الاقْتِصَادُ السِيَاسِيُ للتَسْوِيفِ الدِبْلوْمَاسِي: مَنْ يَرْبَحُ الوَقْتَ وَمَنْ يَدْفَعُ ثَمَنَهُ فِي حَرْبِ السُوْدَانِ؟
The Political Economy of Diplomatic Procrastination:
Who Gains Time and Who Pays the Price in Sudan’s War?
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي المؤسس لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
هل أصبحت الدبلوماسية الدولية وسيلة لشراء الوقت من أجل السلام، أم أن الحرب السودانية باتت تستفيد من الوقت الذي تشتريه الدبلوماسية؟ هذا السؤال لم يعد مجرد استفهام نظري، بل أصبح مدخلاً ضرورياً لفهم التطورات الأخيرة في مجلس الأمن الدولي، والجهود الإقليمية المتواصلة لوقف الحرب. ففي 11 سبتمبر 2026، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 2828، الذي مدد نظام العقوبات القائم على السودان لمدة شهر واحد، حتى التاسع من أكتوبر. وقد بدا هذا التمديد القصير فرصة للتفاوض بشأن توسيع نطاق حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل السودان كله. لكن عندما انقضى الشهر، لم تسفر المفاوضات عن الاتفاق المنشود. وفي الثامن من أكتوبر، اعتمد المجلس بالإجماع القرار 2830، الذي مدد التدابير القائمة لشهرين إضافيين، حتى 11 ديسمبر، دون إقرار الحظر الشامل المقترح. وهكذا، اشترى مجلس الأمن شهراً في سبتمبر، ثم شهرين إضافيين في أكتوبر مسجلاً نجاحاً إجرائياً في تمديد المفاوضات، لكنه فشل في توسيع نطاق حظر السلاح.
إجماع على التأجيل واختلاف على الفعل
بيد أنه لا ينبغي التقليل من أهمية استمرار نظام العقوبات القائم على دارفور؛ فهو يحافظ على إطار قانوني للرقابة والمساءلة، ويتيح متابعة شبكات إمداد السلاح والانتهاكات المحتملة. لكن المشكلة تكمن في الفجوة بين الإجماع الإجرائي والخلاف الموضوعي. فقد سعت الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق الحظر ليشمل السودان كله، مع تعزيز القيود المتعلقة بتدفقات الأسلحة والطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها. وفي المقابل، عارضت روسيا والصين هذا التوسع، بينما فضّل أعضاء آخرون الإبقاء على النطاق الجغرافي القائم. وتعكس هذه الخلافات تبايناً في المواقف بشأن السيادة الوطنية، وطبيعة التعامل مع الجيش وقوات الدعم السريع، وجدوى العقوبات وتداعياتها السياسية. غير أن المفارقة الأهم هي أن مجلس الأمن يستطيع الاتفاق بالإجماع على حاجته إلى مزيد من الوقت، دون أن يتفق على ما ينبغي إنجازه خلال ذلك الوقت. وهنا يبدأ الاقتصاد السياسي للتسويف الدبلوماسي (Diplomatic Procrastination).
الوقت ليس مورداً محايداً
في الحروب الممتدة مثل حرب أبريل، لا يمر الوقت على جميع الأطراف بالسرعة نفسها، ولا تترتب عليه النتائج ذاتها. بالنسبة إلى المدنيين، يمثل الوقت مورداً يتناقص باستمرار. فكل يوم إضافي من الحرب قد يعني مزيداً من القتل والنزوح والجوع وانهيار الخدمات وفقدان فرص الحياة الكريمة. أما بالنسبة إلى المتحاربين، فقد يتحول الوقت إلى مورد عسكري، يتيح إعادة تموضع القوات، واستجلاب الإمدادات، وإعادة تنظيم القيادة، وتعزيز السيطرة على الأرض. وبالنسبة إلى القوى السياسية، يستهلك الوقت في التفاوض حول التمثيل والشرعية وترتيبات الحكم ومستقبل السلطة. أما الوسطاء الدوليون، فيحتاجون إلى الوقت للتشاور وصياغة المبادرات وتقريب المواقف وبناء التوافقات.
