زهير عثمان
ليست المشكلة في التاريخ أن الإنسان لم يعرف الفرق بين المعقول واللامعقول، وإنما في قدرته المدهشة على إعادة تعريف الاثنين كلما تغيرت مصالحه، أو خاف على امتيازاته، أو وجد نفسه أمام واقع يعجز عن تغييره. فما يبدو مستحيلًا في لحظة قد يصبح ممكنًا في لحظة أخرى، وما يبدو غير مقبول أخلاقيًا قد يتحول، تحت ضغط الخوف أو الدعاية أو الضرورة، إلى ممارسة يجد أصحابها من يدافع عنها ويبررها
لكن هذا التعريف لا يحدث في فراغ , فالعقل السياسي ليس ذهنًا فرديًا يزن الأفعال، بل نظام من المؤسسات واللغات والقوانين والوسائل التي تنتج “الوقائع” وتجعل بعضها قابلًا للتصديق وبعضها قابلًا للتأجيل
ومنذ أن بدأ الإنسان يفكر في علاقته بالعالم، لم يكن العقل مجرد أداة لاكتشاف الحقيقة، بل كان أيضًا وسيلة لتنظيم الحياة، وتفسير السلطة، وتبرير الأفعال. ولذلك لم يكن تاريخ العقل تاريخًا مستقيمًا ينتقل فيه البشر من الظلام إلى النور، بقدر ما كان صراعًا طويلًا بين ما يستطيع الإنسان فهمه، وما يرغب في تصديقه، وما يملك من مصلحة في الإبقاء عليه
في الفلسفة اليونانية، ارتبط التفكير في المعقول بمحاولة اكتشاف النظام الذي يحكم العالم، وتحرير المعرفة من أسر الانطباع المباشر. لكن أفلاطون نفسه، وهو يبحث عن المدينة العادلة، لم يستطع أن يفصل تصوره السياسي عن سؤال من يملك المعرفة، ومن يستحق الحكم، وكيف ينبغي تنظيم المجتمع
أما أرسطو، فقد ربط التفكير السياسي بطبيعة الإنسان الاجتماعية وبالبحث عن شروط الحياة الجيدة، وإن ظلت بعض تصورات عصره محكومة بتراتبيات اجتماعية لا يقبلها العقل الأخلاقي الحديث
ومنذ ذلك الوقت، ظل المعقول يتجاوز حدود المنطق الصوري. فقد يكون الاستدلال صحيحًا من الناحية المنطقية، لكنه ينطلق من مقدمات ظالمة. وقد يبدو القرار منسجمًا مع مصالح الدولة، لكنه يتناقض مع مصالح المجتمع. وهنا تظهر المسافة بين عقلانية الوسيلة وعقلانية الغاية – أن تعرف كيف تحقق هدفك لا يعني بالضرورة أن يكون هدفك مشروعًا
ومع الحداثة الأوروبية، تعزز الاعتقاد بأن العقل قادر على تحرير الإنسان من الخوف والجهل والسلطات التي لا تخضع للمساءلة. غير أن التاريخ الحديث كشف مفارقة عميقة؛ فالعقل الذي أسهم في تطوير العلوم والمؤسسات الحديثة استطاع أيضًا أن يُستخدم في بناء أجهزة بيروقراطية وعسكرية أكثر قدرة على السيطرة والتدمير
لم تعد الكارثة دائمًا نتيجة غياب التنظيم، بل قد تصبح التنظيمات نفسها شديدة الكفاءة في خدمة غايات مدمرة , وهنا تتجلى أهمية السؤال الذي طرحته الفلسفة الحديثة بصيغ متعددة- هل يكفي أن يكون الفعل منظمًا ومحسوبًا حتى يصبح معقولًا؟ أم أن العقل يفقد معناه الإنساني حين ينفصل عن الحرية والعدالة والمسؤولية؟
لقد كشف القرن العشرون أن التقدم التقني لا يضمن التقدم الأخلاقي، وأن المجتمعات المتعلمة ليست محصنة ضد الاستبداد، وأن المؤسسات الحديثة قد تتحول إلى أدوات لإنتاج الطاعة بدلًا من حماية الإنسان. ومن ثم لم يعد اللامعقول مجرد نقيض للعقل، بل أصبح أحيانًا نتيجة محتملة لعقل أداتي يحسن حساب الوسائل، لكنه يتجنب مساءلة الغايات
