باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 31 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

الشراكة المدنية-العسكرية المحتومة والصيغة الخاسرة في السودان

اخر تحديث: 29 أكتوبر, 2026 11:33 مساءً
شارك

الشراكة المدنية-العسكرية المحتومة والصيغة الخاسرة في السودان: لماذا كان تجنّب التقاسم مع المجلس العسكري في 2019 شبه مستحيل بينما كان تجنّب صيغته المعيبة ممكناً؟

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يخلص المقال إلى أن تجنّب الشراكة بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي في السودان عام 2019 كان شبه مستحيل في ضوء ميزان القوى القائم آنذاك، بينما كان تحسين صيغة الشراكة وشروطها وضماناتها أمراً ممكناً بدرجات متفاوتة. ويقوم هذا الاستنتاج على التمييز بين الشراكة بوصفها مبدأً سياسياً يقتضي اقتسام السلطة السيادية مع مؤسسة عسكرية تحتفظ بالسلاح، والشراكة بوصفها صيغة دستورية ومؤسسية محددة وقّع عليها الطرفان في أغسطس 2019. فالأولى فرضتها إلى حد بعيد موازين القوة العسكرية والسياسية والإقليمية، أما الثانية فتضمنت عيوباً في توزيع السلطات وتسلسل الإصلاحات وضمانات التنفيذ وإشراك القوى المسلحة، كان من الممكن تجنب بعضها أو الحد من آثارها.

ويعتمد الحكم على إمكان البدائل التاريخية أربعة معايير أساسية: امتلاك الفاعلين القدرة الفعلية على تنفيذ البديل بالموارد المتاحة وقتها، ووجود احتمال معقول لنجاحه، وتحمل تكلفته مقارنة بالمسار الذي تحقق، وإمكان إثبات أفضليته بالأدلة لا بمجرد التمني. ويستبعد هذا المنهج الحكم على قرارات عام 2019 استناداً إلى معلومات لم تتكشف إلا بعد انقلاب أكتوبر 2021 واندلاع الحرب في أبريل 2023. وتدعم نظريات الانتقال الديمقراطي وتسوية النزاعات هذا المنظور، إذ تؤكد أهمية التوافق بين الأطراف المتنافسة، والضمانات الموثوقة التي تجعل التخلي عن السلاح مقبولاً، وتزامن اقتسام السلطة مع ترتيبات الأمن والسياسة والإقليم، وارتباط فرص الانتقال بحسابات المصالح والتكاليف لدى القوى المسلحة.

بدأت الثورة السودانية في ديسمبر 2018 احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية، ثم تحولت إلى حركة وطنية واسعة تطالب بإسقاط نظام عمر البشير وإقامة حكم مدني. وأنتج إعلان الحرية والتغيير، الموقع في الأول من يناير 2019، تحالفاً مدنياً واسعاً امتلك قدرة كبيرة على الحشد والتعبئة، لكنه افتقر إلى أدوات الإكراه التي تتيح إجبار المؤسسات المسلحة على تسليم السلطة. وفي المقابل، لم يكن الجهاز الأمني السوداني مؤسسة موحدة، بل ضم الجيش النظامي وجهاز الأمن والمخابرات الوطني وقوات الدعم السريع، التي تعاظمت مكانتها القانونية والعسكرية منذ إخضاعها مباشرة لرئيس الجمهورية بموجب قانون عام 2017. وكانت هذه القوات مستقلة نسبياً في قيادتها ومصالحها، مع وجود توترات بينها وبين الجيش النظامي. وأدى هذا التعدد إلى معضلة مزدوجة: صعوبة توحيد القوى المسلحة في ثورة مضادة واحدة، مقابل استحالة تجاهل قدرتها على منع انتقال مدني كامل أو استخدام العنف لإجهاضه.

ومثّل سقوط البشير في 11 أبريل 2019 مثالاً على الانقلاب من داخل النظام أكثر من كونه تفكيكاً لجهازه. فقد أعلن وزير الدفاع عوض ابن عوف إزاحة البشير وتشكيل مجلس عسكري، ثم تنحى تحت ضغط الشارع، ليخلفه عبد الفتاح البرهان، بينما تنحى صلاح قوش عن قيادة جهاز الأمن. وهكذا تغيرت قيادة النظام من دون أن يفقد الجهاز الأمني بنيته الأساسية أو قدرته على ممارسة السلطة. وبذلك أصبح قادة المؤسسات المسلحة الذين أطاحوا البشير هم أنفسهم الطرف الذي طُلب من القوى المدنية أن تتقاسم معه السلطة. وقد أسهم هذا المسار في جعل الشراكة نتيجة مرجحة للانشقاق من أعلى، الذي حافظ على المؤسسة الأمنية، بدلاً من انشقاق من داخلها يؤدي إلى تفكيك قيادتها أو إخضاعها للسلطة المدنية. وزاد الدعم المالي والسياسي الذي قدمته السعودية والإمارات للمجلس العسكري من قدرة المؤسسة العسكرية على الصمود والتفاوض.

دارت مفاوضات أبريل ومايو 2019 حول مدة الفترة الانتقالية، وتركيبة مجلس السيادة ورئاسته، ونسب التمثيل في المجلس التشريعي. واتفق الطرفان مبدئياً على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات وعلى تخصيص ثلثي مقاعد المجلس التشريعي لقوى الحرية والتغيير، مع حكومة مدنية يقودها رئيس وزراء مدني. لكن الخلاف الأساسي تعلق بالسيطرة على مجلس السيادة، لأن امتلاك القرار في رأس الدولة ارتبط بالقيادة العليا للقوات والأمن. ونجحت القوى المدنية في انتزاع تنازلات بشأن التمثيل التشريعي ورئاسة الحكومة، لكنها لم تضمن تسلسلاً ملزماً لإصلاح القطاع الأمني أو آليات فعالة لنقل سلطاته إلى مؤسسات الدولة المدنية.

وجاءت مجزرة الثالث من يونيو 2019 لتكشف بصورة دامغة التفاوت بين شرعية الطرفين وقدرتهما على استخدام القوة. فقد هاجمت قوات من الدعم السريع والشرطة وجهاز الأمن موقع الاعتصام أمام القيادة العامة، وسط أدلة حقوقية وتحقيقية على التخطيط المسبق للهجوم، وحشد أعداد كبيرة من القوات، وسقوط قتلى وجرحى، وإلقاء جثث في النيل وفق شهادات ناجين. وتفاوتت أرقام الضحايا بين 85 قتيلاً وفق المفوضية السودانية لحقوق الإنسان، وما لا يقل عن 120 وفق هيومن رايتس ووتش، و127 وفق لجنة أطباء السودان المركزية، مع استمرار عدم اكتمال حصر المفقودين. وأثبتت المجزرة أن المجلس العسكري يمتلك قدرة فعلية على استخدام القوة الفتاكة ضد الحشود المدنية، بينما لم يكن الحشد الشعبي وحده كافياً لإجباره على التسليم. وفي الوقت نفسه، فقد المجلس العسكري قدراً كبيراً من شرعيته، وعلّق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان، وتصاعدت الضغوط الدولية، ثم خرجت مسيرات الثلاثين من يونيو بأعداد كبيرة. ونتج عن ذلك مأزق متبادل: قوة عسكرية فقدت الشرعية لكنها احتفظت بالسلاح، وقوة مدنية امتلكت الشرعية الجماهيرية لكنها افتقرت إلى القوة المسلحة. وكان هذا المأزق من أهم العوامل التي دفعت الطرفين نحو اقتسام السلطة.

ولم تكن المفاوضات محلية خالصة، إذ دعمت السعودية والإمارات ومصر المجلس العسكري بدرجات متفاوتة، بينما ضغطت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي باتجاه انتقال مدني. وتولى الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا الوساطة، وظهرت مقترحات لتركيبة مجلس سيادي تضم مدنيين وعسكريين بأعداد متقاربة. وبعد استئناف المفاوضات، توصل الطرفان إلى اتفاق سياسي في يوليو، ثم وقّعا الإعلان الدستوري في أغسطس 2019. وقد رجّحت البيئة الإقليمية والدولية خيار الشراكة، إذ لم يتوفر انقسام حقيقي داخل الأجهزة المسلحة يتيح للمدنيين فرض انتقال كامل، كما لم تتوفر مظلة خارجية موثوقة ومستعدة لحماية الحكم المدني وإجبار العسكريين على التخلي عن السلطة. ومع ذلك، كان بإمكان الشركاء الدوليين أن يكونوا أكثر حسماً في الضغط من أجل إخراج المؤسسة الأمنية من السياسة وإلزامها بإصلاحات جوهرية.

أنشأت الوثيقة الدستورية مجلس سيادة من أحد عشر عضواً، خمسة يمثلون المكون العسكري وخمسة تختارهم قوى الحرية والتغيير وعضو مدني يُختار بالتوافق بين الطرفين. ونصت على تولي العسكريين رئاسة المجلس خلال أول 21 شهراً، ثم انتقال الرئاسة إلى المدنيين خلال الأشهر الثمانية عشر التالية، ضمن فترة انتقالية مدتها 39 شهراً. كما ألزمت الأطراف بإنجاز اتفاق سلام مع الحركات المسلحة خلال الأشهر الستة الأولى. لكن الصيغة لم تضع تسلسلاً واضحاً وملزماً لإصلاح القطاع الأمني أو دمج قوات الدعم السريع في جيش موحد، ولم تحسم إخضاع المؤسسات المسلحة لقيادة مدنية فعلية، كما لم تُشرك الحركات المسلحة بصورة كافية في الترتيب الأولي. وتأخر تشكيل المجلس التشريعي، ولم تُنشأ المحكمة الدستورية، فيما ظل مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة الدولة من دون امتلاك الأدوات اللازمة للسيطرة الكاملة على المؤسسات الأمنية والاقتصادية التابعة للعسكريين.

ويبين تحليل الوثيقة أن بعض سلطات مجلس السيادة كانت شكلية بموجب النص، لا فعلية. فقد عرّفت المادة المنظمة للتصديق وظيفة المجلس بأنها توقيع لازم لنفاذ القرارات، مع إمكان تجاوز اعتراضه بعد إعادة إصدار القرار من الجهة المختصة. وانطبق ذلك على عدد من التعيينات والقوانين والقرارات الحكومية. لكن الوثيقة أبقت للمجلس سلطات فعلية، أهمها القيادة العليا للقوات المسلحة والدعم السريع وسائر القوات النظامية، والاشتراك في ممارسة السلطة التشريعية خلال غياب المجلس التشريعي، والإشراف على عملية السلام وبعض اللجان المستقلة، والمشاركة في إعلان الحرب والطوارئ وفق الإجراءات المحددة. كما أبقت غموضاً بشأن توزيع الصلاحيات التنفيذية بين رئيس الوزراء ومجلس السيادة، مع إحالة النزاعات إلى محكمة دستورية لم تُنشأ. ولذلك لم تسلّم الوثيقة الدولة للعسكريين تسليماً مطلقاً، لكنها منحتهم أعمدة أساسية للسلطة، وأصبح أثرها أكبر بسبب تعطيل المؤسسات التي كان يفترض أن تراقبها وتوازنها.

وفيما يتعلق بوجود العسكريين في مجلس السيادة، يرى المقال أن استبعادهم كلياً كان ضعيف الإمكان إلى حد الاستحالة، لأن ذلك كان يقتضي تخلي قادة الجيش والدعم السريع والأمن عن رأس الدولة والقيادة العليا للقوات، من دون ضمانات أو قوة قادرة على فرض هذا التنازل. ولم تظهر خلال المفاوضات مؤشرات كافية على استعدادهم لقبول ذلك، كما أن مقترحات الوساطة نفسها أبقت حضوراً عسكرياً واسعاً. لكن تحسين تركيب المجلس كان ممكناً بدرجات متفاوتة، سواء بتقليص الحصة العسكرية، أو منح المدنيين رئاسة المجلس منذ البداية، أو ضبط قواعد التصويت، أو توفير آليات متوازنة لاستبدال الأعضاء. وقد أدى اشتراط أغلبية الثلثين لقرارات المجلس إلى إضعاف الأغلبية المدنية، لأن المدنيين الستة كانوا يحتاجون إلى صوتين عسكريين لتمرير القرار، بينما أمكن لأربعة أعضاء تعطيله. وكان من الممكن اعتماد أغلبية بسيطة في الشؤون غير الأمنية مع الإبقاء على شروط أشد في القضايا السيادية. كما أن غياب المجلس التشريعي حرم المدنيين من الآلية التي كان يفترض أن ترشح بدلاء لأعضائهم.

أما السلطات غير التشريفية لمجلس السيادة، فكان تجريد المجلس من القيادة العليا للقوات شبه مستحيل في ميزان القوى القائم، لكن تجنب انتقال السلطة التشريعية إليه وإلى مجلس الوزراء كان ممكناً بدرجة كبيرة. فقد نصت الوثيقة على تشكيل المجلس التشريعي خلال تسعين يوماً، وكان من المفترض أن يحد ذلك من استمرار السلطة التشريعية المشتركة إلى فترة قصيرة. إلا أن قوى الحرية والتغيير أرجأت تشكيله إلى حين التوصل إلى اتفاق سلام مع الجبهة الثورية، ثم استمر التأخير بعد اتفاق جوبا في أكتوبر 2020. وبقي المجلس التشريعي غير مشكل حتى نهاية 2024، وفق ما يورده المقال، فاستمرت السلطة التشريعية في أيدي مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وتعذر قيام الرقابة البرلمانية، كما غابت المحكمة الدستورية التي كان يفترض أن تفصل في النزاعات بين المؤسسات. وبذلك تحولت آلية انتقالية مؤقتة إلى مصدر اختلال طويل الأمد في توازن السلطات. ويخلص المقال إلى أن هذا الاختلال لم يكن مفروضاً بالكامل من العسكريين، بل ساهمت فيه قرارات مدنية أخّرت بناء المؤسسات الدستورية.

وفي شأن وزارتي الدفاع والداخلية، نصت الوثيقة على أن يختار رئيس الوزراء الوزراء المدنيين من قائمة مرشحي قوى الحرية والتغيير، بينما يرشح المكون العسكري في مجلس السيادة وزيري الدفاع والداخلية. ويبين تتبع المفاوضات أن هذا الاستثناء لم يكن اتفاقاً مبكراً، إذ سبقتْه تفاهمات بشأن تعيين القوى المدنية كامل مجلس الوزراء، ثم ظهر في الاتفاق السياسي الموقع في 17 يوليو 2019. وعند التنفيذ، رشح الجيش الفريق أول جمال الدين عمر وزيراً للدفاع، بينما رشحت الشرطة الفريق شرطة الطريفي إدريس دفع الله وزيراً للداخلية. وكان الأول عضواً في المجلس العسكري، أما الثاني فكان ضابط شرطة لا عضواً في المجلس. ولذلك فإن الاستثناء مثّل حصة للمؤسسات النظامية التي عبّر عنها المكون العسكري، وليس للمجلس العسكري وحده بالمعنى الحرفي.

