عندما انعقد الحوار الوطني ‘الوثبة’ السوداني الذي دعا له البشير في ٢٠١٤م -الذي استمر لنحو ثلاثة سنوات، كنا في فسحة من أمرنا، وكانت الدولة ‘والسلطة’ في فسحة من أمرها، وكانت الأمور تسير بلا حوار، ولم يكن في السلطة أي من قادة ‘الكفاح’ المسلح ولا نبيل اديب؛ ومع ذلك كان المتحاورون ‘حوار باطني- أو منولوجك’ يتحدثون عن (توسيع هامش حريات) بما يسمح بقيام وإجراء حوار سياسي في بيئة صحيحة .. وكانت سلطة البشير تستجيب، فتترك من الحريات هامش يضيق في مواضع ويتسع في أخري!!
و اليوم، ونحن في ضيق والسلطة في أمر أضيق، ومؤسسات ٢٠١٤-٢٠١٦م يحارب بعضها بعضا ‘القوات المسلحة والدعم السريع’! والوطن منقسم، والمجتمع منقسم، المدارس والجامعات منقسمة، والعملة منقسمة ‘جنيه سلطة الخرطوم/بورتسودان’ له سعر و ‘جنيه سلطة نيالا’ له سعر مختلف!!
والسلطة هي هي، بذات العقل وذات التفكير (تبحث عن شرعية) بعد أن استنزفت شرعية الحرب (شرعية شعب واحد جيش واحد) وشرعية الانقلاب -تصحيح مسار الثورة قبلها، فهي تبحث عن شرعية بالحوار ‘الباطني’!!وشرعية حوار الوثبة!!، وعندما لم يقترحه عليها أحد إقترحته علي نفسها مرة أخري من تلقاء نفسها!!
اذا فنحن إزاء حوار وثبة ‘وإندغام’ جديد .. حوار باطني وبصوت خفيض وهامس!!
حوار الوثبة القديم لم ينتج عنه شئ خلاف مصطلحات جديدة، بعد خطاب طويل ترقب الناس أن يقترح فيه البشير مخارج و اختراق للناس ولنفسه؛ لم يجد الناس إلا مصطلحات جديدة يلهون بها قليلاً ويتندرون!
حوار الوثبة ارتأت السلطات -القمعية- حينها أنه يتطلب ‘اتاحة هامش حريات’ لتهيئة المناخ السياسي، ويقتضي تقليص القمع قليلاً و رفع يد الأجهزة الأمنية الثقيلة، وتخفيف لهجة ومصطلحات اعلام السلطة والحزب الحاكم و التقليل من استخدام مفردات ولغة التخوين وخطاب تكفير المعارضين و ‘تفسيق وزندقة’ المناوئين.. ليكون حوار باطني جهير !!
خلاصة ما نتج عن حوار الوثبة -الذي انطلق بعد عامين من اعلانه، وبعد كل تلك الإجراءات، أن السلطة قربت بعض الذين ابعدتهم في السابق من (آل بيت الإنقاذ والحركة الإسلامية) كجماعة شيخ حسن، وقربت من رغب من سياسيين وبعض الأكاديميين والناشطين الذين داروا في أفلاك المنظومة الأمنية من قبل و اردات لهم أن يدوروا في فلك ‘المنظومة الخالفة’، ومن أبى منهم أقصته مجدداً بعد أن وظفته في لجان الحوار كالاكاديمي المهندس ومهندس لجنة الهوية ‘مضوي ابراهيم’ وهو بالمناسبة عراب سليمي اسحق وزيرة ‘رعاية’ الحرب -الاجتماعية !!
أما حوار البرهان، فكم من السنوات يحتاج حتي يتحول من دعوة الي حوار له نتائج؟؟ أو لحوار باطني -داخلي/ منلوج هامس؟!!
البرهان الذي اقترح الحوار لم ينتوي القيام بأي فعل لجهة ‘تهيئة المناخ السياسي’ !!
فلا هامش حريات يمكن أن يتسع (أو يضيق)!! إذ لا حرية مع الانقلاب، ولا حرية مع الحرب..
الذين اختارهم البرهان ليسوقوا حواره ويمهدوا لإعلان شرعية جديدة لسلطة الحرب (عثمان ميرغني ونبيل اديب وآخرين) لا يستطيعوا أن يطالبوا بهامش حرية أو بتهيئة مناخ سياسي..
كل ما استطاع أن يفعله عثمان ميرغني و نبيل اديب هو أن يقنعوا البرهان بتعليق بلاغاته الكيدية، وتأجيل إجراءاته القانونية (غير القانونية) التي تتوعد المعارضين السياسيين بمحاكمات غير عادلة و(عدالة ناجزة) يواجهون فيها تهم من الوزن الثقيل (الجرائم الموجهة ضد الدولة وضد القوات النظامية و معاونة الأعداء و تقويض النظام الدستوري/غير الدستوري) وعقوبات تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد ..
هذا عدا عن الاعتقالات ‘بأمر أو دون أمر قضائي’ والتعذيب الذي قد يفضي الي التصفية الجسدية والاغتيالات و ‘الاعدام خارج نطاق القضاء’.
لذا يكون حوار البرهان (بتسويق عثمان ميرغني ونبيل اديب وآخرون) هو عبارة عن فرصة للمعارضين ليؤدوا فروض الولاء والطاعة للبرهان، ويبصموا علي تتوجيه رئيس مدي الحياة للدولة، وقائد عام أزلي للقوات المسلحة والقوات المشتركة و المليشيات -الحميدة، وكاهن عموم الأراضي السودانية..
فرصة للمعارضين ليتراجعوا عن شعارات (لا للحرب و التحول المدني) و يبصموا علي خيار عسكرة الحياة وعلي الأجندة الحربية ‘والحسم الحربي’ و أن ‘يتبلبسوا كما تبلبس عثمان ميرغني و نبيل اديب وآخرون’ وغيرهم ممن لف لفهم !!
و إن لم يفعلوا فإن التعليق سيرتفع و التأقيت سينتهي و حينها فان سيف السلطة سينجز بلا حوار ما فشل ‘حوار عثمان ميرغني ونبيل اديب والآخرون’ في إنجازه، فهل يحفظ لهما البرهان صنيعهم ‘انهم وضعوا رؤوس المعارضين للحرب والانقلاب داخل فوهة البنادق وفي مدي ‘مسدسات البرهان’ .. ويجزل لهم العطاء والنول الذي طالما طمحوا إليه بأن يعين عثمان ميرغني وزير لإعلامه ونبيل اديب وزير لعدله!
ابونوره اوهاج
