بقلم أبشر الحاج
يروى أن البطريرك غريغوريوس حداد (1869-1928)، فتح أبواب البطريركية الأرثوذكسية في دمشق لإطعام الجائعين خلال المجاعة التي إجتاحت بلاد الشام إبان الحرب العالمية الأولى. ولم يفرق بين مسيحي ومسلم، بل رهن أوقافا وباع مقتنيات ثمينة لتوفير القمح وإنقاذ الأرواح من شبح الجوع.
وتحكي الرواية المتداولة أن المسؤول عن توزيع الخبز جاء يشكو إليه كثرة المسلمين الذين يقصدون البطريركية، حتى تجاوز عددهم عدد المسيحيين. فما كان من البطريرك إلا أن رفع خبزا وسأله: “هل كتب عليه أنه للمسيحيين فقط؟”. وحين أجابه بالنفي، أمره بأن يمنح كل محتاج رغيفه دون تمييز.
إن عظمة هذه الحكاية لا تكمن في الرغيف وحده، بل في فلسفة أخلاقية عميقة ترى أن الإنسان يسبق هويته، وأن الجوع لا يسأل عن الدين أو المذهب، وأن الكرامة الإنسانية لا تحتاج إلى شهادة انتماء كي تستحق الحماية. لقد أدرك البطريرك أن قيمة العقيدة لا تقاس بما ترفعه من شعارات، بل بما تغرسه في النفوس من رحمة.
ومن هذه الحكاية يبرز سؤال يفرض نفسه على واقعنا: لو وقف البطريرك اليوم أمام أسواقنا، ورأى الأسعار وهي تتصاعد، والأسر وهي تعجز عن تأمين احتياجاتها، فهل كان سيسأل عن سعر الرغيف فحسب، أم عن الضمير الذي سمح بأن تتحول لقمة العيش إلى معركة يومية؟
إن الغلاء ليس مجرد أرقام تتصاعد في الأسواق، ولا معادلة اقتصادية تختل فيها كفة العرض والطلب؛ إنه أزمة أخلاقية واجتماعية عميقة. فأخطره لا يكمن في استنزاف الجيوب وحدها، بل في انتزاع الطمأنينة من البيوت، ودفع الأب إلى حساب لقمة أطفاله قبل أن يغمض عينيه، وجعل الدواء ترفا لا يناله إلا القادرون، لتصبح الحياة كلها امتحانا يوميا للكرامة.
والمشكلة قطعا ليست في ربح التاجر، فالربح المشروع ضرورة لاستمرار التجارة، وإنما في تحول الربح إلى غاية تبرر استغلال حاجات الناس. حين يستغل البعض الأزمات لاحتكار السلع ورفع أسعارها، فإنهم لا يتلاعبون بالأرقام، بل بمصائر الأسر واستقرار المجتمع، ليغدو احتياج الإنسان فرصة للابتزاز بدلا من أن يكون مدعاة للتكافل.
وما أشد المفارقة حين تتسع موائد القادرين بينما تضيق موائد الفقراء، ليضطر الأب إلى تقليص ضروريات أطفاله بعد أن أصبحت بعيدة المنال. إن الفقر ليس وصمة ولا جريمة تستوجب الإذلال، بل واقع تتداخل في صناعته ظروف تتجاوز إرادة الفرد وقدرته على التغيير.
لقد علمتنا قصة البطريرك أن عظمة الإنسان تقاس بمسؤوليته تجاه الآخرين، وأن جوع الناس قضية تمس ضمير المجتمع بأسره. وليس المطلوب أن تلغي العاطفة قواعد الاقتصاد، بل أن يوضع الاقتصاد في خدمة الإنسان، وألا تتحول الأسواق إلى فضاءات يستأثر فيها الأقوياء بالمنافع وحددهم.
ومن هنا، فإن مواجهة الغلاء مسؤولية مشتركة؛ تتقدمها الدولة بمكافحة الاحتكار ومراقبة الأسواق وحماية محدودي الدخل، ويتحمل فيها المجتمع مسؤوليته الأخلاقية في رفض الاستغلال وتعزيز التكافل. فالإحسان يخفف وطأة الأزمة، لكن إصلاح أسبابها هو الطريق الدائم لعدم تكرارها.
إن الفقير لا يحتاج إلى رغيف يسد جوعه فحسب، بل يحتاج إلى أن يناله دون أن تنكسر كرامته. وحين يضطر الإنسان إلى الاختيار بين إطعام أطفاله وصون كرامته، فإن الخلل يكمن في منظومة أخفقت في حماية أبسط حقوقه.
لقد تركت لنا قصة البطريرك درسا يتجاوز الحدود: لا تسأل الجائع عن هويته قبل أن تنظر إلى جوعه. فالأوطان لا تختبر في مواسم الرخاء، بل في أوقات الشدة، حين تتساقط الأقنعة وتتجلى معادن المؤسسات والأفراد.
إن الوطن الذي تمتلئ مخازنه ويجوع أبناؤه يعاني خللا بنيويا جسيما، والثروة تفقد معناها حين تتناقص كرامة الإنسان بارتفاع الأسعار، والنهضة الحقيقية هي التي تجعل العيش الكريم حقا ثابتا للجميع لا امتيازا للأغنياء وحدهم.
إن الخبز الذي يقسم بالعدل لا يشبع البطون وحدها، بل يحفظ للمجتمع إنسانيته. أما حين يتحول إلى أداة للاستغلال، فإنه يخلف جوعا أعمق من جوع المعدة: جوعا إلى العدالة والرحمة والثقة.
السؤال الحقيقي إذن ليس من يملك الرغيف، بل من يملك الضمير الذي يمنعه من استغلاله. وحين يصبح العدل أسبق من المنفعة، والإنسان أغلى من السلعة، عندها فقط ندرك أننا لم نواجه الغلاء فحسب، بل انتصرنا للمعنى الإنساني للحياة.