ويعتبر المقال أن منع العسكريين من ترشيح الوزيرين منذ البداية كان ضعيف الإمكان، لأن ذلك كان يمس جوهر مطلبهم في الاحتفاظ بالسيطرة على القطاع الأمني. لكن كان من الممكن التفاوض على قائمة من ثلاثة مرشحين لكل وزارة يختار رئيس الوزراء أحدهم، وعلى حق مدني فعلي في إقالة الوزيرين، وعلى آليات رقابة مالية وإدارية على الوزارتين والشركات التابعة لهما. وكان من الممكن أيضاً وضع قواعد تحد من استقلال القطاع الأمني عن مجلس الوزراء. أما إسناد الوزارتين بالكامل إلى مدنيين، فكان ضعيف الإمكان في ضوء تعدد القوى المسلحة واستقلال قياداتها. ويختلف الوضع بين الوزارتين، إذ كان إشراك المدنيين في الإشراف على الشرطة والداخلية أكثر قابلية للتفاوض من إسناد وزارة الدفاع إلى مدني كامل الصلاحيات، لكن لا تتوفر أدلة كافية على أن مقترحات محددة بهذا الشأن طُرحت رسمياً خلال المفاوضات.

ويؤكد المقال أن الإشراف المدني على الأمن لا يقتصر على شاغل المنصب الوزاري، بل يشمل الميزانيات والمشتريات والشركات والمفتشيات واللجان الرقابية. فقد وفرت الوثيقة أساساً نصياً لإخضاع الشرطة لسياسات السلطة التنفيذية وقراراتها، ولإخضاع جهاز المخابرات للسلطتين السيادية والتنفيذية، كما منحت مجلس الوزراء سلطة الإشراف على أجهزة الدولة والمؤسسات العامة والشركات التابعة لها أو المرتبطة بها. وكان تفعيل هذه الصلاحيات ممكناً بدرجة متوسطة إلى مرتفعة، لكنه لم يتحقق بما يكفي لتقليص استقلال المؤسسات المسلحة والاقتصادية التابعة لها. وفي المقابل، أوكلت الوثيقة إصلاح الأجهزة العسكرية إلى المؤسسات العسكرية نفسها، وهو ما جعل الجهة المطلوب إصلاحها صاحبة الدور الأساسي في تحديد مسار الإصلاح.

وبالنسبة إلى المجلس التشريعي الانتقالي، خصصت الوثيقة 67% من مقاعده لقوى الحرية والتغيير و33% للقوى الأخرى التي لم توقع إعلان الحرية والتغيير، مع التشاور بين القوى المدنية والأعضاء العسكريين في مجلس السيادة بشأن تحديد القوى وتوزيع النسب. ولم تمنح الوثيقة العسكريين حقاً منفرداً في اختيار ثلث المجلس، بل دوراً استشارياً، إلى جانب المصادقة الشكلية على أسماء أعضائه. وكان من الممكن تجنب هذا الدور بدرجة مرتفعة عن طريق وضع معايير موضوعية لتحديد القوى المستحقة للمقاعد، أو تشكيل لجنة مستقلة، أو جعل المشاورة مباشرة مع القوى غير الموقعة، أو وضع سقف زمني للتشاور وآلية بديلة عند تعثره.

غير أن هذا الدور الاستشاري لم يتحول إلى سلطة فعلية، لأن المجلس التشريعي لم يُشكّل أصلاً. فقد أخّرت قوى الحرية والتغيير تشكيله إلى حين اتفاق السلام، ثم أعيد توزيع المقاعد بعد اتفاق جوبا، الذي منح الحركات المسلحة الموقعة عليه 25% من المجلس. ووفق الحساب الذي يقدمه المقال، كان تخصيص 67% من مجلس مكون من 300 عضو يعني نحو 201 مقعد لقوى الحرية والتغيير، لكن مقترح التوزيع اللاحق منحها 165 مقعداً فقط، أي نحو 55%، مقابل 75 مقعداً للجبهة الثورية و60 لبقية القوى. وبذلك انخفضت حصة القوى المدنية بنحو 36 مقعداً عن النسبة الأصلية، وكان هذا التحول ناتجاً أساساً عن إعادة توزيع المقاعد والتفاوض الداخلي بعد اتفاق جوبا، لا عن الدور الاستشاري للعسكريين. ويخلص المقال إلى أن عدم تشكيل المجلس كان أكثر خطورة من مشاركة العسكريين في تحديد حصة الثلث، وأن القوى المدنية تتحمل جزءاً مباشراً من مسؤولية تعطيله.

ويجرد المقال بقية السلطات التي منحتها الوثيقة للعسكريين أو أتاحت لهم التأثير في ممارستها، ويصنفها بحسب مدى إمكان تجنبها أو تقييدها. ومن أخطرها الحصانة الجنائية لأعضاء مجلس السيادة والوزراء والمجلس التشريعي والولاة، إذ جعلت الوثيقة رفع الحصانة من اختصاص المجلس التشريعي، وأوكلته مؤقتاً إلى المحكمة الدستورية عند غياب المجلس. ولأن المؤسستين لم تُنشآ، تحولت الحصانة إلى حماية عملية من المساءلة، بما في ذلك المساءلة عن الجرائم الجسيمة المرتبطة بمجزرة يونيو. وكان من الممكن تقييد هذه الحصانة بدرجة متوسطة إلى مرتفعة عن طريق استثناء الجرائم الجسيمة، وتحديد جهة بديلة لرفعها تعمل تلقائياً عند تأخر المؤسسات الدستورية.

ومن السلطات الأخرى إسناد إصلاح المؤسسات العسكرية إلى تلك المؤسسات نفسها، واستمرار العمل بقانون القوات المسلحة وقانون الدعم السريع ما لم يُعدّلا، وبقاء المراسيم الصادرة منذ 11 أبريل 2019 إلى حين إلغائها أو تعديلها، وتعيين مجلس السيادة رؤساء وأعضاء بعض اللجان المستقلة بالتشاور مع مجلس الوزراء، واشتراك العسكريين في مجلس الأمن والدفاع والتوصية بإعلان الحرب والطوارئ، وغموض نقل الصلاحيات التنفيذية من رئيس الجمهورية إلى رئيس الوزراء. ويرى المقال أن بعض هذه السلطات كان يصعب تجريده منها بالكامل، لكن كان من الممكن تقييدها بجداول زمنية ملزمة، ولجان مشتركة، وتقارير دورية، ومراجعة للقوانين، وآليات رقابة، وإسناد التعيينات إلى مجلس الوزراء مع المصادقة الشكلية، وتوفير آلية تحكيم مؤقتة للنزاعات بين السلطات. أما إنشاء المحاكم العسكرية لمحاسبة أفراد القوات النظامية، فلم يكن بذاته توسعاً خطيراً في السلطة، لأن الوثيقة استثنت الجرائم المرتكبة ضد المدنيين من اختصاصها وأبقتها أمام المحاكم العادية.

ويبين الجرد أن السلطات العسكرية تنقسم إلى ثلاث فئات: سلطات جوهرية يصعب تجنبها في ظل ميزان القوى القائم، مثل القيادة العليا للقوات؛ وسلطات قابلة للتقييد من خلال ضمانات إجرائية وتشريعية ورقابية، مثل الحصانة والتعيينات وإصلاح المؤسسات؛ وسلطات توسعت فعلياً بسبب غياب المؤسسات التي كان يفترض أن تحدها، وفي مقدمتها المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية. وكانت الفئة الأخيرة من أكثر العوامل تأثيراً في اختلال الشراكة، لأنها حولت الضمانات الدستورية إلى أحكام غير قابلة للتنفيذ، وجعلت التوازن العملي مرهوناً بميزان القوة لا بالقواعد القانونية.

ويختبر المقال ستة بدائل افتراضية كان يمكن أن تسلكها قوى الحرية والتغيير في عام 2019. أولها مواصلة الاعتصام والعصيان المدني حتى ينقسم الجيش، وهو خيار جُرّب جزئياً بعد المجزرة، لكنه لم يُظهر مؤشرات على انقسام عسكري حاسم، وكان يمكن أن يؤدي إلى مزيد من العنف وربما إلى حرب أهلية مبكرة. وثانيها تشكيل حكومة مدنية كاملة وإقصاء العسكريين، وهو ما لم يتوافق مع ميزان القوى القائم، وكان يمكن أن يدفع نحو صدام مسلح. وثالثها قبول وصاية عسكرية على النمط المصري، وهو مسار كان ممكناً للعسكريين لكنه كان سيؤدي إلى إعادة إنتاج حكمهم وتقويض الانتقال المدني. ورابعها إقامة انتقال مدني بضامن خارجي، وهو بديل جذاب نظرياً لكنه افتقر إلى جهة خارجية مستعدة وموثوقة لضمان تنفيذه. وخامسها قبول الشراكة مع تحسين صيغتها، وهو البديل الأكثر واقعية، وكان يشمل ضبط الرئاسة والتصويت، وتقييد الاستثناء الأمني، وتنظيم الحصانة، وتسريع تشكيل المجلس التشريعي، وإشراك الحركات المسلحة، وإصلاح الشركات العسكرية والأمنية، ووضع جدول زمني ملزم لدمج القوات. أما البديل السادس فكان محاولة شق الجانب العسكري عبر تحالف مدني مع الجيش ضد الدعم السريع أو العكس، وهو خيار عالي المخاطر كان يمكن أن يعجل بصدام بين القوتين.

وتعزز المقارنات التاريخية والإقليمية هذا الاستنتاج. فقد شهد السودان في عامي 1964 و1985 انتقالين أعقبا انتفاضتين شعبيتين وتدخلاً عسكرياً، لكن عودة الجيش الشكلية إلى الثكنات من دون إصلاح أمني لم تضمن استقرار الحكم المدني. وأظهرت مصر كيف يمكن للمجلس العسكري أن يدير الانتقال ثم يعيد إنتاج هيمنة الجيش، بينما كشفت الجزائر بعد 2019 قدرة المؤسسة العسكرية على احتواء الحراك الشعبي والتحكم في مساره. وفي بوركينا فاسو عامي 2014 و2015 واجه الانتقال المدني محاولة انقلاب من الحرس الرئاسي، ولم يُحسم الصراع إلا بتدخل الجيش النظامي وحل الحرس، وهي مقارنة تبرز أهمية العلاقة بين مؤسسات مسلحة متنافسة. أما تونس بعد 2011 فتقدم مثالاً على إمكان الإشراف المدني على الداخلية والدفاع عندما لا تمتلك المؤسسة الأمنية قوة موازية مستقلة بالقدر الذي شهدته الحالة السودانية. وتلتقي هذه التجارب عند أهمية وجود مؤسسة عسكرية تقبل بحماية الانتقال أو قوة قادرة على فرضه، بينما ضاعف وجود الجيش والدعم السريع في السودان مخاطر الانتقال.

ويفكك المقال أربع عشرة رواية شائعة أو مضللة بشأن الشراكة. فهو يرفض الجزم بأن قيادة الحرية والتغيير باعت الثورة بتوقيعها، إذ لا تثبت الأدلة المتاحة فساد قرار التوقيع، وإن كانت تكشف أخطاء تفاوضية قابلة للنقد. كما يرفض القول إن مجزرة يونيو أنهت التفاوض نهائياً، لأن الوساطة الأفريقية والإثيوبية أعادت المفاوضات خلال أسابيع. ويدحض رواية أن المجزرة كانت مجرد فعل مندسين أو عناصر منفلتة، استناداً إلى الأدلة على التخطيط المسبق وحشد القوات، مع التأكيد على أن غياب المحاسبة القضائية الكاملة لا يزال مشكلة جوهرية. ويرفض الاعتقاد بأن الإضراب العام كان كفيلاً بإسقاط المجلس العسكري، لأن التجربة أثبتت أن العصيان المدني لم يحقق ذلك. كما يرفض تحميل الغرب أو الرباعية وحدهما مسؤولية فرض الشراكة، إذ تداخلت الوساطة الأفريقية والإثيوبية مع ضغوط غربية مؤيدة للحكم المدني ودعم إقليمي للمجلس العسكري.

ويرفض المقال أيضاً اختزال أسباب حرب أبريل 2023 في الشراكة وحدها، أو تصوير حميدتي باعتباره نصيراً ثابتاً للحكم المدني، أو التعامل مع الجيش والدعم السريع وجهاز الأمن بوصفها كتلة واحدة متماسكة. ويشدد على ضرورة عرض أرقام ضحايا مجزرة يونيو مع مصادرها والتفاوت بينها، بدلاً من تضخيمها أو تخفيفها بلا دليل. كما يصحح الاعتقاد بأن الوثيقة الدستورية سلمت الدولة للعسكريين تسليماً مطلقاً، موضحاً أنها قيدت كثيراً من سلطات مجلس السيادة إجرائياً، لكنها أبقت القيادة العليا والاستثناء الأمني والحصانة، وأن غياب المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية ضاعف آثار هذه السلطات. ويصحح كذلك القول إن العسكريين اختاروا ثلث المجلس التشريعي، إذ اقتصر دورهم على التشاور والتصديق الشكلي، وينفي أنهم وحدهم عطّلوا المجلس، لأن القوى المدنية أخرت تشكيله بدورها. ويفرق بين وزير الدفاع الذي كان عضواً في المجلس العسكري ووزير الداخلية الذي رشحته الشرطة، كما يوضح أن استثناء الوزارتين من التعيين المدني لم يكن اتفاقاً مبكراً، بل ظهر في مرحلة لاحقة من المفاوضات.

وعند ربط الشراكة بانقلاب أكتوبر 2021 وحرب أبريل 2023، يخلص المقال إلى أنها لم تكن السبب الجذري الوحيد، بل الإطار المؤسسي الذي تحركت داخله عوامل أعمق. فقد احتفظ الجيش والدعم السريع بقيادتين مستقلتين واقتصادين موازيين، ولم يُفكك أي من البنيتين. ثم أضاف اتفاق جوبا في أكتوبر 2020 قوى مسلحة جديدة إلى معادلة السلطة، وأعاد توزيع المقاعد داخل المؤسسات الانتقالية، بينما لم يتحقق إصلاح أمني جوهري. وجاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليقوض الانتقال، ثم تعثر الاتفاق الإطاري الموقع في ديسمبر 2022 عند ملف دمج القوات، قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. وتوضح هذه السلسلة أن الصراع لم يكن ثنائياً بين الجيش والمدنيين فحسب، بل شمل الجيش والدعم السريع وقوى الحرية والتغيير، مع اختلاف مصالحها وحساباتها. ولذلك كانت الشراكة صيغة غير محصنة سمحت بتفاقم الأسباب الأعمق، لا سبباً منفرداً يفسر الحرب.

