رئيس وزراء.. «مجنون رسمي»
نزار عثمان السمندل
لرئيس الوزراء في أي بلد مسؤوليات يعرف الناس أثرها في تفاصيل حياتهم اليومية. يذهبون إلى محطات الوقود فيجدون حاجتهم، ويفتحون الحنفيات فيجري الماء، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس مطمئنين إلى عودتهم، ويجدون وراء المنصب حكومة تتابع شؤونهم، وتواجه الأزمات، وتحاسب المقصرين.
تلك هي الصورة التي ينتظرها المواطن من حكومته، وتلك هي المسافة التي تقاس بها كفاءة المسؤول وقدرته على إدارة الدولة.
إلا في السودان.. حيث أضاف كامل إدريس إلى مشهد الأزمة العامة سلسلة من التصرفات التي تجعل إدارة الدولة أقرب إلى عرض مرتجل، تتداخل فيه مسؤوليات الحكم مع استعراضات تثير السخرية والحرج.
فبينما ينتظر السودانيون ما يخفف أعباء الحرب ويعيد شيئاً من انتظام حياتهم، ينشغل رئيس وزرائهم بمشاهد تنتهي إلى سؤال عن معنى المنصب وحدود المسؤولية، حتى يبدو الرجل كأنه «مجنون رسمي».
خذ حكاية الوقود مثلاً. يتردد رئيس الوزراء على محطات البيع، ويطلب من العاملين فيها إدخال عمود حديدي في حفرة تخزين الوقود لقياس مستواه. يخرجون العمود، فيهلل الرجل ويكبر، معلناً انتصاره العظيم «لا توجد أزمة وقود، الله أكبر، الله أكبر». بعملية قياس مرتجلة، انتهت الأزمة في قاموس رئيس الوزراء.
لا حاجة إلى أرقام عن الإمدادات والاستهلاك، ولا إلى تقارير تشرح أسباب النقص، ولا إلى خطة تضمن استمرار التوزيع. عمود حديدي، وتهليل، وتكبير، ثم يفترض أن يصدق الناس أن المشكلة التي يعرفونها في حياتهم اليومية قد تبخرت أمام أعينهم.
لماذا تتعب الدول نفسها في بناء أنظمة للرصد والإمداد، وتضع خططاً للطوارئ، وتجمع البيانات، وتراقب الأسواق، ما دام في وسع رئيس وزرائها أن يستعين بعمود حديدي ويعلن انتهاء الأزمة؟
ولا يكتفي كامل إدريس بتقديم هذه المشاهد التي تجعل إدارة الدولة أقرب إلى مسرح عبثي. يصبح الهزل أشد وجعاً عندما يقع البلد بكامله تحت وطأة الموت، ويبدو رئيس حكومته كأنه يعيش في جدولٍ آخر للأحزان.
قُتل عشرات السودانيين تحت القصف في منطقة العقيدات قرب حدودنا مع مصر، وكان البلد مثقلاً بالحزن والبؤس، ينتظر أهالي الضحايا كلمة ممن جرى تنصيبه رئيسا للحكومة. كلمة تعترف بوجعهم وتواسي أسرهم وتؤكد أن أرواح السودانيين ليست أرقاماً إضافية في سجل الحرب.
في ذلك الوقت، أعرب كامل إدريس عن بالغ قلقه إزاء الأنباء المتعلقة بالحالة الصحية لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، وأبدى ارتياحه لنجاح العملية الجراحية التي أُجريت له.
لا اعتراض على أن يتعاطف مع البابا، ولا على أن يتمنى له الشفاء. التعاطف الإنساني لا ينتقص من أحد، ولا ينبغي أن يكون موضع لوم. لكن رئيس الحكومة الذي يجد الوقت لإصدار بيان عن الحالة الصحية لشخصية دولية، ألا يجد كلمة لأبناء بلده الذين سقطوا تحت القصف؟ أين المواساة لأسر القتلى في العقيدات، وأين التعبير عن الحزن على أرواح سودانية أُزهقت، وعلى بيوت تركها الموت أكثر وحشة وغبناً؟
المسألة ليست منافسة بين أحزان البشر، ولا مطالبة رئيس الوزراء بأن يغلق قلبه أمام وجع الآخرين. كل ما في الأمر أن المنصب يرتب مسؤوليات، وأولى هذه المسؤوليات ألا يشعر المواطن بأن مأساته غائبة عن حسابات حكومته.
كان بوسع رئيس الوزراء أن يتمنى الشفاء للبابا، وأن يرثي في الوقت نفسه ضحايا وطنه. أما غياب كلمة مماثلة للضحايا وأسرهم، فيطرح سؤالاً عن ترتيب الأولويات، وعن المسافة التي تفصل السلطة عن الناس الذين يفترض أنها جاءت لخدمتهم.
بالعودة قليلا إلى الوراء، إلى أسمرا تحديدا، أضاف الرجل إلى سجل المشاهد ما يثير الحرج أكثر مما يثير الضحك. كان كامل إدريس يتمشى مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في أحد شوارع العاصمة، وفجأة اندفع يهتف بشكل جنوني، ملوّحاً بكلتا يديه «عاش الرئيس أسياس، عاش الرئيس أسياس».
انتشر المشهد المصور بين السودانيين، وأثار موجة من السخرية والسخط. كان رئيس الوزراء يفترض أن يمثل بلداً وشعباً، فإذا به يحوّل جولة مع رئيس دولة إلى هتاف استعراضي وتملق سياسي بغيض لمسؤول أجنبي.
بطبيعة الحال ليس المطلوب من المسؤول أن يتصنع الوقار في كل حركة، ولا أن يتحول إلى تمثال صامت، وإنما أن يعرف الفارق بين المجاملة الدبلوماسية والاستعراض الذي يحط من هيبة المنصب، وبين التعبير عن التقدير والتصرف الذي يضع صاحبه موضع التندر.
هذه المشاهد، على اختلاف مناسباتها، تطرح سؤالاً جدياً عن فهم كامل إدريس للمنصب الذي يشغله. فالدولة تحتاج إلى مسؤول يدرك أن مهمته أبعد من الظهور أمام الكاميرات، وأن إدارة الأزمات تقتضي عملاً يتصل بحياة الناس، لا استعراضاً ينتهي بانتهاء المشهد.
السودان في وضعه المتردي الراهن بحاجة إلى حكومة تستطيع أن تشرح للناس ما تفعله، وما تعجز عنه، وما تخطط له، وكيف تواجه الحرب وانهيار الخدمات وتدهور الاقتصاد.
ويحتاج إلى مسؤولين يدركون أن كل يوم يمر بلا حماية للمدنيين، وبلا استجابة لمعاناة النازحين، وبلا عمل جاد لإصلاح ما دمرته الحرب، يضيف إخفاقاً جديداً إلى سجل السلطة المثقل بإخفاقات لا تُحصى.