وفي اقتصاد الحرب، قد يتيح استمرار القتال نشوء شبكات جديدة للمصالح والأرباح والنفوذ. وهكذا، يصبح الوقت نفسه موضوعاً للصراع، وليس مجرد إطار زمني تجري داخله الأحداث. فالوقت الذي يخسره المدنيون قد يكون هو الوقت الذي يكسبه المتحاربون.
متى يصبح التأجيل تسويفاً؟
ليس كل تأخير دبلوماسي تسويفاً متعمداً. فالمفاوضات الجادة تحتاج إلى وقت، خصوصاً عندما تتعلق بترتيبات أمنية معقدة، وضمانات متبادلة، ومصالح إقليمية متعارضة. لكن التأجيل يصبح مشكلة عندما ينفصل استهلاك الوقت عن تحقيق نتائج قابلة للقياس. فإذا كانت المفاوضات تتكرر دون تقليل تدفقات السلاح، أو تحسين حماية المدنيين، أو الاقتراب من وقف قابل للمراقبة لإطلاق النار، فإن الوقت المستهلك فيها قد يتحول، بصرف النظر عن النيات، إلى مورد إضافي لاستمرار الحرب. ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل تستمر المفاوضات؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا أنجزت؟ ومن استفاد من استمرارها؟ وهل قلّصت فرص الحرب أم وسّعتها؟ إن تمديد المواعيد قد يحافظ على العملية الدبلوماسية، لكنه لا يضمن حماية الأرواح. فالدبلوماسية تستطيع تمديد آجالها، أما المدنيون فلا يستطيعون تمديد أعمارهم.
من إدارة الوقت إلى تغيير الحوافز
تتجلى المعضلة أيضاً فيما أسميته «توازن الضعف» في حرب السودان؛ إذ لم يتمكن أي من الطرفين الرئيسيين من تحقيق نصر حاسم يفرض به تسوية مستقرة وفق شروطه رغم استمرار الحرب لأكثر من 1270 يوماً. لكن غياب النصر الحاسم لم يؤدِّ تلقائياً إلى قبول التسوية، لأن كلاً من الطرفين قد يعتقد أن استمرار الحرب سيحسّن موقعه العسكري أو السياسي لذلك، فإن المطلوب ليس مجرد مضاعفة الدعوات إلى السلام، وإنما تغيير حسابات الأطراف، بحيث تصبح كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة قبول وقف إطلاق النار. ويتطلب ذلك تنسيق الضغوط الدولية والإقليمية، وتقليص الإمدادات العسكرية الخارجية، ووضع آليات مستقلة للمراقبة، وتوفير ضمانات أمنية لا تتحول إلى حصانة من المساءلة. كما يتطلب إعادة هندسة مصالح الأطراف الإقليمية، بحيث يصبح السودان المستقر أكثر فائدة لها من السودان المنهك بالحرب.
امتحان الحادي عشر من ديسمبر 2026
سيشكل الحادي عشر من ديسمبر اختباراً جديداً لمجلس الأمن. لكن النجاح لا ينبغي أن يقاس بمجرد إصدار قرار جديد أو تمديد نظام العقوبات مرة أخرى. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الجهود الدولية قد أسهمت في تقليل السلاح المتدفق إلى الحرب، وتحسين حماية المدنيين، والاقتراب من هدنة إنسانية قابلة للتحقق والمراقبة. لقد كسبت الدبلوماسية الدولية وقتاً إضافياً، لكن الشعب السوداني لم يحصل على ضمانة مقابلة لوقف القتل. وهنا يكمن السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة: هل تشتري الدبلوماسية الوقت لإنهاء الحرب، أم تشتري الحرب مزيداً من الوقت عبر الدبلوماسية؟إن الحرب تستثمر في الوقت، ولذلك ينبغي أن يسبِقها السلام إلى استثماره. فلا يجوز أن يبقى سلام السودان على بُعد تمديد دبلوماسي جديد من مجلس الأمن إلى ما لا نهاية.
melshibly@hotmail.com