ويستخلص المقال مجموعة من الدروس العملية لأي انتقال سوداني مستقبلي بعد الحرب. أولها ضرورة وجود قيادة عسكرية واحدة خاضعة للمساءلة، مع جدول زمني ملزم لدمج القوات وإعادة هيكلتها، لأن تعدد الجيوش كان من أخطر ثغرات المرحلة السابقة. وثانيها أن الشراكة، إذا تعذر تجنبها، يجب أن تتضمن مواعيد قاطعة لانتقال الرئاسة وآليات تنفيذ لا تتوقف على موافقة الطرف المسلح أو رغبته. وثالثها أن وحدة القوى المدنية وتماسكها التنظيمي والسياسي شرطان أساسيان، لأن الانقسامات الداخلية أضعفت قدرتها على التفاوض والتنفيذ. ورابعها إشراك الحركات المسلحة وقوى الهامش منذ بداية الانتقال، بدلاً من تأجيل مشاركتها إلى مرحلة لاحقة تتحول فيها عملية السلام إلى سباق على مقاعد السلطة. وخامسها توفير ضمانات خارجية موثوقة وغير منحازة تساعد على تنفيذ الاتفاقات وإصلاح القطاع الأمني. وسادسها عدم تأجيل العدالة الانتقالية، لأن غياب المحاسبة عن مجزرة يونيو قوّض الثقة في الانتقال وأبقى الجرح مفتوحاً.

ويضيف المقال دروساً دستورية ومؤسسية أكثر تحديداً. فلا ينبغي تعليق الضمانات الانتقالية على إنشاء مؤسسات لاحقة من دون آليات بديلة تعمل تلقائياً عند التأخير. ويجب صياغة الحصانة بحيث لا تحمي الجرائم الجسيمة، مع تحديد جهة فورية لرفعها. وإذا تعذر منع الاستثناءات الأمنية في تشكيل الحكومة، فينبغي تقييدها بقوائم ترشيح متعددة وحق مدني فعلي في الإقالة ورقابة مالية على الشركات العسكرية والأمنية. كما يجب ألا تجعل قواعد التصويت أغلبية مدنية نظرية عاجزة عن اتخاذ القرار عملياً. وينبغي أن يسبق إشراك القوى المسلحة اتفاق الوثيقة الدستورية، وأن تحدد الوثيقة بوضوح الفرق بين السلطات الشكلية والفعلية لرأس الدولة، بما يمنع تحول الغموض القانوني إلى صراع على الصلاحيات.

ويخلص المقال في النهاية إلى أن تجنب الشراكة من حيث المبدأ كان شبه مستحيل في عام 2019، لأن القوى المدنية لم تمتلك قدرة كافية على الإكراه، ولم يحدث انقسام حقيقي في الجهاز الأمني من الأسفل، ولم يتوفر ضامن خارجي موثوق قادر على فرض انتقال مدني كامل. لكن هذه القيود لا تبرئ المفاوضين المدنيين من أخطاء الصياغة والتسلسل والتنفيذ. فقد كان من الممكن تقليص الحصة العسكرية، أو منح المدنيين رئاسة مجلس السيادة منذ البداية، أو تخفيف شرط الثلثين في القرارات غير الأمنية، أو فرض رقابة مدنية أكثر فاعلية على وزارتي الدفاع والداخلية، أو تنظيم الحصانة، أو تقييد سلطة العسكريين في التعيينات، أو مراجعة قوانين الدعم السريع، أو ضمان تشكيل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية في مواعيدهما.

وكانت أبرز نقاط التقصير المدني مرتبطة بتأخير المؤسسات التشريعية والرقابية، وعدم بناء آليات بديلة عند تعثرها، وعدم إحكام الرقابة على القطاع الأمني والاقتصادي، وعدم إدماج الحركات المسلحة منذ البداية. وفي المقابل، كانت بعض التنازلات، ولا سيما التخلي الكامل عن القيادة العليا للقوات المسلحة والدعم السريع، ضعيفة الإمكان في ميزان القوى القائم. وبذلك لا يصح اختزال التجربة في اتهام القيادة المدنية ببيع الثورة، كما لا يصح اعتبار كل عيوب الاتفاق قدراً لا يمكن تغييره. فالحكم الأكثر اتزاناً هو أن الشراكة كانت مرجحة بحكم موازين القوة، لكن صيغة أغسطس 2019 لم تكن حتمية بكل تفاصيلها، وأن تحسينها كان ممكناً في عدد من البنود والضمانات والإجراءات.

ويظل هذا الاستنتاج محكوماً بقيود معرفية ومنهجية، أهمها ندرة المصادر العربية الأولية المنشورة عن المفاوضات، وعدم توافر محاضر كاملة تكشف المقترحات والحسابات الداخلية للأطراف، وغياب معلومات كافية عن المقترحات المدنية المتعلقة بالإشراف على وزارتي الدفاع والداخلية. كما أن تقديرات إمكان البدائل نوعية وليست احتمالات كمية محسوبة، وبعض الحسابات يفترض عدداً معيناً من الوزراء ووحدة الصف المدني. ويجب أيضاً الحذر من تقييم قرارات عام 2019 بأثر رجعي استناداً إلى أحداث لم تكن معلومة آنذاك. وتظل النتائج قابلة للمراجعة مع ظهور وثائق ومحاضر ومقابلات جديدة، خصوصاً ما يكشف حسابات قادة الجيش والدعم السريع خلال أشهر التفاوض. ومع ذلك، يقدم التحليل إطاراً لفهم الفرق بين ما فرضته موازين القوة وما أنتجته القرارات السياسية، ويؤكد أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ينبغي قبول الشراكة أو رفضها بصورة مجردة، بل كيف كان يمكن تصميم شراكة انتقالية أكثر توازناً، وأكثر خضوعاً للمساءلة، وأقدر على منع عودة الحكم العسكري وانهيار الانتقال إلى الحرب.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية

يطرح هذا المقال سؤالاً يتكرر في السجالات السودانية منذ أغسطس 2019: هل كان بوسع قوى إعلان الحرية والتغيير أن تتجنب الشراكة مع المجلس العسكري الانتقالي؟ والسؤال أصعب مما يبدو، لأن الإجابة عنه تفترض إجابات عن أسئلة سابقة. ما المقصود بالشراكة؟ ومن كان يملك القدرة على إنهائها أو منعها؟ وما البدائل التي كانت متاحة فعلاً، لا بدائل الذاكرة الرغبوية؟ وما الذي يجعل بديلاً ما «ممكناً» بالمعنى التاريخي لا بالمعنى المنطقي المجرد؟

يتبنى المقال تمييزاً أساسياً بين مستويين. الأول هو الشراكة بوصفها مبدأ، أي اقتسام السلطة السيادية مع مؤسسة عسكرية احتفظت بالسلاح. والثاني هو الشراكة بوصفها صيغة، أي الشكل المؤسسي المحدد الذي وُقّع عليه في 17 أغسطس 2019 بشروطه وتسلسله وضماناته. وحجة المقال أن المستوى الأول كان قريباً من المحتوم في ميزان القوى الذي أعقب 11 أبريل 2019، لأن تجنبه كان يتطلب شروطاً غابت عن المشهد. أما المستوى الثاني فكان في معظمه قابلاً للتحسين، وكانت أخطاؤه قراراً لا قدراً.

ولاختبار هذه الحجة على نحو أدق، لا يكتفي المقال بالحكم العام، بل يفككها إلى ستة أسئلة محددة عن مواد الوثيقة الدستورية نفسها، ويخصص لكل منها فصلاً مستقلاً. هل كان تجنب وجود العسكريين في مجلس السيادة ممكناً؟ وهل كان تجنب منح المجلس السيادي أي سلطات غير تشريفية ممكناً؟ وهل كان تجنب تعيين العسكريين لوزيري الدفاع والداخلية ممكناً؟ وهل كان إشراك المدنيين في قيادة الوزارتين ممكناً؟ وهل كان تجنب منح العسكريين دوراً في اختيار جزء من المجلس التشريعي الانتقالي ممكناً؟ وهل كان تجنب سائر السلطات الأخرى التي منحتها الوثيقة للعسكريين ممكناً؟ وقد حُصرت هذه السلطات حصراً منهجياً من نص الوثيقة نفسها لا من الذاكرة السياسية.

يعتمد المقال على تتبع العمليات التاريخية، وعلى المقارنة مع حالات انتقال مشابهة، وعلى مقاطعة الروايات المتعارضة بين تقارير المنظمات الحقوقية وتحليلات مراكز الأبحاث والنصوص الرسمية والتغطيات الصحفية الموثقة. ويرتب فصوله وفق منطق السرد التحليلي المعتاد في الدراسات التاريخية والسياسية، وهو الانتقال من العام إلى الخاص ثم العودة إلى التركيب. فيبدأ بتأطير السؤال والخلفية البنيوية والوقائع (الفصلان الأول والثاني)، ثم بتشريح الوثيقة ذاتها (الفصل الثالث)، ثم بالأسئلة الستة مرتبة بحسب تدرج السلطة من رأس الهرم السيادي إلى قاعدته التشريعية والإجرائية (الفصول من الرابع إلى التاسع)، ثم بتركيب البدائل والمقارنات (الفصل العاشر)، ثم بتفكيك الأساطير (الفصل الحادي عشر)، ثم بالنتائج والدروس (الفصل الثاني عشر). والغاية أن يقرأ القارئ قصة متماسكة تنتقل من «ما كان» إلى «ما كان يمكن» إلى «ما ينبغي».

وتجدر الإشارة إلى أن أرقام المواد الواردة في المقال تعتمد على الترجمة التي أعدها المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية لنسخة 4 أغسطس 2019 (Transitional Military Council, 2019). وقد تغير ترقيم بعض المواد في النسخة النهائية الموقعة في 17 أغسطس، فتحيل تحليلات إلى المادة 12 لصلاحيات المجلس السيادي والمادة 15 لرئيس الوزراء والمادة 71 لاشتقاق الوثيقة من الاتفاق السياسي (Just Security, 2021)، ووصفت مكتبة الكونغرس مسودة أغسطس بأنها تتكون من سبعين مادة (Library of Congress, 2019). ولذلك يُنصح القارئ بالرجوع إلى مضمون المادة لا إلى رقمها وحده. كما أن المصادر الأولية العربية المنشورة بتوثيق علمي عن مفاوضات 2019 ما تزال شحيحة، ولذلك اعتمد المقال على الوثائق المؤسسية العربية وعلى الدراسات والتقارير الأجنبية الرصينة.

الفصل الأول: ما معنى «كان ممكناً»؟ وبنية المأزق وسقوط البشير وانقلاب القصر

ما معنى «كان ممكناً»؟ ميزان الإمكان التاريخي وشروط الحكم على البدائل

لا يكفي لإثبات إمكان بديل أن نتخيل مساراً مختلفاً ونصفه بأنه أفضل. فالمعيار الأدق يتطلب أربعة شروط. أن يكون الفاعلون قادرين فعلاً على تنفيذ البديل بالموارد المتاحة وقتها. وأن تكون احتمالات نجاحه معقولة لا هامشية. وأن يكون ثمنه محتملاً مقارنةً بما حدث. وأن يكون أفضل من الواقع بدليل لا بمجرد الأمنية. وتقتضي هذه الشروط تجنب «مغالطة الوضوح بأثر رجعي»، وهي أن نحكم على قرارات اتُّخذت في ضباب أبريل ويونيو 2019 بمعلومات لم تتوفر إلا بعد حرب 2023.

وتساعد الأدبيات المقارنة هنا. فنظرية الانتقال من الحكم السلطوي تؤكد أن الانتقالات التي يبدأ فيها الانفتاح من داخل النظام تقوم عادةً على ميثاق بين المعتدلين من الطرفين (O’Donnell, 1986). وترى مقاربة أخرى أن الديمقراطية تتوطد حين تُقبل المؤسسات المنتخبة قبولاً مشتركاً، وأن تعقيد الدولة نفسه، أي ما يُسمى مشكلة «الدولية»، يسبق مسألة التحول الديمقراطي (Linz, 1996). وتبين دراسات تسوية الحروب أن المسلحين لا يسلّمون سلاحهم إلا بضمانات موثوقة لالتزام الطرف المقابل (Walter, 1997)، وأن اقتسام السلطة العسكرية والسياسية والإقليمية من أقوى العوامل المرتبطة باستدامة السلام (Hartzell, 2003). وتذكّر المقاربة الإستراتيجية بأن الانتقال يتوقف على ما إذا كانت الحسابات التي تقنع كل طرف مسلح بالتخلي عن السلاح أعلى كلفة من البقاء (Przeworski, 1991). ومن هذه الأدبيات يستمد المقال سؤاله الفرعي: هل كان في وسع قوى الحرية والتغيير أن توفر لقادة الجيش والدعم السريع والأمن حوافز كافية لتسليم السلطة بلا شراكة، أو أن تفرض عليهم ذلك بكلفة يتحملها الجميع؟

سلطة بلا أنياب: تحالف ثوري عريض أمام جهاز أمني متعدد الرؤوس

تحرك الشارع السوداني منذ 19 ديسمبر 2018 من عطبرة بعد ارتفاع أسعار الخبز، ثم اتسع في بضعة أسابيع إلى حراك وطني. وفي 1 يناير 2019 وقّع تجمع المهنيين السودانيين وتحالف نداء السودان وقوى الإجماع الوطني والتجمع الاتحادي «إعلان الحرية والتغيير» (قوى إعلان الحرية والتغيير، 2019). وكان هذا التحالف قوياً في قدرته على الحشد، لكنه كان ضعيفاً في ما يُعدّ شرطاً للانتقال الديمقراطي، أي القدرة على إجبار الطرف المسلح على التسليم. وقد رأت دراسات لاحقة أن ترتيب اقتسام السلطة افترض خطأً أن قوى الحرية والتغيير قادرة على التفاوض والالتزام ككتلة متماسكة، وأن الجانب العسكري كان هو الأقدر على استغلال تفككها (International IDEA, 2022).

وفي الجهة المقابلة، لم يكن الجهاز الأمني كتلة واحدة، وهذه نقطة جوهرية تُهمل كثيراً في الجدل. فقد كان فيه الجيش النظامي، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني بقيادة صلاح قوش، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وكانت قوات الدعم السريع قد انتقلت من ميليشيا هامشية إلى قوة شبه رئاسية بعد قانونها الذي صدر في 2017 ووضعها تحت سلطة رئيس الجمهورية مباشرة، وهو ما رسّخ تحولها إلى حرس شبه رئاسي (International Crisis Group, 2019). وأوردت تقارير أن عددها يصل إلى خمسين ألف مقاتل، لكن مجموعة الأزمات الدولية نبّهت إلى أنها لم تتمكن من التحقق من تلك التقديرات (International Crisis Group, 2019). وكان كثير من ضباط الجيش ينظرون إلى هذه القوات بوصفها ميليشيا إقليمية قليلة الانضباط، ولم يكن هذا التوتر خفياً (International Crisis Group, 2019). وتوثق دراسات سابقة نشأتها وتمددها وأثرها في دارفور قبل الثورة بسنوات (Tubiana, 2017).

