شارع خالد بن الوليد بمنطقة ميامي، وطفقت أمسح بناظري واجهات المحال والعمائر في شارع الملك فيصل، في طريقي لآخر محطة سيتوقف عندها هذا الميكروباص، وما نجح تحديقي في غير اهتمام على واجهات تلك المحال والعمائر في زحزحة سيرة أسيانة شغلت تفكيري لشوارع أخرى أنتمي لها، فارقتها مرغماً في نهار السبت 20 مايو 2023 مخلفاً ورائي مدينة أعشقها شرعت في التداعي أمام ناظري بعد أن دنست عذريتها أحذية ثقيلة، تنتمي لجيش نظامي مخترق بأجندة المتأسلمين وأحذية ثقيلة أخرى لمليشيا الجنجويد بتاريخها الدموي الممتد لما يربو عن سنوات عشر مرت قبل أول يوم لهذه الحرب التي اندلعت في أول ساعات نهار السبت 15 ابريل 2023 على تخوم المدينة الرياضية في الخرطوم.
انتشلي من يم ذكرياتي توقف سائق الميكروباص على جانب الطريق في عجلٍ ليقل شاباً في منتصف العمر نحيفاً بعد الشئ، جلس بجواري بعد القى علي تحية الإسلام. ولم تمضي سوى دقائق معدودة، قبل أن يسالني بلهجة ودودة عن السودان وحال السودانيين هناك.
- (البلد لسه مدمرة)!
جاوبته في إقتضاب متحاشياً سرد تفاصيلٍ أوقن أنها سوف تؤلمني، وحملت بصري عبر النافذة متتبعاً واجهات المحال والعمائر مرة أخرى ، مغالبا سحابة حزن كاد تهمي من عيناي وأنا اسمع دعوات جاري المؤقت بأن يصلح حال بلدي وأهله وأن يعيد السلام لسماء الخرطوم من جديد لأهلها الطيبين كما وصفهم. إلتفت نحوه وشكرته بإقتضاب محاولاً رسم ابتسامة على شفتي بدت بلهاء، وحملت بصري على عجل مغالباً سحابة حزن أخرى كاد أن تمطر من عيناي وأنا اشاهدني أستقل ذات الميكروباص ولكنه يسلك طريقاً آخر لبلدٍ في الجوار، حتى يقترب الميكروباص في سيره من جسر قديم يعبر النيل الأبيض نحو المدينة التي أنجبتي وأنا بداخل هذه المركبة العامة ، ملتفتاً كنت إلى واجهات بيوت ومحال بشارع الموردة، أتأملها بعيني سائح يزور أمدرمان للمرة الأولى في حياته!. وإذا بي لم انتبه من الوهلة الأولى لتباطئ سرعة الميكروباص ولكني لم أعر الأمر إهتماماً، وعيناي لازالت تتبعان واجهات المحال والعمائر التي اصطفت بطول طريق الملك فيصل وأفكاري لم تعد بعد من شارع الموردة ، قبل أن انتبه للكف اليسرى لجاري المؤقت وقد ربتت على كتفي الايمن وبصوت منخفض ودود همس لي: - (أنتو مش منورين مصر … أنتو منورين الدنيا كلها ) !
وترجل عن الميكروباص بعد ألقى كلمات جملته الوداعية، دون أن ينتظر تعقيباً قد يصدر عني.. ولم يعلم أن بمجرد معاودة الميكروباص لاستكمال رحلته نحو بولاق الدكرور، لم يعلم جاري المؤقت بعد رحيله، أنني حاولت كثيراً أن امنع ماء عيناي من الإنهمار رغم ابتسامتي التي خلقتها كلماته الوداعية.
مزمل الباقر
الأباجية في 17 أكتوبر 2026