في السياسة، تأخذ هذه المفارقة شكلًا أكثر تعقيدًا. فالسلطة لا تكتفي باتخاذ القرارات، وإنما تعمل أيضًا على إنتاج اللغة التي تجعل تلك القرارات قابلة للتبرير , قد يُقدَّم القمع باعتباره حماية للاستقرار، وتأجيل الحقوق باعتباره ضرورة وطنية، وإقصاء الخصوم باعتباره حماية للدولة، واستمرار الإجراءات الاستثنائية باعتباره الطريق الوحيد لاستعادة النظام لا تنتج اللغة فقط، بل تنتج أيضًا المؤسسات والموازنات والصلاحيات , فهي تصنع جهازًا أمنيًا يرى في الاحتجاج تهديدًا، وقضاءً يفسر القانون لصالح الاستثناء، وإعلامًا يسمي الخصومة خيانة، وخبراء يمنحون “الضرورة” غطاءً تقنيًا
بهذه الطريقة، لا يُلغى العقل، بل يُستدعى إلى محاكمة الواقع وفق مقدمات وضعتها السلطة سلفًا. يصبح السؤال ليس: هل هذا القرار عادل؟ بل= هل توجد بدائل؟ وليس- هل تحترم السلطة القانون؟ بل- هل تسمح الظروف بذلك؟ ومع تكرار هذه الأسئلة، تنتقل الضرورة من كونها ظرفًا يحتاج إلى تفسير وإثبات إلى كونها حقيقة جاهزة لا يجوز الاعتراض عليها
إن أخطر ما في السياسة ليس أن يدافع أصحاب المصالح عن مصالحهم، فذلك جزء معروف من الصراع السياسي، وإنما أن تتحول مصالحهم إلى تعريف وحيد للمصلحة العامة، وأن يصبح الاعتراض عليها دليلًا على الجهل أو الخيانة أو عدم الواقعية
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المعقول واللامعقول بوصفها علاقة تتصل أيضًا بتوزيع القوة. فليس كل ما يفرض نفسه بالقوة معقولًا، وليس كل ما يعجز الناس عن تحقيقه غير معقول
قد يكون الواقع قائمًا ومستقرًا من الناحية العملية، لكنه يفتقر إلى الشرعية الأخلاقية والسياسية. وقد تبدو المطالبة بالحرية ضربًا من الخيال في ظل الاستبداد، ثم يتضح لاحقًا أن ما عُدّ مستحيلًا كان في الحقيقة أفقًا سياسيًا جرى إغلاقه بالقوة
وفي السودان، تبدو هذه المسألة جزءًا من الأزمة الممتدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد تعاقبت الانقلابات العسكرية، وتعطلت مسارات دستورية، وظلت العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية موضع صراع متكرر
وبعد ثورة ديسمبر 2018، ثم انقلاب أكتوبر 2021، اندلعت الحرب في أبريل 2023، لتضع المجتمع أمام كارثة تتجاوز الخلاف على شكل الحكم إلى تهديد شروط الحياة نفسها
غير أن الحرب هنا ليست كارثة طارئة نزلت من خارج التاريخ , فهي نتيجة تراكمي لاندماج المؤسسة العسكرية في السياسة والاقتصاد، وتفكك احتكار الدولة للعنف، وصراع مراكز قوى مسلحة على الدولة ومواردها، وتراجع المدني في الترتيبات الانتقالية، وتداخل إقليمي يمنح أطراف الصراع قدرًا من الاستمرار
ولذلك لا يمكن فهم استمرار الحرب بمعزل عن اقتصاد الحرب- نهب الموارد، وتشغيل الشبكات المسلحة، والتحكم في المعابر والتجارة، وإعادة إنتاج طبقات وسيطة تنتفع من العنف- هنا لا يكون اللامعقول مجرد خطأ في التفكير، بل بنية مصالح وأجهزة وممارسات تجعل استمرار الخراب مربحًا لبعض الأطراف وممكنًا لهم
في هذا السياق، يصبح من الضروري أن نسأل: كيف يمكن أن تتحول الحرب، وهي تدمير للإنسان والمكان والمؤسسات، إلى واقع يجري التعامل معه بوصفه قدرًا لا بديل له؟ وكيف يصبح استمرار العنف مفهومًا داخل حسابات القوى المتصارعة، بينما يتناقض مع أبسط شروط العقل السياسي الذي يفترض أن تكون الدولة وسيلة لحماية المجتمع، لا أن يصبح المجتمع وقودًا للصراع على الدولة؟
لا تكمن الإجابة في اتهام طرف أو جماعة باللامعقول، ثم افتراض أن الآخرين يحتكرون العقل
فهذه الطريقة تعيد إنتاج المشكلة نفسها، لأنها تحول العقل إلى ملكية سياسية وأخلاقية لطرف بعينه. لكن تجنب الاتهام لا يعني المساواة الأخلاقية بين كل الأفعال. الأجدى هو إخضاع القرارات والمواقف جميعها لمعايير يمكن مناقشتها- نتائجها على حياة الناس، واتساقها مع القانون، وقدرتها على تقليل العنف، ومدى خضوع أصحابها للمساءلة