وتلخص هذه البنية معضلة 2019: فقد كان الجهاز الأمني منقسماً بما يكفي لمنع ثورة مضادة موحدة، لكنه كان مسلحاً بما يكفي لمنع تسليم كامل للسلطة. ويضيف أليكس دي وال ملاحظة تحليلية مهمة، فهو يرى أن السلطة في هذه المنطقة تدار بوصفها سوقاً سياسية تُشترى فيها الولاءات بالمال والامتيازات، وأن الولاءات الأمنية فيها قابلة للتفاوض لا للإملاء (de Waal, 2015). وإذا صح هذا التصور على السودان، فإن السؤال لا يعود: هل كان يجب إقصاء العسكريين؟ بل: بأي ثمن وبأي تسلسل يمكن شراء تسليمهم؟

من عطبرة إلى القيادة العامة: انقلاب القصر الذي أنقذ الجهاز ولم ينقذ النظام

بدأ الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في 6 أبريل 2019، وفي 11 أبريل أعلن وزير الدفاع عوض ابن عوف إزاحة البشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي. لكن الشارع رفض هذه الصيغة فتنحى ابن عوف في اليوم التالي، وتولى عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس، وتنحى صلاح قوش عن رئاسة جهاز الأمن بعد ذلك بيوم. وبذلك قدّم الجهاز الأمني تنازلاً شكلياً سريعاً حافظ به على قلب المؤسسة.

وتدلّ هذه الواقعة على نقطة تحليلية حاسمة. فأدبيات المقاومة المدنية تقول إن الحراكات تنجح غالباً حين ينشق جزء من القوة الأمنية عن السلطة (Chenoweth, 2011). وقد حدث الانشقاق في السودان فعلاً، لكنه جاء بصيغة حافظت على قيادة الجهاز الأمني بدلاً من أن تفتحه أمام الثورة. فالجنرالات الذين أطاحوا البشير هم أنفسهم من صاروا الشريك المفترض. ولذلك كانت الشراكة نتيجة منطقية للانشقاق من أعلى، لا لانشقاق من الأسفل كان سيضعف قيادة الجهاز نفسها.

وفي الأسابيع التالية تعاظمت أدوار القوى الخارجية. فقد أعلنت السعودية والإمارات في أبريل حزمة دعم بنحو ثلاثة مليارات دولار للمجلس العسكري، وطلبت واشنطن من الرياض أن تستخدم نفوذها لدفع المجلس نحو انتقال بقيادة مدنية (International Crisis Group, 2019).

الفصل الثاني: أسابيع التفاوض المسدود ومجزرة 3 يونيو والإقليم والعالم

أسابيع التفاوض المسدود: من يملك الأغلبية داخل مجلس السيادة؟

دارت المفاوضات في أبريل ومايو حول ثلاث عقد: مدة الفترة الانتقالية، وتركيبة المجلس السيادي ورئاسته، ونسب المجلس التشريعي. وتشير الوثائق المتاحة إلى أن الطرفين اتفقا مبكراً على مبدأ فترة انتقالية تمتد ثلاث سنوات، وعلى أن تحصل قوى الحرية والتغيير على ثلثي مقاعد المجلس التشريعي. وقد كرّس الميثاق لاحقاً هذه النسبة بنص صريح، إذ جعل 67% من أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي من اختيار قوى الحرية والتغيير و33% من اختيار القوى الأخرى (Transitional Military Council, 2019). وأوردت وكالات الأنباء أن اتفاقاً أولياً في مايو منح قوى الحرية والتغيير ثلثي المجلس التشريعي وحق ترشيح وزراء حكومة تقوم على الكفاءة، بينما ظل الخلاف قائماً حول من يسيطر على المجلس السيادي، مدنيون أم عسكريون (Gulf News, 2019). غير أن الخلاف على رئاسة المجلس السيادي وأغلبيته ظل العقدة الرئيسية، لأن من يملك أغلبية السيادة يملك قرار الأمن.

وفي هذه المرحلة تحديداً كان يمكن تحسين شروط التفاوض. فقد ظهر أن المجلس العسكري لم يكن قادراً على فرض شروطه كاملة، ولا قوى الحرية والتغيير قادرة على فرض شروطها كاملة. وهذا هو التعريف الأقرب لوضع «التعادل المؤلم» الذي تتولد فيه عادةً صفقات اقتسام السلطة. وقد نجحت قوى الحرية والتغيير في إدخال مفهوم الثلثين التشريعي وفي ضمان رئيس وزراء مدني، لكنها لم تنجح في ضمان تسلسل واضح لإصلاح القطاع الأمني.

مجزرة 3 يونيو: لحظة الحقيقة التي كشفت قدرة السلاح وحدود الحشد

في الثالث من يونيو 2019 هاجمت قوات من الدعم السريع والشرطة وجهاز الأمن موقع الاعتصام أمام القيادة العامة في الخرطوم. وقالت هيومن رايتس ووتش في تقرير مفصل إن الهجوم كان مخططاً، وإن عدد القوات المنتشرة، الذي قُدّر بالآلاف، يشير إلى تخطيط تشغيلي رسمي، وإن القتلى لا يقلون عن 120 في ذلك اليوم والأيام التالية (Human Rights Watch, 2019). وأفاد شهود بأنهم رأوا قوات الأمن ترمي جثثاً في النيل (Human Rights Watch, 2019). وأكد تحقيق لأطباء من أجل حقوق الإنسان أن السلطات نشرت أعداداً كبيرة من القوات حول موقع الاعتصام في الأيام السابقة، خاصةً في أواخر مايو (Fricke, 2020). وتتفاوت تقديرات الضحايا بحسب الجهة: فقد أعلن رئيس المفوضية السودانية لحقوق الإنسان في سبتمبر 2019 أن عدد القتلى 85 وأن المصابين يتجاوزون 400 (Sudan Tribune, 2019a)، بينما أوردت لجنة أطباء السودان المركزية رقماً أعلى يبلغ 127 قتيلاً، مع العثور على نحو أربعين جثة في النيل (Dabanga, 2022).

وتفيد هذه الوقائع في تحليل سؤالنا من ثلاثة أوجه. أولها أنها أثبتت أن المجلس العسكري كان يملك القدرة على استخدام القوة الفتاكة ضد أكبر تجمع مدني، وأن هذه القدرة لم تكن نظرية. وثانيها أنها أضعفت شرعيته أمام الشارع وأمام الإقليم، إذ علّق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان وزادت الضغوط الدولية. وثالثها أنها أثبتت أن الشارع لم يتفتت، فقد جاءت مسيرات 30 يونيو الحاشدة رداً مباشراً. وبهذا أنتجت المجزرة وضعاً مركّباً: جانب عسكري فقد الشرعية وبقي مسلحاً، وجانب مدني فاز بالشرعية ولم يملك السلاح. وهذا الوضع تحديداً هو ما يسمّى في أدبيات التفاوض «الطريق المسدود المتبادل»، وهو أنسب حالة لقيام صفقة اقتسام.

الإقليم والعالم: من يملك مفاتيح المخرج؟

لم تكن الأطراف السودانية وحدها حاضرة على الطاولة. فقد حظي المجلس العسكري بدعم مالي وسياسي من الرياض وأبوظبي والقاهرة، وفي المقابل ضغطت واشنطن ولندن وبروكسل لانتقال مدني. وتولى الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا الوساطة، وأعلن الوسيط الأفريقي محمد الحسن ولد لبات أن الطرفين اتفقا اتفاقاً كاملاً على الإعلان الدستوري (Euronews, 2019). وأوردت وكالة رويترز نقلاً عن مسودة المقترح الإثيوبي أنه تصور مجلساً سيادياً من سبعة مدنيين وسبعة عسكريين ومقعد إضافي لشخصية محايدة (Gulf News, 2019). وفي 5 يوليو اتفق الطرفان مبدئياً على ترتيب لاقتسام السلطة (Dabanga, 2019)، وفي 17 يوليو وُقّع اتفاق سياسي، وفي 4 أغسطس وُقّع مشروع الإعلان الدستوري على يدي حميدتي وأحمد ربيع، ثم اكتمل التوقيع في 17 أغسطس (Transitional Military Council, 2019).

وتخلص تحليلات المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إلى أن الشركاء الدوليين، ومنهم ألمانيا، تعاملوا مع المؤسسة الأمنية كشريك لا مفر منه بدلاً من أن يدفعوها بحزم نحو الخروج من السياسة، وأنه كان يمكنهم أن يكونوا أكثر حسماً (Stiftung Wissenschaft und Politik, 2024). وتفيد هذه الخلاصة بأن البيئة الدولية رجّحت الشراكة، وأن غياب ضامن خارجي موثوق لتسليم الجيش للسلطة جعل بديل الحكم المدني الكامل شبه معدوم. ويعزز هذا أن تحقيق الثورة للانتقال الكامل كان سيتطلب إما انقساماً حقيقياً داخل الجيش أو مظلة خارجية تحمي المدنيين، ولم يتوفر أي منهما.

الفصل الثالث: ما الذي وقّعوه فعلاً؟ تشريح صيغة أغسطس ومواطن عطبها

نصّت الوثيقة على مجلس سيادة من أحد عشر عضواً: خمسة من المجلس العسكري، وخمسة من قوى الحرية والتغيير، وعضو مدني يُختار بالتوافق. وكانت رئاسة المجلس للعسكريين في أول 21 شهراً ثم للمدنيين في 18 شهراً، ضمن فترة انتقالية مدتها 39 شهراً (Transitional Military Council, 2019). وأُلزمت الأطراف بإنجاز اتفاق سلام مع الحركات المسلحة في الأشهر الستة الأولى. وقد حددت الصيغة الأصلية موعد انتقال الرئاسة إلى المدنيين في 17 مايو 2021 (Just Security, 2021)، وما تزال النسخة المعدلة المنشورة بعد اتفاق جوبا تحتفظ بهذا التاريخ نصاً (Constitute Project, 2020). وتتفاوت الروايات في أثر اتفاق جوبا في أكتوبر 2020 على هذا الموعد، إذ تحدث كثيرون عن إرجائه إلى الأسابيع التي سبقت انقلاب أكتوبر 2021، وهو ما لم نتمكن من التحقق منه من نص الوثيقة المعدلة. وفي كل الأحوال ظل توقيت التسليم محمّلاً بدلالة سياسية لا تخفى.

وتتجمع المآخذ المنهجية على الصيغة في أربعة محاور. أولها أن الوثيقة وزّعت السلطة ولم تضع تسلسلاً لإصلاح القطاع الأمني، فبقيت قوات الدعم السريع والجيش والأمن بنى مستقلة بقيادات مستقلة. وقد رأى باحثو المعهد الألماني أن الدستور الانتقالي أوجد ثغرات كان العسكريون أقدر على استغلالها، وأن المدنيين لم ينجحوا منذ 2019 في تقليص قدرات القطاع الأمني تقليصاً جوهرياً (Stiftung Wissenschaft und Politik, 2024). وثانيها أن الوثيقة أُبرمت بين طرفين فقط، فخرجت حركات دارفور المسلحة، ومنها كثير من أعضاء الجبهة الثورية، من المعادلة، لأن كلا الطرفين اعتبر الحرب مسألة تُؤجل ويُنظر فيها بمعزل عن اقتسام السلطة (Pospisil, 2019). وثالثها أن المجلس التشريعي، الذي كان يفترض أن يمثل رافعة مدنية بنسبة ثلثين لقوى الحرية والتغيير، تأخر تشكيله ولم يقم في الواقع (Freedom House, 2025). ورابعها أن الاعتماد على ازدواجية الشرعية في مجلس السيادة ومجلس الوزراء جعل القرار الأمني بعيداً عن حكومة حمدوك التي كانت تتولى المسؤولية السياسية دون أدواتها.

والمسألة المنهجية هنا أن هذه العيوب ليست حتمية بنيوية. فبعضها كان من الممكن التفاوض عليه حينها: جدول زمني لدمج الدعم السريع، وتقديم الإصلاح الأمني على بقية الالتزامات، وإشراك الحركات المسلحة منذ البداية، وتسريع تشكيل التشريعي، وتحديد من يتولى الشركات الأمنية والعسكرية. وهذا ما يجعل الصيغة، لا المبدأ، موضع النقد. وتفصّل الفصول الستة التالية هذا الحكم على مستوى البنود: بند بند وسلطة سلطة.

الفصل الرابع: عسكريون في مجلس السيادة: بين استحالة الغياب الكامل وإمكان الأقلية والرئاسة المدنية الأولى

هل كان تجنب وجود العسكريين في مجلس السيادة ممكناً؟ تنص المادة 10 على أن مجلس السيادة هو رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها والقائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع وسائر القوات النظامية، وأنه يتكون من أحد عشر عضواً: خمسة مدنيين تختارهم قوى الحرية والتغيير، وخمسة يختارهم المجلس العسكري، وعضو مدني حادي عشر يُختار بالتوافق بينهما، وأن يرأسه في أول 21 شهراً من يختاره الأعضاء العسكريون ثم يرأسه في 18 شهراً مدني تختاره الأعضاء المدنيون الخمسة (Transitional Military Council, 2019). وأدى المجلس اليمين في 21 أغسطس برئاسة البرهان، وضم أربعة عسكريين آخرين وستة مدنيين (Dabanga, 2019). وكان العضو المدني الحادي عشر هو القاضية القبطية راجحة نيقولا عبد المسيح (Lawfare, 2019).

وللحكم على إمكان بديل خالٍ من العسكريين ينبغي أولاً بيان ما كان على الطاولة فعلاً. فقد أوردت رويترز أن الطرفين تعثرا أسابيع حول من يسيطر على المجلس السيادي، وأن مسودة الوسيط الإثيوبي اقترحت سبعة مدنيين وسبعة عسكريين ومقعداً محايداً (Gulf News, 2019). أي أن أقصى ما طُرح في ميزان الوساطة كان تكافؤاً عددياً مع حضور عسكري كامل، لا غياباً عسكرياً. وبعد 3 يونيو أعلن المجلس العسكري التراجع عن الاتفاقات السابقة، وكانت قدرته على الإكراه ظاهرة (Human Rights Watch, 2019). ولاحظ تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس أن إصرار المجلس على الاحتفاظ بالقرار في الشأن الأمني ينذر بتعقيد عمل السلطات المدنية (Congressional Research Service, 2019).

