رشا عوض
ما نتوقعه عادة من اي نقاش يدور مع من نحسبهم من أصدقائنا المقربين، هو الروح الودودة في الحوار التي تجعله عملية بحث مشترك عن الحقيقة، وعن افضل طرق الوصول للخير العام ، ولكنني وبناء على عدد من التجارب توصلت الى ان اي حوار سياسي بعد كارثة الحرب بات مفاصلة حدية ، يكون كل طرف فيها متحفزا لهزيمة الاخر! وغير مستعد لسماع وجهة نظره ليحاوره فيها ، لانه يريد محاورة” رجل القش” ويجتهد في التربص الشديد لحديث صديقه حتى يتصيد منه ما يطابق صورة ” رجل القش” التي استبطنها لا شعوريا من مناخ الاستقطاب الحاد وتآكل مساحة الثقة في المختلف ، ومن الطرق المستمر لآلة الاعلام الحربي التي كرست لفكرة الفسطاطين في صراع معقد جدا ولا يحتمل التبسيط ! فأصبح كل يريد سماع صدى صوته هو! وإن سمع صوتا مخالفا يشعر ان هذا تهديد وعدوان على سلامه الداخلي.
الحرب الاجرامية هذه مثلما ادت الى قتل عشرات الالاف واتلفت المباني والمزارع والمصانع ، فانها اتلفت كذلك جزء عزيزا من مساحات التفاهم والارضيات المشتركة لانطلاق الوعي السياسي ، بل حتى مساحات التلاقي الانساني باتت مهددة !! وهذا هو الخطر الاكبر الذي يجب علينا احتواءه !
في تجربة رواندا وصل الجنون لدرجة قتل الاب لزوجته وابنائه لأن الزوجة من القبيلة الموصوف افرادها بالصراصير وكان الخطاب السائد هو ان من يحتج على قتل الصراصير فهو منهم!
حتى لا نصل الى هذا المستوى من الجنون ، يجب ان نبذل ما في وسعنا من اجل انقاذ ما يمكن انقاذه من ” مساحات الوعي المحررة” وهي ليست مساحات تلاقي المتطابقين في آرائهم ، بل مساحات تلاقي القادرين على احترام ومحبة بعضهم رغم اختلافهم، والقادرين على حسن الاستماع لبعضهم البعض!
من البرامج التي اعجبتني كثيرا لمنظمة وعي ، برنامج ” سودان كافي ” بنيروبي ، واستوقفتني عبارة ملهمة في التعريف بالبرنامج وهي” الحاجة البتجمعنا ما اننا متوافقين الحاجة البتجمعنا اننا لقينا مساحة نسمع فيها بعض”
وسماعنا لبعضنا البعض لا يعني ان نبصم بالعشرة على آراء نختلف معها ، بل يعني باختصار ان نفهم الاخر ونمنحه فرصة للتعريف بفكرته وبموقفه ، ولا نصادر منه هذا الحق ونعطي انفسنا الحق في ان نحبس الطرف الاخر في فكرة مبتسرة نخترعها كي يسهل علينا هزيمته.