فحين تصبح حماية المدنيين مطلبًا مؤجلًا إلى ما بعد الحسم العسكري، أو يصبح وقف الحرب مشروطًا بتحقيق كل المطالب السياسية مسبقًا، أو يُطلب من المجتمع تحمل كلفة الصراع إلى أجل غير معلوم، فإننا نكون أمام ضرورة لم تعد تُقاس بنتائجها الإنسانية، وإنما بمدى خدمتها لحسابات القوى المتنافسة
وليس كل تأجيل ضرورة، وليس كل وقف للقتال خيانة، وليس كل حديث عن التفاوض استسلامًا. المطلوب أن تكون الضرورة قابلة للتفسير والتحديد والمساءلة، لا أن تتحول إلى صيغة مفتوحة لتعليق الحقوق
وليس معنى ذلك أن السياسة يمكن اختزالها في النوايا الطيبة، أو أن إنهاء الحروب يتم بقرار أخلاقي مجرد. فالواقع يتضمن مصالح متعارضة، ومخاوف أمنية، واختلالات في القوة، وأسئلة معقدة بشأن العدالة والمحاسبة ومستقبل المؤسسات
ولكن العقل السياسي يُختبر تحديدًا في قدرته على التعامل مع هذه التعقيدات من دون أن يجعلها مبررًا مفتوحًا لاستمرار الكارثة الواقعية التي لا ترى سوى موازين القوة تتحول إلى استسلام مقنع، والمثالية التي لا تفهم شروط الواقع تتحول إلى خطاب عاجز. وبينهما توجد مهمة التفكير السياسي: أن يفهم الواقع من دون أن يقدسه، وأن يبحث عن الممكن من دون أن يتخلى عن الحق، وأن يدرك تعقيدات الصراع من دون أن يسمح لها بمحو الإنسان من حساباته.وهنا تبرز مسؤولية المثقف
فليس دوره أن يمنح الواقع القائم شهادة عقلانية لمجرد أنه واقع مفروض، ولا أن يكتفي بإنتاج شعارات مثالية لا تلامس حياة الناس مسؤوليته أن يكشف المقدمات التي تُبنى عليها القرارات، وأن يسأل عن المستفيد من تعريف معين للضرورة، وأن يميز بين ما هو ممكن سياسيًا في اللحظة الراهنة وما ينبغي أن يظل هدفًا مشروعًا للمستقبل
المثقف ليس بديلًا عن السياسي، لكنه حارس للأسئلة التي تحاول الأزمات الطويلة إسكاتها
ربما لا يبدأ الخروج من اللامعقول بإعلان انتصار العقل، فالتاريخ لا يقدم ضمانات كهذه، وإنما يبدأ باستعادة حق المجتمع في مساءلة ما يُفرض عليه باعتباره ضرورة , و يبدأ حين لا يعود الخوف حجة كافية لتعليق الحقوق، ولا تصبح القوة دليلًا على الشرعية، ولا يُطلب من الناس أن يعتادوا الكارثة لأن أصحاب القرار لم يجدوا مخرجًا منها
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العالم معقولًا أم لا، بل من يملك حق تعريف المعقول، وبأي معايير، وعلى حساب من؟ وفي السودان، حيث صار البقاء اليومي نفسه معركة، لا يمكن فصل هذا السؤال الفلسفي عن الخبز والماء والأمان والتعليم وحق الإنسان في أن يعيش بعيدًا عن الرصاص ,فالعقل الذي لا يرى هذه الحاجات في صميم السياسة يظل عقلًا ناقصًا، مهما امتلك من المصطلحات والنظريات
قد يكون أول الطريق إلى استعادة السياسة هو أن نرفض اعتبار الخراب أمرًا طبيعيًا، وأن نعيد طرح السؤال الذي تحاول الأزمات الطويلة إسكاته- هل لأن واقعًا ما فُرض علينا أصبح معقولًا؟ أم أن مهمتنا، بوصفنا بشرًا ومواطنين ومثقفين، أن نكشف كيف فُرض، ولماذا استمر، وما الذي يمكن فعله لتغييره؟ فليس كل ما يحدث قابلًا للتبرير، وليس كل ما يبدو مستحيلًا محكومًا بالبقاء. وبين المعقول واللامعقول، تظل قدرة الإنسان على النقد والمراجعة وفتح أفق البدائل هي المسافة التي تفصل السياسة بوصفها فنًا لإدارة الحياة عن السياسة حين تتحول إلى إدارة للخراب.