ويمكن تصور أربعة بدائل. الأول مجلس سيادة مدني خالص، ويقتضي أن يتخلى قادة الجيش والدعم السريع والأمن عن رأس الدولة وعن القيادة العليا للقوات في الوقت الذي يملكون فيه السلاح وقد أظهروا استعدادهم لاستخدامه. ولا يظهر في الأدلة أي مؤشر على قبولهم ذلك، ولا على وجود قوة تحمل على القبول، ولذلك فإمكانه ضعيف جداً. والثاني مجلس سيادة مدني تقابله مؤسسة أمنية منفصلة، أي مجلس للأمن والدفاع يضم العسكريين دون أن يكونوا في رأس الدولة. وهذا البديل ممكن نظرياً، وقد أخذت الوثيقة بجزء منه، إذ أنشأت مجلساً للأمن والدفاع بتركيبة تضم المدنيين والعسكريين (المادة 11(1)(ي))، لكن تمسك العسكريين بالقيادة العليا للقوات حال دون نقل الثقل كله إلى ذلك المجلس. والثالث تقليص الحضور العسكري إلى أقلية رمزية كثلاثة من خمسة عشر عضواً. ولا توجد قرائن على أنه طُرح، وقد تجاوزته مسودة الوساطة نفسها. والرابع مجلس مختلط تكون رئاسته الأولى للمدنيين مع بقاء العسكريين فيه. وهو الأقرب إلى الإمكان بين البدائل، لأن الخلاف كان على من يرأس أولاً، وهو خلاف يحتمل التسوية بترتيب مختلف للدورات.

ويضاف إلى ذلك أن قاعدة التصويت نفسها كانت قابلة للتحسين. فتنص المادة 11(3) على أن القرارات تصدر بالتوافق أو بأغلبية الثلثين. وانتقد باحثون هذا الشرط لأنه يضيع معنى الأغلبية المدنية، إذ يحتاج المدنيون دوماً إلى صوت عسكري (Arab Center Washington DC, 2019). وبحساب بسيط، فإن الثلثين من أحد عشر عضواً يعنيان ثمانية أصوات، ولما كان المدنيون ستة فإنهم يحتاجون إلى صوتين عسكريين على الأقل. وفي المقابل فإن العسكريين الخمسة لا يمرّرون قراراً وحدهم، ويحجب أي من الطرفين قراراً بأربعة أصوات. وهذا ما يسميه محللون حق نقض متبادلاً (Just Security, 2021). ولم يكن الثلثان حتمياً، وكان يمكن التفاوض على أغلبية بسيطة في الشؤون غير الأمنية مع إبقاء الثلثين في القضايا السيادية. وقد منحت المادة 13(2) العسكريين حق ترشيح بدلاء أعضائهم عبر القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما يُرشّح المجلس التشريعي بدلاء المدنيين، وهو مجلس لم يتشكل قط، فبقي الجانب المدني بلا آلية فعلية للتعويض. وكانت هذه ثغرة صياغة لا ضرورة سياسية.

وخلاصة الفصل أن غياب العسكريين كلياً عن مجلس السيادة كان ضعيف الإمكان إلى حد الاستحالة، لأنه يعني تسليماً كاملاً للسلاح السيادي بلا ضامن. أما تقليص حصتهم أو تقديم الرئاسة المدنية أو ضبط قاعدة التصويت وآلية الاستبدال فكانت ممكنة بدرجات متوسطة. ومن اللافت أن المادتين 18(2) و19 فرضتا على أعضاء المجلس حظراً على ممارسة النشاط التجاري والترشح في الانتخابات التالية، وهو ما يدل على أن المفاوض المدني أدرك خطورة تحويل العضوية إلى بوابة اقتصادية وسياسية، لكن النص لم يقترن بآلية رقابية تنفذه.

الفصل الخامس: سلطات المجلس السيادي: ما كان شكلياً بحكم النص وما كان فعلياً بحكم الغياب

هل كان تجنب إعطاء أي سلطات غير تشريفية لمجلس السيادة ممكناً؟ تدل المصادر على أن هذا كان أحد محاور الصراع الرئيسية. فقد نبّه عضو في الحزب الشيوعي إلى أن مسودة المجلس العسكري للإعلان الدستوري كانت ترمي إلى جمع السلطة كلها في يد مجلس السيادة (Peoples Dispatch, 2019). وكتبت الجزيرة، عند توقيع الاتفاق السياسي، أن الهدف من الإعلان الدستوري هو تحديد سلطات المجلس السيادي ووظائفه (Al Jazeera, 2019c)، وقدّر محلل أن المجلس سيكون ذا دور رمزي إلى حد بعيد وأن الثقل في مجلس الوزراء، لكنه نبّه في المقابل إلى أن إسناد الدفاع والداخلية إلى العسكريين يعني اقتطاع القطاع الأمني من الإدارة المدنية (Al Jazeera, 2019a).

ولفحص ذلك بدقة، ينبغي تصنيف سلطات المجلس الواردة في المادة 11 بحسب طبيعتها. فبعضها شكلي بنص الوثيقة نفسها، لأن المادة 11(2) عرّفت «التصديق» بأنه التوقيع اللازم شكلاً لنفاذ القرار، وأن القرار ينفذ بعد 15 يوماً، وإذا ردّه المجلس بأسباب فللجهة المصدرة أن تعيد إصداره فيصبح نافذاً (Transitional Military Council, 2019). ويندرج تحت هذا النمط تعيين رئيس الوزراء الذي ترشحه قوى الحرية والتغيير، وتصديق تعيين الوزراء والولاة وأعضاء المجلس التشريعي والجهاز القضائي والنائب العام والمراجع العام والسفراء، وتوقيع القوانين التي يجيزها المجلس التشريعي مع إمكان تجاوز الاعتراض بإعادة إجازتها. وهذا يعني أن النص أنجز فعلاً قدراً مهماً من نزع الفاعلية عن سلطات المجلس.

أما السلطات غير الشكلية فكانت خمساً. أولاً القيادة العليا للقوات المسلحة والدعم السريع وسائر القوات النظامية (المادتان 10(1) و34)، وهي تخضع لـ«السلطة السيادية»، وينظم قانون القوات المسلحة وقانون الدعم السريع علاقتها بالسلطة التنفيذية، فبقي قانون 2017 نافذاً بحكم المادة 2(أ) ما لم يُعدّل. وثانياً إعلان الحرب بتوصية من مجلس الأمن والدفاع بشرط إجازة المجلس التشريعي في خمسة عشر يوماً، وإعلان الطوارئ بطلب من مجلس الوزراء. وثالثاً سلطة تشريعية انتقالية، إذ نصت المادة 24(3) على أنه إلى حين تشكيل المجلس التشريعي تؤول سلطاته إلى أعضاء مجلس السيادة ومجلس الوزراء في اجتماع مشترك بالتوافق أو بأغلبية الثلثين. ورابعاً رعاية عملية السلام مع الحركات المسلحة (المادة 11(1)(ع))، وتعيين رؤساء لجان السلام والحدود والدستور والانتخابات بالتشاور مع مجلس الوزراء (المادة 38(3)). وخامساً العفو وتمثيل الدولة في الخارج (المادة 70(5))، وتولي السلطات التنفيذية لرئيس الجمهورية المنصوص عليها في القانون لرئيس الوزراء باستثناء ما منحته الوثيقة للمجلس (المادة 70(4)).

وبميزان الإمكان، فإن تجريد المجلس من القيادة العليا للقوات كان شبه مستحيل لأن هذه السلطة هي لب الشراكة الأمنية (انظر الفصل الرابع). غير أن السلطة التشريعية الانتقالية كانت قابلة للتجنب إلى حد بعيد، فقد قصدت الوثيقة أن يتشكل المجلس التشريعي خلال تسعين يوماً (المادة 23(4))، أي في نحو منتصف نوفمبر 2019، بحيث تقصر الولاية التشريعية المشتركة على بضعة أسابيع. وهنا يبرز الدرس الأهم: لم تكن مدة الازدواجية التشريعية قدراً مفروضاً، بل تراكم أسباب داخلية. فقد أرجأت قوى الحرية والتغيير تشكيل المجلس إلى حين التوصل إلى اتفاق سلام، بإصرار من الجبهة الثورية التي أرادت التفاوض على تمثيلها فيه (Peoples Dispatch, 2020)، ثم أعلنت في نوفمبر 2020 تأجيله إلى 31 ديسمبر 2020 بسبب اتفاق جوبا (Middle East Monitor, 2020). وأضاف تقرير معهد التحرير أن المهلة انقضت وأن المجلس التشريعي ظل غير مشكل، فبقيت السلطة التشريعية بيد مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وأن المحكمة الدستورية لم تنشأ أيضاً فغاب الحكم الفاصل في النزاعات بين السلطتين السيادية والتنفيذية التي أحالت إليها المادة 70(4) (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021). ثم وسّعت التسوية الجديدة المجلس السيادي إلى أربعة عشر عضواً بإضافة ثلاثة من قادة الحركات (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021)، وأنشئ مجلس للشركاء خارج الوثيقة بتمثيل عسكري كبير (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021).

وعلى ذلك، فإن الحكم المتوازن هو أن الوثيقة نزعت عن المجلس السيادي كثيراً من الوظائف الإجرائية بنص صريح، وأبقت له ثلاثة أنواع من السلطة الفعلية: القيادة العليا، والسلطة التشريعية المؤقتة، والإشراف على السلام. ويرى المعهد الدولي للديمقراطية أن وضع قواعد أدق لوظائف المجلس السيادي في 2019 كان سيساعد المكون المدني (International IDEA, 2022). وبذلك كان تجنب السلطات الفعلية كلها ضعيف الإمكان، وكان تقليصها وتقييدها بمدد وإجراءات وآليات رقابية ممكناً بدرجة متوسطة إلى مرتفعة.

الفصل السادس: وزيرا الدفاع والداخلية: كيف انتُزع استثناء أمني من حكومة مدنية؟

هل كان تجنب تعيين العسكريين لوزيري الدفاع والداخلية ممكناً؟ تنص المادة 14(1) على أن مجلس الوزراء يتكون من رئيس الوزراء وعدد من الوزراء لا يتجاوز عشرين يعيّنهم رئيس الوزراء من قائمة مرشحين من قوى الحرية والتغيير ويصادق عليهم المجلس السيادي، «باستثناء وزيري الدفاع والداخلية اللذين يرشحهما المكون العسكري في مجلس السيادة» (Transitional Military Council, 2019). وتنص المادة 16(2) على ألا يحمل رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل جنسية أخرى إلا باستثناء يتفق عليه.

وتفيد روايات التفاوض بأن هذا الاستثناء لم يكن من نقطة البداية، بل جاء تراجعاً. فقد أفادت متابعة صحفية بأن الجولات السابقة اتفقت على أن تعين الحرية والتغيير مجلس الوزراء بأكمله، ثم نص الاتفاق السياسي في 17 يوليو على أن يختار العسكريون وزيري الدفاع والداخلية (Peoples Dispatch, 2019). وأكد ذلك تحليل مركز العرب في واشنطن الذي وصف الاتفاق بأنه يمنح العسكريين الوزارتين (Arab Center Washington DC, 2019). وأوردت دراسة المعهد الدولي للديمقراطية أن المجلس العسكري هو من يختار قائمة مرشحي الوزارتين (International IDEA, 2022).

وجرى التطبيق في سبتمبر 2019 على النحو التالي. رشح الجيش الفريق أول جمال الدين عمر وزيراً للدفاع، وكان عضواً في المجلس العسكري الانتقالي ورئيساً للجنته الأمنية، ورشحت الشرطة الفريق شرطة الطريفي إدريس دفع الله وزيراً للداخلية (Sudan Tribune, 2019d). وأضاف مجلس السيادة الوزيرين إلى قائمة رئيس الوزراء بعد تدقيقه (Sudan Tribune, 2019c). وأفادت الصحيفة نفسها أن العسكريين رشحوا كذلك رئيس جهاز المخابرات العامة (Sudan Tribune, 2019b). وفي المقابل، قدمت قوى الحرية والتغيير ثلاثة مرشحين لكل وزارة مدنية، وخاض حمدوك مفاوضات صعبة معها حول ما رآه ترشيحات يجب استبدالها (Sudan Tribune, 2019c)، أي أن رئيس الوزراء استخدم سلطة الاختيار على جانبه، وغابت هذه السلطة تماماً عند وزيري الدفاع والداخلية. وللمفارقة، فإن وزير الداخلية جاء من الشرطة لا من المجلس العسكري، ومن ثم فإن وصف الوزارتين بأنهما «حصة المجلس العسكري» يحتاج إلى تدقيق، فالوزارتان حصة المؤسسات النظامية التي مثلها المكون العسكري. أما وزير الدفاع فتوفي في 25 مارس 2020 أثناء مشاورات للسلام في جوبا.

وتعلق قوة هذا الاستثناء بما قاله محلل نقلته الجزيرة، وهو أنه يعني اقتطاع القطاع الأمني من الإدارة المدنية، وأن هذا القطاع يستهلك ما لا يقل عن 60% من ميزانية الحكومة (Al Jazeera, 2019a). وهذا تقدير منسوب إلى صاحبه، ولا يتوفر في المصادر المتاحة تحقق مستقل منه، لكنه يدل على الوزن الاقتصادي المقدر للوزارتين.

وللحكم على الإمكان، يجب النظر في ثلاثة بدائل. الأول أن يعين رئيس الوزراء الوزيرين بلا ترشيح عسكري، وهو بديل منخفض الإمكان جداً لأنه يمس لب مطلب المجلس العسكري ويتناقض مع قاعدة أنه لا تسليم بلا ضمان الأمن (Walter, 1997). والثاني أن يرشح العسكريون قائمة من ثلاثة أسماء يختار منها رئيس الوزراء، على غرار آلية الوزارات المدنية. وهو بديل متوسط الإمكان، لأنه يحفظ للعسكريين حق الترشيح ويعيد لرئيس الوزراء حق الاختيار، وأثره العملي أنه كان سيمنح حمدوك هامشاً لاستبعاد الأسماء الأكثر ارتباطاً بالنظام السابق. والثالث أن تُربط ولاية الوزيرين بحق إقالة يمارسه رئيس الوزراء دون الحاجة إلى موافقة مجلس السيادة. فالمادة 17(1)(ج) جعلت إقالة الوزراء بيد رئيس الوزراء لكن بمصادقة المجلس السيادي، وهو ما يعني أن إقالة الوزيرين العسكريين كانت رهن موافقة المكون العسكري نفسه. وهذا البديل متوسط الإمكان كذلك. وعليه فإن تجنب الاستثناء من أصله ضعيف الإمكان، لكن تقييده بقائمة ثلاثية وبحق إقالة فعلي كان ممكناً.

