عندما اندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، كانت أحداث معسكر سوبا والمدينة الرياضية من الوقائع التي تستحق تحقيقاً مستقلاً يكشف ملابساتها وحجم الخسائر البشرية التي ترتبت عليها. فقد ترددت معلومات عن وجود نحو خمسة آلاف مجند في المعسكر، قيل إنهم كانوا يتلقون التدريب تمهيداً لإرسالهم إلى المملكة العربية السعودية. كما تداولت روايات غير مؤكدة أن عدد القتلى في ذلك اليوم تجاوز أربعة آلاف مجند، وهو رقم، إن صح، يكشف عن حجم كارثي للمأساة ويطرح أسئلة جوهرية عن طبيعة الصراع الذي سبق اندلاع الحرب وأهدافه.
ولم يُعلن، بحسب ما أستطيع التحقق منه، عن حصيلة موثقة ومستقلة تؤكد هذا العدد. لذلك فإن من حق الرأي العام أن يطالب قيادة الدعم السريع بنشر أسماء القتلى، متى توافرت لديها هذه المعلومات، وأن يكشف تحقيق مستقل حقيقة ما جرى، بعيداً عن التوظيف السياسي والدعاية الحربية.
إن أهمية هذه الأحداث لا تقتصر على عدد الضحايا، بل تمتد إلى دلالاتها السياسية. فإذا ثبت أن تلك الخسائر وقعت بالفعل بهذا الحجم وفي سياق مواجهة مبكرة بين الحلفاء السابقين، فإن ذلك قد يشير إلى أن الخلاف بين قيادة الحركة الإسلامية وقيادة الدعم السريع بلغ مرحلة لم يعد معها استمرار التحالف ممكناً.
وفي المقابل، كان البرهان، في مراحل من الحرب، يصفها بأنها «عبثية»، بينما اتخذ خطابه لاحقاً منحى أكثر تشدداً، متوعداً بما يسميه «دحر المليشيات المتمردة». وهذا التحول يعكس، على الأقل، تغيراً في الخطاب السياسي والعسكري، ويستدعي قراءة العلاقة بين الطرفين في ضوء تطورات الحرب وموازين القوى ومصالح كل منهما.
هل اكتشف حميدتي طبيعة التحالف؟
يبدو أن أحد أهم دروس هذه الحرب يتعلق بطبيعة العلاقة التي ربطت حميدتي بالبرهان وبالقوى الإسلامية التي هيمنت على مفاصل الدولة السودانية لعقود.
فقد دخل حميدتي النادي السياسي من بوابة القوة العسكرية والاقتصادية، مستنداً إلى نفوذ تشكل في ظروف دارفور القاسية، لكنه ربما لم يدرك منذ البداية أن العلاقة مع القوى الإسلامية لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد تفاهم بين شركاء متكافئين، أو امتداداً لعلاقات شخصية نشأت في الميدان.
ففي التجربة السياسية السودانية، اعتادت الحركة الإسلامية توظيف التحالفات المرحلية ضمن حسابات تنظيمية أوسع، بحيث يصبح الشريك مقبولاً بقدر ما يخدم المشروع السياسي، وتتحول العلاقة إلى صراع عندما تتعارض المصالح أو تتراجع القدرة على التحكم في مسار الأحداث.
وقد تكون تجربة انقلاب 25 أكتوبر 2021، وما أعقبه من عودة شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى مواقع مؤثرة في الدولة، قد أسهمت في تعميق شكوك حميدتي بشأن طبيعة علاقته بالبرهان وبالحركة الإسلامية. فالتجربة العملية كثيراً ما تكشف للشركاء ما تعجز التفاهمات السياسية عن إظهاره.
ان حجم الخسائر الكبير فى الارواح الذى وقع وسط شباب الدعم السريع بواسطة كتائب الاسلاميين كان الهدف منه نسف جسر العلاقة بين البرهان وحميدتى وبشكل حاسم ونهائى.
من وقف الحرب إلى مواجهة جذورها السياسية
في خطاب حميدتي:
خلال تكريم عبد العزيز الحلو ومن معه من قيادات تناصر الهامش ، بدا أن هناك تحولاً في طريقة تقديم الصراع، مع تصاعد الحديث عن ضرورة تطهير البلاد من نفوذ الحركة الإسلامية، التي وصفها خطاب الدعم السريع بالسرطان. وهذا التحول، إذا ترجم إلى موقف سياسي واضح وممارسة عملية، قد يشير إلى أن قيادة الدعم السريع باتت ترى أن الصراع لا يتعلق فقط بالتنافس العسكري مع الجيش، وإنما أيضاً بمواجهة شبكة المصالح والقوى التي تسعى إلى إعادة إنتاج النظام السابق.
وقد عاب بعضهم على حميدتي تراجع حضور الدعوة إلى وقف الحرب في خطابه، أو تقدم خطاب المواجهة السياسية والعسكرية عليها. لكن الرغبة في السلام، مهما كانت صادقة، لا تكفي وحدها لإنهاء الحرب. فالسلام لا يتحقق بتكرار الأمنيات، وإنما بمعالجة الأسباب التي أشعلت الصراع، وبناء ترتيبات سياسية وأمنية تحول دون تجدده.
ومع ذلك، فإن مواجهة الحركة الإسلامية لا تمنح الدعم السريع صك براءة من الانتهاكات المنسوبة إلى قواته، ولا تعفيه من المسؤولية عن حماية المدنيين ومحاسبة المتورطين في الجرائم. فالمعيار الديمقراطي والأخلاقي واحد، ولا يجوز أن تتغير المحاسبة بتغير أطراف الصراع.
إن المطلوب ليس استبدال هيمنة سياسية بأخرى، بل تفكيك منظومة الاستبداد والعنف، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، وتخضع فيها جميع القوات المسلحة لسلطة مدنية دستورية.
لقد دفعت الحرب السودانيين ثمناً باهظاً من أرواحهم وأمنهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم. ولذلك فإن فهم التحولات في مواقف قادة الحرب ينبغي أن تجعلنا أكثر فهما لمالات الحرب والتى تتعلق بموازين القوى، فكلما ضعفت قبضة الاسلاميين وجيشهم ، كلما كنا اقرب الى الجلوس للحوار من اجل وقف الحرب وعودة السلام .
قد تكون تجربة الحرب قد دفعت حميدتي إلى إعادة النظر في تحالفاته السابقة، وقد تكون قد كشفت له جوانب من طبيعة الحركة الإسلامية لم يكن يدركها من قبل. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في حدة الخطاب، وإنما في مدى الاستعداد لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وقبول الحل السياسي، والالتزام بدولة لا تحتكر فيها جماعة أو مؤسسة عسكرية حق تقرير مصير السودان.
فالتاريخ لا يصنعه اكتشاف الخديعة وحده، بل القدرة على تجاوزها وبناء بديل ديمقراطي يمنع تكرارها.
طلعت محمد الطيب