الفصل السابع: وزارتا الدفاع والداخلية بقيادة مدنية: ما بين المستحيل والمتاح

هل كان إشراك المدنيين في قيادة وزارتي الدفاع والداخلية ممكناً؟ يختلف الجواب باختلاف الوزارة ودرجة الإشراك. فالوثيقة نفسها تحمل مدخلين. الأول أن المادة 35 جعلت الشرطة قوة نظامية وطنية خاضعة لسياسات السلطة التنفيذية وقراراتها وفق القانون، وأن المادة 36 حصرت مهام جهاز المخابرات العامة في جمع المعلومات وتحليلها وإبلاغها للجهات المختصة وجعلته خاضعاً للسلطتين السيادية والتنفيذية. أي أن النص لم يمنع الإشراف المدني على السياسات الأمنية الداخلية. والثاني أن المادة 15(6) أعطت مجلس الوزراء سلطة الإشراف على أجهزة الدولة والمؤسسات العامة والشركات التابعة لها أو المرتبطة بها (Transitional Military Council, 2019)، فوفرت أساساً نصياً محتملاً للرقابة على الشركات العسكرية والأمنية، يتوقف تفعيله على القدرة السياسية. أما إصلاح الأجهزة العسكرية فقد أوكلته المادة 7(12) إلى المؤسسات العسكرية نفسها وفق القانون.

وفي الحالات المقارنة نماذج مختلفة. ففي مصر بعد 2011 ظل وزير الدفاع ضابطاً كبيراً على الدوام (Brownlee, 2015). أما في تونس بعد 2011 فتولى وزارة الداخلية مدنيون، وتولى وزارة الدفاع شخصية مدنية في بعض الفترات، وهو نمط انتقالي أقل مخاطرة لأن الجيش التونسي كان مؤسسة محايدة نسبياً لا مدعومة بقوة موازية. أما في السودان فقد كان الجهاز الأمني متعدداً ومسلحاً (انظر الفصل الأول)، وهو ما يرجح أن إسناد الدفاع إلى مدني في 2019 لم يكن ليغير ولاء الجيش والدعم السريع، بل ربما حوّل الوزير المدني إلى واجهة بلا سلطة. وتحذر الأدبيات من أن إسناد الوزارة إلى مدني دون ضمان قدرة على الإنفاذ يعرض الانتقال للانقلاب (Linz, 1996).

ويمكن تصور ثلاثة خيارات. الأول وزير دفاع مدني كامل الصلاحية، وهو أضعف الخيارات إمكاناً لأن الجيش والدعم السريع كانا سيرفضانه، ولا قوة تفرضه. والثاني وزير داخلية مدني مع إبقاء الدفاع للعسكريين، وإمكانه ضعيف إلى متوسط، فالشرطة مؤسسة أمنية مركزية للنظام السابق وملف المحاسبة على المجزرة يرتبط بها، لكن الاستعداد التفاوضي للمجلس العسكري على الداخلية قد يكون أقل منه على الدفاع، والدليل أن وزير الداخلية رُشح من الشرطة نفسها لا من أعضاء المجلس. والثالث إشراك مدنيين في مواقع نائب الوزير أو وزير الدولة أو في لجان رقابية على الميزانية والمشتريات والشركات. وهو أكثر الخيارات إمكاناً، لأنه لا يمس القيادة العسكرية المباشرة، وتكفي لتنفيذه إرادة تفاوضية وتعديل في لائحة الوزارتين لا في نص الوثيقة. ولا تتوفر في المصادر المتاحة أدلة على أن هذا الخيار طُرح رسمياً في التفاوض، وهذه فجوة معرفية ينبغي ألا تُملأ بالتخمين.

وخلاصة الفصل أن القيادة المدنية الكاملة للوزارتين كانت ضعيفة الإمكان، وأن الرقابة المدنية المؤسسية عليهما بوسائل الميزانية والشركات والمفتشية والنواب كانت ممكنة بدرجة متوسطة إلى مرتفعة، وأن الوثيقة وفرت لها مدخلين نصيين، لم يُفعّلا.

الفصل الثامن: المجلس التشريعي الانتقالي: ثلث للقوى الأخرى وتشاور مع العسكريين وغياب كامل في التطبيق

هل كان تجنب إعطاء العسكريين دوراً في اختيار جزء من المجلس التشريعي ممكناً؟ تقتضي الدقة أولاً ضبط وصف ما نصت عليه الوثيقة. فالمادة 23(3) جعلت 67% من أعضاء المجلس التشريعي من اختيار قوى الحرية والتغيير و33% من اختيار القوى الأخرى التي لم توقع إعلان الحرية والتغيير، وقضت بأن يجري التعيين وتحدد نسب كل قوة بالتشاور بين قوى الحرية والتغيير والأعضاء العسكريين في مجلس السيادة (Transitional Military Council, 2019). فالنص لا يمنح العسكريين «حق اختيار» ثلث المجلس بصورة منفردة، بل يمنحهم دوراً استشارياً في توزيع النسب وتحديد القوى. ويضاف إلى ذلك أن المادة 11(1)(د) جعلت مجلس السيادة، وفيه العسكريون، يصادق على أسماء الأعضاء، والتصديق شكلي بتعريف المادة 11(2). كما أن المادة 23(1) استثنت المؤتمر الوطني والقوى التي شاركت في النظام السابق، وأوجبت المادة 23(2) ألا تقل مشاركة النساء عن 40%، وأوجبت المادة 23(5) مراعاة مكونات المجتمع من قوى سياسية ومدنية ومهنية وطرق صوفية وإدارات أهلية وحركات مسلحة.

ويُفهم هذا الدور الاستشاري في سياقه التفاوضي. فقد أورد تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس أن المجلس العسكري سعى إلى إعادة النظر في نسبة قوى الحرية والتغيير في المجلس التشريعي بعد اتفاق 17 يوليو (Congressional Research Service, 2019)، وهو ما يدل على أن النسب كانت موضع مساومة لا نهائية. ومن جهة أخرى، يتبين من الشرح السابق (الفصل الثاني) أن الثلثين كانا قد حُسما مبدئياً في مايو (Gulf News, 2019).

وللحكم على إمكان تجنب دور العسكريين، يمكن تصور ثلاث صياغات بديلة. الأولى تحدد الثلث الآخر بمعايير موضوعية، كأن تقترح لجنة مستقلة أو تنتخبه قطاعات مهنية ومناطقية، بدل أن يُترك للتشاور مع الأعضاء العسكريين. وهي صياغة ممكنة بدرجة مرتفعة، لأن كلفتها على العسكريين محدودة، ولأن حصة الثلثين المدنية كانت محفوظة أصلاً. والثانية أن تكون المشاورة مع «القوى غير الموقعة» أنفسها لا مع العسكريين. وهي صياغة ممكنة كذلك. والثالثة أن يُحدد سقف زمني للتشاور وبديل تلقائي عند فواته، كأن تتولى قوى الحرية والتغيير الاقتراح وتُعرض الأسماء للتصديق الشكلي. وهي ممكنة بدرجة متوسطة، لأن العسكريين اهتموا بالتشريعي من زاوية تقليص الأغلبية المدنية.

لكن الأهم أن الدور العسكري في اختيار الثلث لم يتحول قط إلى سلطة فعلية، لأن المجلس لم يُشكَّل. فقد حددت المادة 23(4) مهلة تسعين يوماً لتشكيله، وبقي دون تشكيل حتى نهاية 2024 (Freedom House, 2025). وأرجأت قوى الحرية والتغيير تشكيله حتى يُتفق على السلام مع الجبهة الثورية، لتحجز لها نصيباً فيه (Peoples Dispatch, 2020). وفي نوفمبر 2020 اقترح مسؤول في قوى الحرية والتغيير توزيع الثلاثمئة مقعد بواقع 165 للحرية والتغيير و75 (25%) للجبهة الثورية و60 لبقية القوى (Middle East Monitor, 2020). وبحساب بسيط فإن النسبة المنصوص عليها (67%) كانت تعني نحو 201 مقعداً للحرية والتغيير، فيكون الاقتراح قد خفض حصتها بنحو 36 مقعداً (إلى 55%)، وقلّص حصة القوى الأخرى من نحو 99 مقعداً إلى 60. وهذا يعني أن المصدر الأكبر لتقلص الثلثين المدنيين لم يكن الاستشارة العسكرية بل إعادة التوزيع الداخلي بعد جوبا. ويؤكد المعهد الدولي للديمقراطية أن اتفاق جوبا منح موقعيه 25% من المجلس التشريعي (International IDEA, 2022).

وخلاصة الفصل أن الدور الاستشاري للعسكريين في اختيار الثلث كان قابلاً للتجنب بدرجة مرتفعة، لكنه لم يكن العائق الحقيقي. فالعائق الحقيقي كان عدم تشكيل المجلس أصلاً، وقد تحمّلت قوى الحرية والتغيير نصيباً مباشراً من المسؤولية عن هذا التأخير، ودفعت ثمنه بامتداد السلطة التشريعية المشتركة التي أتاحت للعسكريين موقعاً في التشريع.

الفصل التاسع: سائر سلطات العسكريين في الوثيقة: جرد منهجي وحكم على قابلية كل منها للتجنب

هل كان ممكناً تجنب إعطاء أي سلطات أخرى مذكورة في الوثيقة للعسكريين؟ يقتضي الجواب جرداً منهجياً لما ورد في الوثيقة. وقد ورد جزء منها في الفصول السابقة (الرئاسة والتمثيل والقيادة العليا والترشيح للوزارتين والتشاور حول التشريعي)، ويضاف إليها ما يلي.

أولاً، حصانة الإجراءات الجنائية. تنص المادة 21 على ألا تُتخذ إجراءات جنائية ضد أعضاء مجلس السيادة والوزراء والمجلس التشريعي والولاة إلا بإذن برفع الحصانة من المجلس التشريعي بأغلبية بسيطة، وإلى حين تشكيله يؤول الاختصاص إلى المحكمة الدستورية (Transitional Military Council, 2019). وبما أن المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية لم يُشكَّلا (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021)، فقد صارت الحصانة عملياً بلا جهة قادرة على رفعها. وهذه من أخطر ثغرات الوثيقة، لأنها تعطي حماية فعلية لأعضاء المجلس العسكريين، وتتصل مباشرة بقضية مجزرة 3 يونيو (Human Rights Watch, 2019)، وكانت المساءلة محوراً حاسماً في المفاوضات (Al Jazeera, 2019c). وكان تجنبها ممكناً بدرجة متوسطة إلى مرتفعة بصياغة تستثني الجرائم الجسيمة، وتنص على جهة بديلة غير مشروطة بتشكيل أجسام معطلة.

ثانياً، إصلاح المؤسسات العسكرية. فقد أوكلت المادة 7(12) إصلاح الأجهزة العسكرية إلى المؤسسات العسكرية نفسها، وهي سلطة جوهرية تعني أن أخطر ملفات الانتقال بقي بيد المعنيين به. وسجلت قراءة في مجلة «لوفير» أن الثغرة الأكبر هي غياب الإشراف المدني على الجيش (Lawfare, 2019). وكان تجنبها ضعيف الإمكان في صيغتها الكاملة، لكن تقييدها بجدول زمني ولجنة مشتركة وتقارير دورية كان ممكناً بدرجة متوسطة.

ثالثاً، بقاء قانون الدعم السريع وقانون القوات المسلحة. فقد نظمت المادة 34 علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة التنفيذية بهذين القانونين، وأبقت المادة 2(أ) القوانين السارية ما لم تُلغَ أو تُعدَّل. فاستمرت قوات الدعم السريع بوضعها القانوني الذي حصلت عليه في 2017 (International Crisis Group, 2019). وكان تجنب ذلك ممكناً بدرجة متوسطة، بنص انتقالي يلزم بمراجعة القانونين خلال مهلة محددة. وفي هذا السياق، يلاحظ أن العسكريين لا يملكون وحدهم تعطيل التشريع في الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء. فإذا افترضنا أن مجلس الوزراء ضم ثمانية عشر وزيراً عند تشكيله، منهم اثنان عسكريان، وأن أعضاء السيادة المدنيين ستة، فإن المدنيين يبلغون نحو اثنين وعشرين من تسعة وعشرين، أي أكثر من الثلثين المطلوبين. وهذا حساب نظري يفترض وحدة الصف المدني، لكنه يبين أن القيد على إصلاح قانون الدعم السريع كان سياسياً لا نصياً.

رابعاً، المحاكم العسكرية. فقد أجازت المادة 37 إنشاء محاكم عسكرية للقوات المسلحة والدعم السريع والشرطة والمخابرات لمحاكمة أفرادها عن مخالفات القوانين العسكرية، مع استثناء الجرائم ضد المدنيين التي تختص بها المحاكم العادية. فالنص احتاط ولم يترك مجالاً لمحاكمة ضحايا المدنيين أمام قضاء عسكري. ولذلك لا تُعدّ هذه المادة سلطة إضافية جوهرية، وتجنبها ممكن لكنه قليل الأثر.

خامساً، حفظ مراسيم المجلس العسكري. فقد نصت المادة 2(ب) على بقاء المراسيم الصادرة من 11 أبريل 2019 حتى التوقيع سارية ما لم تُلغَ أو تُعدَّل، وعلقت إلغاءها بالمجلس العسكري نفسه. وقضت المادة 70(2) بحل المجلس بمجرد أداء أعضاء مجلس السيادة اليمين، فخف أثر هذه المادة إلى حد بعيد. وكان تجنبها ممكناً بسهولة بإحالة المراجعة إلى المجلس التشريعي أو إلى مجلس الوزراء.

سادساً، التعيينات في اللجان المستقلة. فقد جعلت المادة 38(3) مجلس السيادة، بالتشاور مع مجلس الوزراء، هو من يعين رؤساء وأعضاء لجان السلام والحدود والدستور والانتخابات. ووضعت المادة 38(2) شروطاً للمرشحين منها ألا يكونوا قد تولوا مناصب سيادية أو دستورية منذ يونيو 1989. وكان تجنبها ممكناً بأن يتولى مجلس الوزراء التعيين وللسيادة المصادقة الشكلية، وهو إمكان مرتفع لأنه يتسق مع روح المادة 11(2).

سابعاً، مجلس الأمن والدفاع وسلطة إعلان الحرب والطوارئ. فتركيبة المجلس وفق المادة 11(1)(ي) تضم أعضاء السيادة ورئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل والمالية والقائد الأعلى للقوات والنائب العام ومدير المخابرات، ما يعني أن الأغلبية فيه أمنية إذا حسبنا الأعضاء العسكريين في السيادة ومن في حكمهم، لكن التمثيل المدني فيه ليس هامشياً. ويمنح هذا التشكيل العسكريين دوراً في التوصية بالحرب، وتلزم الوثيقة بإجازة المجلس التشريعي خلال 15 يوماً، وهو شرط لا يعمل ما دام المجلس غائباً. وكان تجنب هذا الاختلال ممكناً بإضافة نص يعطي مجلس الوزراء دور التصديق الاحتياطي عند غياب المجلس التشريعي.

ثامناً، نقل الصلاحيات التنفيذية. فالمادة 70(4) قضت بأن تؤول إلى رئيس الوزراء صلاحيات رئيس الجمهورية التنفيذية الواردة في القوانين، باستثناء ما منحته الوثيقة للمجلس السيادي، وأحالت النزاع بين السلطتين إلى المحكمة الدستورية التي لم تُشكَّل. فبقي النزاع بلا فاصل، وصار ميزان الواقع هو الحَكَم. وكان تجنب هذه الثغرة ممكناً بدرجة مرتفعة بنص بديل يعطي لجنة تحكيم مؤقتة صلاحية الفصل ريثما تقوم المحكمة.

وخلاصة هذا الجرد أن السلطات العسكرية في الوثيقة تنقسم إلى ثلاث فئات. فئة جوهرية يصعب تجنبها كالقيادة العليا وبقاء الدعم السريع بوضعه وإصلاح المؤسسة العسكرية بيدها. وفئة قابلة للتقييد بنصوص انتقالية وآجال وآليات رقابية كالحصانة والمؤسسات المساعدة والتعيينات. وفئة نتجت أصلاً عن غياب المؤسسات التي نصت عليها الوثيقة، وهي المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، فصارت الوثيقة بلا ضوابط ومعها اختلت موازين الشراكة (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021). وهذه الفئة الأخيرة هي الأكبر أثراً، وهي الأقرب إلى القرار السياسي المدني، وفيها كان التقصير المدني أوضح من أي تنازل مفروض.

الفصل العاشر: ستة بدائل افتراضية موزونة بالأدلة ودروس المقارنة: 1964 و1985 ومصر والجزائر وبوركينا فاسو

ستة بدائل افتراضية موزونة بالأدلة

يمكن اختبار سؤال المقال بفحص ستة مسارات بديلة، يوزن كل منها بشروط الإمكان المذكورة في الفصل الأول.

البديل الأول: مواصلة الاعتصام والعصيان المدني إلى أن ينقسم الجيش. تدل التجربة على أن هذا الخيار جُرّب جزئياً بعد 3 يونيو عبر العصيان المدني ومسيرات 30 يونيو، وكان ثمنه باهظاً. ولم يظهر في الأدلة ما يشير إلى أن الانقسام الحقيقي في المؤسسة العسكرية كان وشيكاً. بل تذكر تحليلات أن الجيش والدعم السريع تعاونا على إجهاض محاولات تسليم السلطة، وأن القوات الأمنية حاولت مرتين إقامة حكم عسكري منفرد (Stiftung Wissenschaft und Politik, 2024). وتقدير احتمال نجاح هذا البديل ضعيف، وكلفته المحتملة هي مزيد من العنف وربما حرب أهلية مبكرة.

البديل الثاني: حكومة مدنية كاملة مع إقصاء العسكريين. يتطلب هذا ميزان قوى مختلفاً لا وجود له. وقد حذّر قيادي في قوى الحرية والتغيير في ديسمبر 2019 من أن استراتيجية إقصاء العسكريين الكامل تقود إلى حرب أهلية بسبب الانقسامات العميقة في الجيش (Stiftung Wissenschaft und Politik, 2024). وهذا الحكم، وإن كان تقديرياً، يعكس واقعاً مشهوداً.

البديل الثالث: وصاية عسكرية على النمط المصري. هذا هو الخط الأساس الذي كان المجلس العسكري ميّالاً إليه بعد 3 يونيو، حين أعلن إلغاء الاتفاقات والدعوة إلى انتخابات مبكرة. والتجربة المصرية بين 2011 و2013 تبين أن إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية انتهت إلى إعادة إنتاج حكم الجيش (Brownlee, 2015). وهو بديل ممكن للعسكريين لا للمدنيين، وكان سيكون أسوأ من الشراكة.

البديل الرابع: انتقال بقيادة مدنية مع ضامن خارجي. يُعد من أفضل البدائل نظرياً، لكن لم يتوفر ضامن موثوق، فالقوى الإقليمية كانت منحازة إلى المجلس العسكري، والقوى الغربية لم تكن مستعدة لالتزام أمني.

البديل الخامس: شراكة بصيغة أفضل. هذا هو البديل الأكثر إمكاناً بالأدلة. فقد كان هناك حيّز لتفاوض أفضل في عدة نقاط: مدة الرئاسة العسكرية، وشروط انتقال الرئاسة، وضبط الشركات الأمنية، وجدول دمج القوات، وإشراك الحركات المسلحة، وتأمين تشكيل التشريعي. وتشير المقاربات النظرية إلى أن الاتفاقات تصمد حين تشمل ضمانات أمنية وسياسية وإقليمية متزامنة (Hartzell, 2003)، وكان يمكن للتفاوض أن يسعى إليها. وقد بينت الفصول من الرابع إلى التاسع أن هذا البديل ينقسم عملياً إلى بنود بعضها عالي الإمكان (قائمة الترشيح الثلاثية لوزيري الدفاع والداخلية، وتنظيم الحصانة، وتحديد معايير الثلث التشريعي، وتعيين اللجان بيد الحكومة، وآلية تحكيم مؤقتة) وبعضها ضعيف الإمكان (القيادة المدنية الكاملة لوزارتي الدفاع والداخلية، وسحب القيادة العليا من المجلس).

البديل السادس: شق الجانب العسكري عبر تحالف مدني مع الجيش ضد الدعم السريع، أو العكس. وقد جرى ذكر هذا الخيار في تحليلات لاحقة بوصفه محاولة جزئية في فترة حمدوك، غير أن مخاطره عالية، وقد يؤدي إلى حرب مبكرة بين القوتين.

وخلاصة الموازنة أن البدائل الثلاثة الأول إما ضعيفة الاحتمال أو أسوأ كلفة، وأن البديل الرابع غير متاح، وأن البديل الخامس هو الأرجح. وبالتالي يكون الجواب المبدئي: تجنب الشراكة من حيث المبدأ كان أقرب إلى المستحيل، وتحسين صيغتها كان ممكناً.

دروس المقارنة: 1964 و1985 ومصر والجزائر وبوركينا فاسو

تمنح المقارنة التاريخية والإقليمية هذا الاستنتاج سنداً. ففي أكتوبر 1964 تنحى نظام عبود تحت ضغط الشارع، وعادت الأحزاب إلى الحكم في إطار تسوية مع الجيش (Woodward, 1990). وفي أبريل 1985 أطاح الجيش بنظام النميري، وتولى المجلس العسكري الانتقالي بقيادة سوار الذهب الحكم نحو عام قبل تسليمه إلى حكومة منتخبة في 1986، وتشير الدراسات المقارنة للانتفاضتين إلى أن العودة الشكلية للجيش إلى الثكنات دون إصلاح أمني لم تضمن البقاء (Berridge, 2015). وتؤكد دراسات الدولة والسياسة في السودان أن الانقلابات المتكررة جزء من البنية التاريخية للحياة السياسية (Woodward, 1990).

وفي الإقليم، انتهت تجربة المجلس العسكري في مصر إلى هيمنة عسكرية جديدة، بينما تبين تجربة الجزائر بعد 2019 كيف يمكن لقيادة الجيش أن تحتوي حراكاً شعبياً وتدير مساره بنفسها (Brownlee, 2015). وفي بوركينا فاسو في 2014 و2015 واجه الانتقال المدني محاولة انقلاب من الحرس الرئاسي الخاص، ولم يُحسم الأمر إلا بتدخل الجيش النظامي وحل الحرس، وهي حالة تقترب كثيراً من ثنائية الجيش والدعم السريع في السودان. وتتفق هذه الحالات على أن نجاح الانتقال يعتمد على وجود قوة عسكرية تقبل بحماية الانتقال أو تفرضه، وأن غياب هذه القوة يجعل «الشراكة» الصيغة الواقعية الوحيدة في الغالب. أما التميز السوداني فهو وجود جيشين عملياً لا جيش واحد، وهذا ما ضاعف الخطر. ويضاف إلى ذلك أن حالة تونس بعد 2011، التي أُسندت فيها وزارة الداخلية إلى مدنيين، تذكّر بأن الإشراف المدني على الأمن الداخلي ممكن حين لا تتحول المؤسسة الأمنية إلى طرف مسلح مستقل، وهو شرط لم يتوفر في الخرطوم.

الفصل الحادي عشر: بين الأسطورة والواقع: تفكيك الشائعات والمعلومات المضللة

يتكاثر حول هذا الموضوع سرديات متضاربة، ويحسن فرزها بميزان الأدلة.

تقول الأسطورة الأولى إن قيادة قوى الحرية والتغيير «باعت الثورة» بتوقيعها. والواقع أن الأدلة المتاحة لا تثبت فساداً في قرار التوقيع، بل تثبت وجود ضغط ميزان القوى، وإن كان النقد الموجّه إلى العملية التفاوضية صحيحاً في كثير من وجوهه.

وتقول الثانية إن مجزرة 3 يونيو أنهت التفاوض نهائياً. والواقع أن المفاوضات استؤنفت خلال أسابيع بوساطة أفريقية وإثيوبية بعد تحرك دولي واسع (Euronews, 2019).

وتقول الثالثة إن المجزرة عمل «مندسين» أو عناصر منفلتة. والواقع أن هيومن رايتس ووتش خلصت إلى أن الهجوم كان مخططاً وأن حجم القوات يدل على تخطيط رسمي (Human Rights Watch, 2019)، وإن كانت روايات رسمية قد نسبت ما حدث إلى انفلات أو إلى عملية لتطهير منطقة محددة. وقد أكدت لجان مستقلة أن نشر القوات سبق الهجوم بأيام (Fricke, 2020). وفي المقابل، ما تزال المحاسبة القضائية الكاملة غائبة، وقد حذّرت هيومن رايتس ووتش من أن غياب المساءلة يهدد مصداقية الانتقال (Human Rights Watch, 2019).

وتقول الرابعة إن الإضراب العام كان كفيلاً بإسقاط المجلس العسكري لأن الجيش ضعيف. والواقع أن التجربة بعد يونيو أظهرت أن العصيان المدني، رغم حجمه، لم يُسقط المجلس.

وتقول الخامسة إن الغرب أو الرباعية فرضت الشراكة. والواقع أن الصورة مركّبة، فالوساطة أفريقية إثيوبية، وكانت واشنطن تدفع نحو حكم مدني، بينما دعمت قوى إقليمية المجلس العسكري ماليّاً وسياسياً (International Crisis Group, 2019). فلا توجد جهة واحدة فرضت الصيغة.

وتقول السادسة إن الشراكة هي سبب حرب أبريل 2023. وهذه مقولة أحادية السبب. فالعوامل الأعمق هي استقلال المؤسستين المسلحتين، وتعثر الإصلاح الأمني، وتنافس الجنرالين، وانهيار العملية الانتقالية بعد انقلاب 2021 (Stiftung Wissenschaft und Politik, 2024)، وقد وجد باحثون أن العسكريين تلكأوا في تشكيل لجان تنفيذ ترتيبات جوبا الأمنية (Accord, 2023).

وتقول السابعة إن حميدتي كان يسعى فعلاً إلى حكم مدني. وهذه رواية دعائية لا تسندها الأدلة، فقد ثبت تورط قواته في أحداث 3 يونيو (Human Rights Watch, 2019).

وتقول الثامنة إن الجيش كتلة واحدة متماسكة. وهذا غير صحيح، فقد كان الجيش والدعم السريع والأمن قوى متمايزة تتنافس على السلطة والموارد (International Crisis Group, 2019).

وتتعلق التاسعة بأرقام الضحايا، إذ تنتشر أرقام مضخمة أو مخففة. والمنهج السليم أن تُعرض الأرقام المتاحة مع مصادرها: 85 بحسب المفوضية، وما لا يقل عن 120 بحسب هيومن رايتس ووتش، و127 بحسب لجنة الأطباء، مع التأكيد على أن إحصاء المفقودين لم يكتمل (Sudan Tribune, 2019a; Human Rights Watch, 2019; Dabanga, 2022).

وتقول العاشرة إن الوثيقة الدستورية سلّمت الدولة للعسكريين تسليماً مطلقاً. والواقع أن نص الوثيقة قيّد كثيراً من سلطات المجلس السيادي بتعريف التصديق الشكلي وبحق إعادة الإصدار (المادة 11(2))، وجعل الحكومة المدنية أعلى سلطة تنفيذية، وأخضع الجيش للمجلس السيادي وللقانون، ولذلك فإن الأدق أن يقال إن الوثيقة وزّعت السلطة وأبقت للعسكريين ثلاثة أعمدة هي القيادة العليا والاستثناء الأمني والحصانة، وأن اختلال الميزان نتج عن غياب المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021).

وتقول الحادية عشرة إن العسكريين «اختاروا» ثلث المجلس التشريعي. والواقع أن الوثيقة نصت على تشاور مع الأعضاء العسكريين في نسب القوى غير الموقعة وعلى تصديق شكلي، ولم تعطهم حق الاختيار المنفرد (Transitional Military Council, 2019).

وتقول الثانية عشرة إن العسكريين وحدهم هم من عطّلوا المجلس التشريعي. والواقع أن قوى الحرية والتغيير أرجأت تشكيله بنفسها إلى حين اتفاق السلام وفاوضت على نسب الجبهة الثورية (Peoples Dispatch, 2020; Middle East Monitor, 2020).

وتقول الثالثة عشرة إن وزيري الدفاع والداخلية كانا عضوين في المجلس العسكري. والواقع أن وزير الدفاع جمال الدين عمر كان عضواً فيه، أما وزير الداخلية فقد رشحته الشرطة وهو ضابط شرطة لا عضو في المجلس (Sudan Tribune, 2019d).

وتقول الرابعة عشرة إن الاستثناء الأمني كان اتفاقاً مبكراً بين الطرفين. والواقع أن جولات سابقة اتفقت على أن تعين الحرية والتغيير الحكومة كلها، ثم جاء الاستثناء في اتفاق 17 يوليو (Peoples Dispatch, 2019).

الفصل الثاني عشر: من الشراكة إلى الحرب ودروس عملية للسودان

هل كانت الشراكة سبباً أم ناقلاً؟

يربط كثيرون بين الشراكة وبين انقلاب أكتوبر 2021 ثم حرب 2023، والسؤال التحليلي هو وزن الشراكة في هذه السلسلة. تشير الأدلة إلى أن الشراكة لم تكن السبب الجذري، بل كانت الإطار الذي تحركت داخله أسباب أعمق. فقد ظل الجيش والدعم السريع محتفظين بقيادتين مستقلتين وباقتصادين موازيين، ولم تُفكك أي من البنيتين. وجاء اتفاق جوبا في أكتوبر 2020 ليضيف طرفاً مسلحاً جديداً إلى معادلة الشراكة، بما ظنه كثيرون توسيعاً للقاعدة لكنه أعاد توزيع الأوزان داخل المجلس السيادي لصالح العسكريين. وذهبت قراءات إلى أن الاتفاق انحرف عن استراتيجية الإعلان الدستوري التي جعلت إصلاح الدولة أولوية (International IDEA, 2022). ثم جاء الانقلاب في 25 أكتوبر 2021، وتلاه الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022، الذي تعثر عند ملف دمج القوات، ثم اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023. ويرى باحثون أن المسار لم يكن مفاوضات بين «الجيش» و«المدنيين» فحسب، بل كان نقاشاً ثلاثي الأطراف بين الجيش والدعم السريع وقوى الحرية والتغيير (Stiftung Wissenschaft und Politik, 2024). وبذلك تتحمل الشراكة المسؤولية بوصفها صيغة غير محصنة، لا بوصفها مبدأً. ويلاحظ أن الانقلاب نفسه حاول، بحسب تحليل قانوني، إعادة السلطة إلى ما كانت عليه قبل اتفاق 17 يوليو 2019 وتعطيل مواد في الوثيقة (Just Security, 2021).

دروس عملية للسودان

ويمكن استخلاص دروس عملية للسودان من هذا التحليل. أولها أن أي انتقال مستقبلي بعد الحرب ينبغي أن يبدأ بقيادة عسكرية واحدة قابلة للمساءلة، وأن يتضمن جدولاً زمنياً ملزماً للدمج وإعادة الهيكلة، لأن تعدد الجيوش هو أخطر ثغرات 2019. وثانيها أن الشراكة، إذا فُرضت، يجب أن تُقيّد بمواعيد قاطعة لانتقال الرئاسة، وبآليات تنفيذ لا تتوقف على رغبة الطرف المسلح. وثالثها أن تكتل القوى المدنية وانسجامه شرط جوهري، فقد أخفقت المرحلة السابقة جزئياً بسبب التباين الأيديولوجي والتنظيمي بين مكوناتها (International IDEA, 2022). ورابعها أن إشراك الأطراف المسلحة وجماعات الهامش منذ البداية يمنع تحول السلام إلى سباق على مقاعد السلطة (Pospisil, 2019). وخامسها أن ضمانات التنفيذ الخارجية يجب أن تكون موثوقة وغير منحازة، لأن الانتقال بلا ضامن يبقى رهينة لتوازنات القوة. وسادسها أن العدالة الانتقالية يجب ألا تُترك للمستقبل، فغياب المحاسبة عن مجزرة 3 يونيو بقي جرحاً مفتوحاً قوّض الثقة. وتؤيد أدبيات السلام الحديثة أن إغفال العمل السياسي الشامل لصالح الحلول الفنية يعيد إنتاج الحرب (Srinivasan, 2021).

وتضيف الفصول الستة المتخصصة سبعة دروس صياغية. فسابعها أن أي وثيقة انتقالية يجب ألا تُعلّق نفاذ ضماناتها على تشكيل أجسام لاحقة، كالمجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، من دون بدائل مؤقتة تعمل تلقائياً عند التأخر، لأن غياب هذه الأجسام حوّل الضمانات إلى نصوص معطلة (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2021). وثامنها أن الحصانة يجب أن تُصاغ بحيث لا تحمي الجرائم الجسيمة، وبجهة رفع فورية. وتاسعها أن الاستثناءات الأمنية في التشكيل الحكومي، إن لم تُتجنب، يجب أن تُقيَّد بقائمة ترشيح متعددة وحق إقالة مدني فعلي وولاية رقابية مالية على الشركات العسكرية والأمنية. وعاشرها أن قاعدة التصويت في الهيئات السيادية يجب ألا تحوّل أغلبية مدنية نظرية إلى أقلية عملية بشرط الثلثين. وحادي عشرها أن إشراك الجبهة الثورية والقوى المسلحة كان ينبغي أن يسبق توقيع الوثيقة لا أن يليها، فلا يتحول تشكيل المجلس التشريعي إلى رهينة للتفاوض على المقاعد. وثاني عشرها أن أي صياغة جديدة ينبغي أن تحدد، نصاً وبوضوح، ما هو شكلي وما هو فعلي في سلطات الرئاسة السيادية، فلا يُترك للتأويل ما يملكه فعلاً رأس الدولة.

خاتمة نقدية

ينتهي المقال إلى جواب مركّب عن سؤاله. فمن حيث المبدأ، كان تجنب الشراكة مع المجلس العسكري الانتقالي في 2019 شبه مستحيل بالأدلة المتاحة، لأن ثلاثة شروط لازمة له لم تتوفر: قدرة مدنية على الإكراه، وانقسام حقيقي في الجهاز الأمني من الأسفل، وضامن خارجي موثوق. أما من حيث الصيغة، فقد كان هناك حيّز حقيقي لتفاوض أفضل، وكانت عيوب أغسطس 2019 في التسلسل والضمانات وإشراك الأطراف المسلحة وتأخير التشريعي أخطاء قابلة للتجنب. وعليه، فإن السؤال الأصوب ليس «شراكة أم لا»، بل «أي شراكة، بأي تسلسل، وبأي ضمانات».

وتؤكد الفصول المتخصصة هذا الحكم بتفصيل البنود. فعلى مستوى مجلس السيادة، كان غياب العسكريين كلياً ضعيف الإمكان إلى حد الاستحالة، لكن الأقلية والرئاسة المدنية الأولى وتخفيف شرط الثلثين وآلية بدلاء متوازنة كانت ممكنة بدرجات متوسطة. وعلى مستوى سلطات المجلس، كان نزع القيادة العليا شبه مستحيل، لكن نزع السلطة التشريعية المؤقتة كان ممكناً وكان في متناول المدنيين أنفسهم بتشكيل التشريعي في موعده. وعلى مستوى وزارتي الدفاع والداخلية، كان تجنب الترشيح العسكري ضعيف الإمكان، وكان تقييده بقائمة ثلاثية وحق إقالة ممكناً، وكان الإشراف المدني على الداخلية والمؤسسات المالية للوزارتين أكثر إمكاناً من القيادة المدنية الكاملة. وعلى مستوى التشريعي، كان تجنب التشاور مع العسكريين ممكناً بدرجة مرتفعة، لكنه لم يكن العائق الحقيقي. وعلى مستوى السلطات الأخرى، تبين أن أخطرها، وهو الحصانة بلا جهة لرفعها وإصلاح الجيش بيد الجيش وبقاء قانون الدعم السريع، كان قابلاً للتقييد بدرجات متوسطة إلى مرتفعة، وأن أكبر عامل في اختلال الميزان لم يكن نصاً بعينه بل غياب المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية.

ولا يخلو هذا الاستنتاج من قيود. فمصادره الأولية العربية المنشورة قليلة، وكثير من تفاصيل المفاوضات الداخلية لم يُوثّق بعد، ولا تتوفر في المصادر المتاحة معلومات عن المقترحات التي قدمها المفاوضون المدنيون بشأن الإشراف المدني على وزارتي الدفاع والداخلية. وتقديرات الاحتمال المذكورة نوعية لا كمّية. كما أن أرقام المواد تعتمد على ترجمة مسودة 4 أغسطس وقد اختلف ترقيم النسخة النهائية، والحساب الخاص بالاجتماع التشريعي المشترك يفترض عدداً معيناً لأعضاء مجلس الوزراء ووحدة الصف المدني. وكذلك فإن تحليل البدائل الافتراضية يظل محكوماً بحدود المعرفة. ومن النقد المنصف أيضاً أن الحكم على قرارات 2019 بمعطيات 2023 قد يظلم المفاوضين الذين لم يعرفوا ما سيأتي. وأخيراً، فإن كل خلاصة هنا تتطلب مراجعة كلما أُتيحت وثائق ومحاضر ومقابلات جديدة، وخاصة ما يتصل بحسابات قادة الجيش والدعم السريع في تلك الأشهر.

المراجع

  1. Accord. Consolidating peace? The inner struggles of Sudan’s transition agreement. African Journal on Conflict Resolution. 2023. Accessed 28 October 2026.
  2. Al Jazeera. New ruling body ushers in Sudan’s complex shift to civilian rule. 2019 Aug 21. Accessed 28 October 2026.
  3. Al Jazeera. Sudan protesters, army agree on constitutional declaration. 2019 Aug 3. Accessed 28 October 2026.
  4. Al Jazeera. What’s at stake in next round of Sudan negotiations? 2019 Jul 19. Accessed 28 October 2026.
  5. Arab Center Washington DC. Will the Political Agreement Pave the Way for Democracy in Sudan? Washington, DC: Arab Center Washington DC; 2019. Accessed 28 October 2026.
  6. Berridge W. Civil Uprisings in Modern Sudan: The “Khartoum Springs” of 1964 and 1985. London: Bloomsbury; 2015.
  7. Brownlee J, Masoud T, Reynolds A. The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform. Oxford: Oxford University Press; 2015.
  8. Chenoweth E, Stephan MJ. Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict. New York: Columbia University Press; 2011.
  9. Congressional Research Service. Sudan’s Uncertain Transition. CRS Report R45794. Washington, DC: Congressional Research Service; 2019 (updated 2019 Jul 17). Accessed 28 October 2026.
  10. Constitute Project. Sudan 2019 (rev. 2020) Constitution. Constitute Project; 2020. Accessed 28 October 2026.
  11. Dabanga. Sudan timeline July–Sept 2019: Turbulent transformation from tyranny. Dabanga Radio TV Online; 2019. Accessed 28 October 2026.
  12. Dabanga. Young protester shot dead during June 3 Massacre commemorations. Dabanga Radio TV Online; 2022. Accessed 28 October 2026.
  13. de Waal A. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity Press; 2015.
  14. Euronews. Sudan’s military and opposition coalition agree on constitutional declaration. 2019 Aug 3. Accessed 28 October 2026.
  15. Freedom House. Sudan: Freedom in the World 2025 Country Report. Washington, DC: Freedom House; 2025. Accessed 28 October 2026.
  16. Fricke A. “Chaos and Fire”: An Analysis of Sudan’s June 3, 2019 Khartoum Massacre. Physicians for Human Rights; 2020 Mar 11. Accessed 28 October 2026.
  17. Gulf News. Sudan opposition agree on mediator draft agreement. 2019. Accessed 28 October 2026.
  18. Hartzell C, Hoddie M. Institutionalizing peace: power sharing and post-civil war conflict management. Am J Polit Sci. 2003;47(2):318–32.
  19. Human Rights Watch. “They Were Shouting ‘Kill Them'”: Sudan’s Violent Crackdown on Protesters in Khartoum. New York: Human Rights Watch; 2019 Nov. Accessed 28 October 2026.
  20. International Crisis Group. Safeguarding Sudan’s Revolution. Africa Report No. 281. Brussels: International Crisis Group; 2019. Accessed 28 October 2026.
  21. International IDEA. Sudan’s 2019 Constitutional Declaration: Its Impact on the Transition. Stockholm: International IDEA; 2022. Accessed 28 October 2026.
  22. Just Security. Sudan’s Constitutional Crisis: Dissecting the Coup Declaration. 2021. Accessed 28 October 2026.
  23. Lawfare. A Constitutional Moment in Sudan. 2019. Accessed 28 October 2026.
  24. Library of Congress. Sudan: Interim Constitutional Declaration Signed. Global Legal Monitor; 2019 Oct 9. Accessed 28 October 2026.
  25. Linz JJ, Stepan A. Problems of Democratic Transition and Consolidation: Southern Europe, South America, and Post-Communist Europe. Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1996.
  26. Middle East Monitor. Sudan: Formation of transitional parliament to be postponed. 2020 Nov 24. Accessed 28 October 2026.
  27. O’Donnell G, Schmitter PC. Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies. Baltimore: Johns Hopkins University Press; 1986.
  28. Peoples Dispatch. Why the political agreement in Sudan may end up preserving the military’s power. 2019 Jul 18. Accessed 28 October 2026.
  29. Peoples Dispatch. As peace in Sudan remains elusive, protesters mobilize to “correct the revolution”. 2020 Jun 24. Accessed 28 October 2026.
  30. Pospisil J. Sudan’s Interim Constitutional Arrangement: The Risk of Sharing a Non-Existent Cake. PeaceRep; 2019 Sep 2. Accessed 28 October 2026.
  31. Przeworski A. Democracy and the Market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America. Cambridge: Cambridge University Press; 1991.
  32. Srinivasan S. When Peace Kills Politics: International Intervention and Unending Wars in the Sudans. London: Hurst; 2021.
  33. Stiftung Wissenschaft und Politik. Power Relations in Sudan after the Fall of Bashir. SWP Research Paper 2024/RP05. Berlin: Stiftung Wissenschaft und Politik; 2024. Accessed 28 October 2026.
  34. Sudan Tribune. 85 people killed in 3-June bloody attack, says Sudan’s rights body. 2019 Sep 23. Accessed 28 October 2026.
  35. Sudan Tribune. FFC extends to Hamdok nominees for Sudan’s transitional cabinet. 2019 Aug 27. Accessed 28 October 2026.
  36. Sudan Tribune. FFC, Hamdok reach deal on Sudan’s transitional cabinet. 2019 Sep 4. Accessed 28 October 2026.
  37. Sudan Tribune. Hamdok announces first post-Bashir era government in Sudan. 2019 Sep 5. Accessed 28 October 2026.
  38. Tahrir Institute for Middle East Policy. Legislating in Sudan: The Transitional Period. Washington, DC: Tahrir Institute for Middle East Policy; 2021. Accessed 28 October 2026.
  39. Transitional Military Council, Forces of Freedom and Change. Draft Constitutional Charter for the 2019 Transitional Period (translation of the version signed on 4 August 2019, prepared by International IDEA). Khartoum; 2019. Accessed 28 October 2026.
  40. Tubiana J. Remote-Control Breakdown: Sudanese Paramilitary Forces and Their Impact in Darfur. HSBA Issue Brief. Geneva: Small Arms Survey; 2017.
  41. Walter BF. The critical barrier to civil war settlement. Int Organ. 1997;51(3):335–64.
  42. Woodward P. Sudan 1898–1989: The Unstable State. Boulder: Lynne Rienner; 1990.
  43. قوى إعلان الحرية والتغيير. إعلان الحرية والتغيير. الخرطوم؛ 1 يناير 2019.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
“تمايزت الصفوف” ؟!! .. بقلم: د. خالد التيجاني النور
منبر الرأي
عبد الرحيم بلال والتنمية الريفية (2 ـ 2) .. بقلم: جعفر خضر
منبر الرأي
الكارثة!! (1) .. بقلم: د. عمر القراي
منبر الرأي
مبادرة، استغاثة ونداء لأهل النُهي !! .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين
منبر الرأي
كيف نفهم خيارات بركة ساكن ؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لا تلوموا عبدالواحد أو الحلو ( 7 – 9 ) بل النخب السودانية لعدم إلتزامها بالقيم الأخلاقية الإنسانية .. بقلم: عبدالله مصطفى آدم – بيرث – أستراليا

طارق الجزولي
منبر الرأي

بين النقد والتخذيل والتآمر .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

كَرَرِي: 120 عاماً!: 2 سبتمبر 1898م ـ 2 سبتمبر 2018م .. بقلم: كمال الجزولي

كمال الجزولي
منبر الرأي

عرض لكتاب: بيتر إفرنجتون: يا خواجة، أعمل حسابك، مدرس بريطاني في السودان 1958 – 1966 .. بقلم: بروفيسور/ فدوى عبد الرحمن علي طه، جامعة الخرطوم

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss